العقل والوعي: حين يفكّر الإنسان ليحمي إنسانيته
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
04/02/2026
ليس العقل مجرّد قدرة على التحليل، ولا الوعي مجرّد تراكم للمعلومات، بل هما جوهر الكائن الإنساني حين يسعى إلى فهم نفسه والعالم من حوله. فالعقل هو الأداة التي بها يُدرك الإنسان العلاقات، ويزن الأفعال، ويميّز بين الممكن والمستحيل، أما الوعي فهو الحالة التي يتحوّل فيها هذا الإدراك إلى موقف، وإلى مسؤولية، وإلى قدرة على مساءلة الذات قبل مساءلة الآخر. ولهذا، لا يُقاس الإنسان بما يعرفه فحسب، بل بما يعيه، ولا يُعرَّف العقل بما يحفظه، بل بما يُحسن استخدامه.
العقل، في معناه العميق، ليس آلة حسابية باردة، بل ملكة أخلاقية قبل أن يكون أداة معرفية. فهو الذي يضع المسافة بين الدافع والفعل، وبين الرغبة والقرار، ويمنح الإنسان القدرة على التوقّف، والمراجعة، والتأمّل. ومن دون هذا التوقّف، يتحوّل الإنسان إلى كائن منقاد، حتى وإن امتلك أوسع المعارف. فالذكاء قد يخدم الغريزة، لكن الوعي وحده هو الذي يخدم القيمة.
ولهذا، فإن أخطر أشكال الضلال لا تكمن في غياب العقل، بل في تعطيله، ولا في الجهل البسيط، بل في الوعي الزائف؛ ذلك الوعي الذي يملك لغة التبرير أكثر مما يملك شجاعة السؤال، ويبرّر الواقع بدل أن يفهمه، ويعتاد الخطأ حتى يفقد حساسيته الأخلاقية تجاهه. فالعقل إذا لم يُدرَّب على الشكّ المسؤول، يصبح أداة تكيّف لا أداة تحرّر.
وفي الرؤية القرآنية، يحتلّ العقل والوعي مكانة مركزية في بناء الإنسان. فالقرآن لا يخاطب المؤمنين بوصفهم متلقّين سلبيين، بل بوصفهم أصحاب عقول يُطالَبون بالتفكّر، والتدبّر، والنظر. ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، ليست عبارات عابرة، بل تأسيس لثقافة عقلية تجعل الإيمان فعل وعي لا وراثة عمياء. فالإيمان الذي لا يمرّ عبر العقل سرعان ما يتحوّل إلى عادة، والعقيدة التي لا يُسندها وعي أخلاقي قد تُستغل لتبرير الظلم بدل مقاومته.
والقرآن، حين يرفع من شأن العقل، لا يفصله عن القيم، بل يربطه بالمسؤولية. فالعقل ليس مبرّرًا لكل شيء، بل ميزانًا لكل شيء. ولهذا، يُدان أولئك الذين يستخدمون عقولهم لتكريس الباطل، كما يُمدح أولئك الذين يوظفون وعيهم في نصرة الحق، لأن المشكلة ليست في القدرة على التفكير، بل في الوجهة التي يُساق إليها التفكير.
وفي مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، يتجلّى العقل بوصفه أعلى مراتب العبادة. فقد قال: «العقل ما عُبد به الرحمن واكتُسب به الجِنان»، ليضع حدًا فاصلاً بين الذكاء المجرد والعقل الهادي. فالعقل عنده ليس قدرة على الجدل، ولا مهارة في الانتصار الخطابي، بل ملكة تهذّب السلوك، وتضبط السلطة، وتمنع الإنسان من الانزلاق خلف أهوائه. ولهذا كان يحذّر من أخطر أشكال العمى: «العقل عقلان: عقل مطبوع، وعقل مسموع، ولا ينفع مسموع إذا لم يكن مطبوع»، في إشارة إلى أن المعرفة الخارجية لا تصنع وعيًا إن لم تجد أرضًا داخلية قادرة على الفهم والنقد.
وفي سيرة الأئمة الأطهار عليهم السلام، لا ينفصل العقل عن الوعي العملي. فالإمام الحسين عليه السلام لم يخرج ثائرًا بدافع انفعال، بل بوعي تاريخي وأخلاقي عميق أدرك فيه أن الصمت في لحظة معينة يتحوّل إلى مشاركة في الجريمة. وكذلك الإمام جعفر الصادق عليه السلام، الذي أسّس مدرسة فكرية جعلت من السؤال قيمة، ومن الحوار أداة، ومن العقل جسرًا لفهم الدين لا خطرًا عليه. فهنا، يصبح الوعي مقاومة ناعمة، والعقل فعلًا تحرريًا يسبق السيف ولا يناقضه.
وعلى المستوى الاجتماعي والسياسي، يتحوّل العقل والوعي إلى ساحة مواجهة حقيقية. فالسلطات المستبدة لا تخشى الجهل بقدر ما تخشى الوعي، ولا تخاف العاطفة العمياء بقدر ما تخاف العقل النقدي. ولهذا، تُحارب الأسئلة، وتُشوَّه المفاهيم، ويُروَّج لخطابات تبسيطية تُغلق التفكير بدل أن تفتحه. فالمواطن الواعي أخطر على الاستبداد من المعارض الغاضب؛ لأن الغضب يمكن احتواؤه، أما الوعي فلا.
وفي المقابل، تُظهر تجارب الشعوب المقهورة، كما في فلسطين والعراق وسواهما، أن الوعي هو ما يحوّل الألم إلى قضية، والضحايا إلى ذاكرة، والحدث إلى معنى. فحين يمتلك الناس وعيًا بتاريخهم وحقوقهم، لا تعود المأساة خبرًا عابرًا، بل تصبح سؤالًا مفتوحًا في وجه الظلم. هنا، لا يكون العقل ترفًا ثقافيًا، بل شرطًا من شروط الصمود.
أما على المستوى الشخصي، فإن الوعي هو ما يحمي الإنسان من أن يكون نسخة مكرّرة من محيطه. فالإنسان الواعي لا يبتلع الأفكار كما هي، ولا يتبنّى المواقف لمجرد شيوعها، بل يراجع، ويشكّ، ويُعيد البناء. وهذا ما يجعل الوعي عملية مؤلمة أحيانًا، لأنه يفرض على الإنسان أن يواجه تناقضاته، وأن يعترف بأخطائه، وأن يتحمّل مسؤولية خياراته بدل الاختباء خلف الجماعة أو الموروث غير المفحوص.
ولعل أخطر ما يواجه الإنسان المعاصر هو وهم الوعي؛ ذلك الشعور الزائف بالفهم في زمن السرعة، حيث تختلط المعلومة بالرأي، والتحليل بالانطباع، والمعرفة بالضجيج. فليس كل من قرأ فهم، ولا كل من تكلّم وعي، ولا كل من انتقد امتلك عقلًا. الوعي يحتاج إلى بطء، والعقل يحتاج إلى صبر، وكلاهما يحتاج إلى شجاعة مواجهة الذات قبل مواجهة الآخرين.
وفي الختام، لا قيمة لعقل بلا وعي، ولا معنى لوعي بلا أخلاق. فالعقل الذي لا يُهذَّب قد يتحوّل إلى أداة قسوة، والوعي الذي لا يُسند بالقيم قد ينقلب إلى تبرير ذكي للظلم. وحين يلتقي العقل بالعاطفة، والوعي بالرحمة، يولد الإنسان القادر على الفهم دون تجريد، وعلى الموقف دون تعصّب، وعلى المقاومة دون فقدان إنسانيته. هكذا، لا يكون العقل نقيض الشعور، ولا الوعي خصم الرحمة، بل يكونان معًا شرطًا لبقاء الإنسان إنسانًا، في عالم يُغريه أن يكون أقل من ذلك.







د.فاضل حسن شريف
منذ ساعتين
قضيّةُ الامامِ الحُسَينِ ... رحلةُ البحثِ عنْ المعنى
إرهاب الميديا
كورونا..هل هي قدر إلهي ؟
EN