كيف لك أن تحيي الفقد ، أو تصفق له ، أو تقف برباطة جأشٍ كي تقدم التهنئة لمن سيغيب عنك الى الأبد ؟ هذه الأسئلة وانت رجل _ ايها القارئ الكريم _ ولست عسكريا كي تؤدي تحيةً عسكرية للفقيد ؛ لكن في العراق يحدث مايجعل اللغة تجلد نفسها كي تتمخض عن معنى يسعفها ، ويحرج العين حين تغض دمعها وتشزر الموت وتهزأ به ؛ في العراق ، حصرا ، وفي سابقة لا اظنها حدثت على مر التاريخ ، في كل بلدان الله ، استقبلت تلك الأم العظيمة فلذة كبدها في احتفال عسكري جعلته مهيبا بمفردها ، نعم بمفردها جدا ، وظهرت كأنها قائد عسكري يزف احد ابطاله الى الشهادة .
لكن ، لكنها أمٌ يا الله ، أمٌ تحفظ كل (نواعي) المشاحيف ، وونين التقهقر ، أمٌ بكامل معنى الامومة ، أمٌ ترعرعت في بيئة يكون فيها ( الثغيب ) سيد اللحظة في موقف كهذا ، وهو موقف يبكي الجبال قبل الرجال ، فلماذا لم تبكي يا أم حيدر ؟ هل كنت واثقة من انه يراك ؟ هل كنت تخشين على رحلته الاخيرة من دموعك ؟ هل كانت تحيتك العسكرية رسالة تحمل ماتحمله من لعنات على تجار الموت والخراب ؟ هل كانت هذه التحية ترجمةً حرفية لاهزوجة الامهات حين يواجهن موقفا كهذا، ( عفية ابني الربيته لهذا ) .
حيدر حسين جاسب طابور العلياوي ، أحد أبطال الحشد الشعبي ( لواء 313) استشهد في قاطع سامراء ؛ لكن القائد العام لتربيته ونشأته والمسؤول عن صناعته بطلا ورمزا هي أمه ، وقد رفضت ان يكون التشييع رتيبا ، ويمر مثل أي حدث عابر ، في بلد صارت فيه اخبار الموت ثانوية جدا ، لكثرة شيوعها ، واعتياد الناس عليها ، فمنذ اكثر من اربعين عاما وامهاتنا تبذر الاطفال في تربة الرجولة كي ينضجوا فتقطفهم الحروب بمنتهى التبذير ؛ لكنّ مايخنقني هو:( لماذا فعلت ام حيدر هذا ) هل كانت ترد التحية على ولدها ؟ هل كانت تطالب بأن تؤدى التحية العسكرية لكل الشهداء ؟ هل هربت من عينها الى يدها ؟ من دمعها الى التحية ؟ من انحناءتها وانكسار ظهرها ، الى وقفة تقول بها لولدها ، ها انا اقف مثلك ؟
اقسم انها صفعة لكل من تآمر على البلد ، وليست تحية عابرة ، واقسم انها تحية ( عِدْلَ ) العراق بكل عمقه التاريخي .
المجد والخلود لولدك ايتها النخلة الباسلة ، والسلام عليك بحجم دمعك المكبوت ، وآخر ما اقوله : ان هذه اليد النبيلة التي رفعت بطريقة عسكرية ستلاحق لعنتها كل من يدعون الرجولة زيفا . وانها يدٌ من حليب ودمع ، من ولادة وفقد ، لكنها يد نخلة لم تشأ ان يفرح الادغال بمقتل ابنها .







د.فاضل حسن شريف
منذ 3 ايام
آثار وتداعيات فيروس كورونا المُستَجَد على الإقتصاد والمجتمع في العراق
الحكمة في العناية الإلهية بتغليب العدل في آخر هذه الحياة
وعي الاستذكار وضرورة الاعتبار
EN