روى سليم بن قيس
قال : سمعت عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال : قال لي معاوية : ما أشد تعظيمك
للحسن والحسين ، ما هما بخير منك ، ولا أبوهما بخير من أبيك ، لولا أن فاطمة بنت
رسول الله صلى الله عليه وآله لقلت ما امك أسماء بنت عميس بدونها ، قال : فغضبت
من مقالته ، وأخذني ما لا أملك ، فقلت : إنك لقليل المعرفة بهما وبأبيهما وامهما
بلى والله هما خير مني ، وأبوهما خير من أبي ، وامهما خير من امي ، ولقد سمعت رسول
الله (صلى الله عليه وآله) يقول فيهما وفي أبيهما وأنا غلام فحفظته منه ووعيته.
فقال معاوية
وليس في المجلس غير الحسن والحسين عليهما السلام وابن جعفر رحمه الله وابن عباس
وأخيه الفضل هات ما سمعت ، فوالله ما أنت بكذاب ، فقال : إنه أعظم مما في نفسك ،
قال : وإن كان أعظم من احد وحرى ، فانه ما لم يكن أحد من أهل الشام لا ابالي ، أما
إذا قتل الله طاغيتكم ، وفرق جمعكم وصار الامر في أهله ومعدنه ، فلا نبالي ما قلتم
، ولا يضرنا ما ادعيتم.
قال : سمعت رسول
الله (صلى الله عليه وآله) يقول : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ، من كنت أولى
به من نفسه فأنت يا أخي أولى به من نفسه وعلي بين يديه عليهما السلام [ في البيت والحسن
والحسين وعمر بن ام سلمة واسامة بن زيد ] وفي البيت فاطمة عليها السلام وام أيمن
وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام ، وضرب رسول الله صلى الله عليه وآله على
عضده وأعاد ما قال فيه ثلاثا ثم نص بالإمامة على الائمة تمام الاثني عشر عليهم السلام.
ثم قال صلوات الله عليه : ولامتي اثنا عشر إمام ضلالة كلهم ضال مضل عشرة من بني
امية ورجلان من قريش ، وزر جميع الاثني عشر وما أضلوا ، في أعناقهما ثم سماهما
رسول الله صلى الله عليه وآله وسمى العشرة معهما.
قال : فسمهم لنا
، قال : فلان وفلان وفلان وصاحب السلسلة وابنه من آل أبي سفيان وسبعة من ولد الحكم
بن أبي العاص أو لهم مروان.
قال معاوية :
لئن كان ما قلت حقا لقد هلكت وهلكت الثلاثة قبلي ، وجميع من تولاهم من هذه الامة ،
ولقد هل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله من المهاجرين والانصار والتابعين
غيركم أهل البيت وشيعتكم ، قال ابن جعفر : فان الذي قلت والله حق سمعته من رسول
الله صلى الله عليه وآله.
قال معاوية
للحسن والحسين وابن عباس : ما يقول ابن جعفر؟ قال ابن عباس ومعاوية بالمدينة أول
سنة اجتمع عليه الناس بعد قتل علي عليه السلام أرسل إلى الذين سمى ، فأرسل إلى
عمر بن ام سلمة واسامة فشهدوا جميعا أن الذي قال ابن جعفر حق قد سمعوا من رسول
الله صلى الله عليه وآله كما سمعه.
ثم أقبل معاوية
إلى الحسن والحسين وابن عباس والفضل وابن ام سلمة واسامة فقال : كلكم على ما قال
ابن جعفر؟ قالوا : نعم ، قال معاوية : فإنكم يا بني عبد المطلب لتدعون أمرا عظيما
وتحتجون بحجة قوية ، فان كانت حقا فإنكم لتصبرون على أمر تسترونه ، والناس في غفلة
وعمى ، ولئن كان ما تقولون حقا لقد هلكت الامة ، ورجعت عن دينها ، وكفرت بربها
وجحدت نبيها إلا أنتم أهل البيت ومن قال بقولكم ، فأولئك قليل في الناس.
فأقبل ابن عباس
على معاوية فقال : قال الله : « وقليل من عبادي الشكور » وقال : « وقليل ما هم »
وما تعجب مني يا معاوية أعجب من بني إسرائيل إن السحرة قالوا لفرعون « فاقض ما أنت
قاض » فآمنوا بموسى وصدقوه ثم سار بهم ومن اتبهم من بني إسرائيل فأقطعهم البحر ،
وأراهم العجائب ، وهم مصدقون بموسى وبالتوراة يقرون له بدينه ، ثم مروا بأصنام
تعبد ، فقالوا « اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون » وعكفوا على
العجل جميعا غير هارون فقالوا : « هذا إلهكم وإله موسى » وقال لهم موسى بعد ذلك «
ادخلوا الأرض المقدسة » فكان من جوابهم ما قص الله عزوجل عليهم فقال موسى عليه السلام
: « رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ».
فما اتباع هذه
الامة رجالا سودوهم وأطاعوهم ، لهم سوابق مع رسول الله ومنازل قريبة منه ، وأصهار
مقرين بدين محمد وبالقرآن ، حملهم والكبر والحسد أن خالفوا إمامهم ووليهم ، بأعجب
من قوم صاغوا من حليهم عجلا ثم عكفوا عليه يعبدونه ويسجدون له ، ويزعمون أنه رب
العالمين واجتمعوا على ذلك كلهم غير هارون وحده.
وقد بقي مع
صاحبنا الذي هو من نبينا بمنزلة هارون من موسى من أهل بيته ناس سلمان وأبو ذر
والمقداد والزبير ، ثم رجع الزبير وثبت هؤلاء الثلاثة مع إمامهم حتى لقوا الله.
وتتعجب يا
معاوية أن سمى الله من الائمة واحدا بعد واحد ، قد نص عليهم رسول الله (صلى الله
عليه وآله) بغدير خم وفي غير موطن واحتج بهم عليهم وأمرهم بطاعتهم وأخبر أن أولهم
علي بن ابي طالب عليه السلام ولي كل مؤمن ومؤمنة من بعده ، وأنه خليفته فيهم
ووصيه ، وقد بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) جيشا يوم موته فقال : عليكم
جعفر فان هلك فزيد ، فان هلك فعبد الله بن رواحة ، فقتلوا جمعيا أفتراه يترك الامة
ولم يبين لهم من الخليفة بعده ، ليختاروا هم لأنفسهم الخليفة ، كأن رأيهم لأنفسهم
أهدى لهم وأرشد من رأيه واختياره ، وما ركب القوم ما ركبوا إلا بعد ما بينه ، وما
تركهم رسول الله صلى الله عليه وآله في عمى ولا شبهة.
فأما ما قال
الرهط الاربعة الذين تظاهروا على علي عليه السلام وكذبوا على رسول الله صلى الله
عليه وآله وزعموا أنه قال : إن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة
فقد شبهوا على الناس بشهادتهم وكذبهم ومكرهم.
قال معاوية : ما
تقول يا حسن؟ قال : يا معاوية قد سمعت ما قلت وما قال ابن عباس ، العجب منك يا
معاوية ومن قلة حيائك ومن جرأتك على الله حين قلت : قد قتل الله طاغيتكم ورد الامر
إلى معدنه ، فأنت يا معاوية معدن الخلافة دوننا؟
ويل لك يا
معاوية وللثلاثة قبلك الذين أجلسوك هذا المجلس ، وسنوا لك هذه السنة لأقولن كلاما
ما أنت أهله ولكني أقول لتسمعه بنو أبي هؤلاء حولي.
إن الناس قد
اجتمعوا على امور كثيرة ، ليس بينهم اختلاف فيها ولا تنازع ولا فرقة : على شهادة
أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله وعبده ، والصلوات الخمس والزكاة
المفروضة ، وصوم شهر رمضان ، وحج البيت ، ثم أشياء كثيرة من طاعة الله التي لا
تحصى ولا يعدها إلا الله ، واجتمعوا على تحريم الزنا ، والسرقة ، والكذب والقطيعة
، والخيانة ، وأشياء كثيرة من معاصي الله لا تحصى ولا يعدها إلا الله.
واختلفوا في سنن
اقتتلوا فيها ، وصاروا فرقا يلعن بعضهم بعضا وهي الولاية ويبرأ بعضهم من بعض ،
ويقتل بعضهم بعضا أيهم أحق وأولى بها إلا فرقة تتبع كتاب الله ، وسنة نبية (صلى الله
عليه وآله) فمن أخذ بما عليه أهل القبلة الذي ليس فيه اختلاف ورد علم ما اختلفوا
فيه إلى الله ، سلم ونجا به من النار ، ودخل الجنة ، ومن وفقه الله ومن عليه واحتج
عليه بأن نور قلبه بمعرفة ولاة الامر من أئمتهم ، ومعدن العلم أين هو؟ فهو عند
الله سعيد ، ولله ولي ، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : رحم الله
امرءا علم حقا فقال فغنم ، أو سكت فسلم.
نحن نقول أهل
البيت : إن الائمة منا ، وإن الخلافة لا تصلح إلا فينا وإن الله جعلنا أهلها في
كتابه وسنة نبية صلى الله عليه وآله وإن العلم فينا ونحن أهله ، وهو عندنا
مجموع كله بحذافيره ، وإنه لا يحدث شيء إلى يوم القيامة حتى أرش الخدش إلا وهو
عندنا مكتوب بإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخط علي عليه السلام بيده.
وزعم قوم أنهم
أولى بذلك منا ، حتى أنت يا ابن هند تدعي ذلك ، وتزعم أن عمر أرسل إلى أبي : أني
اريد أن أكتب القرآن في مصحف فابعث إلي بما كتبت من القرآن ، فأتاه فقال : تضرب
والله عنقي قبل أن يصل إليك ، قال : ولم؟ قال : لان الله تعالى قال : « والراسخون
في العلم » قال : إياي عنى ولم يعنك ، ولا أصحابك فغضب عمر.
ثم قال : إن ابن
أبي طالب يحسب أن أحدا ليس عنده علم غيره ، من كان يقرأ من القرآن شيئا فليأتني ،
فإذا جاء رجل فقرأ شيئا معه فيه آخر كتبه وإلا لم يكتبه ، ثم قالوا : قد ضاع منه
قرآن كثير ، بل كذبوا والله ، بل هو مجموع محفوظ عند أهله.
ثم أمر عمر
قضاته وولاته : أجهدوا آراءكم واقضوا بما ترون أنه الحق فلا يزال هو بعض ولاته قد
وقعوا في عظيمة فيخرجهم منها أبي ليحتج عليهم بها فتجتمع القضاة عند خليفتهم وقد
حكموا في شئ واحد بقضايا مختلفة فأجازها لهم لان الله لم يؤته الحكمة وفصل الخطاب
، وزعم كل صنف من مخالفينا من أهل هذه القبلة أن معدن الخلافة والعلم دوننا ،
فنستعين بالله على من ظلمنا ، وجحدنا حقنا وركب رقابنا ، وسن للناس علينا ما يحتج
به مثلك ، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
إنما الناس
ثلاثة : مؤمن يعرف حقنا ، ويسلم لنا ، ويأتم بنا ، فذلك ناج محب لله ولي ، وناصب
لنا العداوة يتبرأ منا ويلعننا ويستحل دماءنا ويجحد حقنا ويدين الله بالبراءة منا
، فهذا كافر مشرك فاسق ، وإنما كفر وأشرك من حيث لا يعلم كما سبوا الله ( عدوا )
بغير علم كذلك يشرك بالله بغير علم ، ورجل آخذ بما ( لا ) يختلف فيه ورد علم ما
أشكل عليه إلى مع ولايتنا ، ولا يأتم بنا ولا يعادينا ولا يعرف حقنا ، فنحن نرجو
أن يغفر الله له ويدخله الجنة ، فهذا مسلم ضعيف.
فلما سمع ذلك
معاوية ، أمر لكل واحد منهم بمائة ألف درهم غير الحسن والحسين وابن جعفر فأنه أمر
لكل واحد منهم بألف ألف درهم.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 44 / صفحة [ 100 ]
تاريخ النشر : 2026-08-04