في ذلك اليوم ستميل الشمس إلى حمرةٍ داكنة، كأنها تعتصرُ من أفق الشام دماً عبيطاً. الريحُ ستهبُّ من جهة "قرقيسيا" محمَّلةً برائحةٍ غريبة، ليست برائحة البارود المعهود في حروب البشر، بل هي رائحةُ "الفتنة العمياء" التي أخبر عنها الصادقون. هناك، حيث يلتقي "الخابور" بـ "الفرات"، ستئنُّ الأرض تحت وطأة أقدامٍ غريبة، وجيوشٍ تسدد سهامها نحو "كنزٍ" لم يره أحد، لأن الغزاة قد شمَّ ريحه من وراء حجب الغيب.
في عمق النهر العظيم، سينحسرُ الفرات عن غير عادته. ليس انحساراً بفعل جفافٍ عابر، بل كشفاً لسرٍّ دفين. سيبرز من بين الطمي والصلصال معالم "جبلٍ من ذهب"، ليس ذهباً تضعه النساء في معاصمهن، بل هو "معدن الفتنة" الذي يسلبُ العقول ويُعمي الأبصار. ولن يكون الذهب براقاً مألوفاً، بل سيكون لونه كلهج النار تحت الرماد، يتلوى ككائن حي، يجذب الناظرين ثم يذوب في عيونهم كسراب حار.
ستتصارع القوى الكبرى، وتشرئب أعناق الطغاة، وتجيء الرايات من كل فجٍّ عميق، يجمعهم الطمع ويفرقهم الحق. في دمشق، حيث القلوب واجفة، وفي دير الزور حيث الصمتُ يسبق العاصفة، والكل يترقب اللحظة لواقعة بقرقيسياء، يشيب فيها الغلام الحزور...".
وقبل أن تبدأ أولى الطلقات، سيسود صمتٌ رهيب يقطع أنفاس الزمن، تُسمع فيه همسات الأموات من تحت التراب، ونبضات الخوف في قلوب الأحياء.
ستنطبق الاجفان حينها على العيون! وتندلع النيران في مثلث الموت. لن تكون معركةً لتثبيت حكمٍ أو نصرة مذهب، بل ستكون "مأدبة الله" التي لا يُنصر فيها ظالمٌ على ظالم، بل يُضرب فيها الظالمون بالظالمين.
ستمتلأ البيداء بالجيوش، وتتصادم الخيول بالدبابات، وتختلط صرخات الطمع بعويل الريح. عندها ستحوم الطيور الجارحة في السماء بكثافة غير معهودة، وكأنها لبت دعوة "المنادي" الذي نادى في جوف السماء: "يا طير السماء ويا سباع الأرض، هلموا إلى الشبع من لحوم الجبارين".
قرقيسيا في تلك اللحظة ستكون تجسيداً لعدالة إلهية خفية؛ حيث سيشتغل الجبارون بأنفسهم، ويتفانون في سبيل "الكنز" الذي لن يهنأ به أحد، ليفسحوا الطريق، دون أن يشعروا، لظهور "الحق المرتقب" الذي سينبثق من خلف غبار هذه الملحمة.
وعند الفجر ، سينكشف عن وجه قرقيسياء الجديد: وجه ممزق، تنبت فيه سيوف مكسورة وغربان شبعى مكان الأعشاب. ستنتهي الموقعة وتغيب الشمس، ولم يبقَ في قرقيسيا إلا صدى الأحاديث القديمة وصمت القبور. سيغمر الفرات بقاياه، ويبقى "جبل الذهب" غصةً في حلق الطامعين.
وسيُروى أن من بقي حياً تلك الليلة، سمع دويَّ خطواتٍ ثقيلة قادمة من جهة غير معلومة، وهمسة ريح تقول: انتهى دورهم... والآن يبدأ دوري .
أما المؤمنون، سيرقبون السماء، يعلمون أن هذا الزلزال ليس إلا هزةً تسبق الاستقرار، وأن "السفياني" سيخرج من وراء الأفق، لتبدأ فصول الحكاية الأخيرة التي تنتهي بظهور "الشمس من مغربها"، ومسح اليتم عن وجه الأرض بظهور صاحب الزمان (عجل الله فرجه).







د.أمل الأسدي
منذ 6 ايام
الطاهرة ركن الإسلام الثالث
الإصلاح الثقافي .. من أين نبدأ ؟
قضيّةُ الامامِ الحُسَينِ ... رحلةُ البحثِ عنْ المعنى
EN