قال كمال الدين
ابن طلحة : روى أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي في تفسيره الوسيط ما يرفعه بسنده أن
رجلا قال : دخلت مسجد المدينة فاذا أنا برجل يحدث عن رسول الله صلى الله عليه
وآله والناس حوله ، فقلت له : أخبرني عن « شاهد ومشهود » فقال : نعم ، أما الشاهد
فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم عرفة فجزته إلى آخر يحدث فقلت : أخبرني عن « شاهد
ومشهود » فقال : نعم أما الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم النحر فجزتهما إلى
غلام كأن وجهه الدينار ، وهو يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت :
أخبرني عن « شاهد ومشهود » فقال : نعم أما الشاهد فمحمد صلى الله عليه وآله
وأما المشهود فيوم القيامة أما سمعته يقول : « يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا »
وقال تعالى : « ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود ».
فسألت عن الاول
فقالوا : ابن عباس ، وسألت عن الثاني فقالوا : ابن عمر وسألت عن الثالث فقالوا :
الحسن بن علي بن أبي طالب وكان قول الحسن أحسن.
ونقل أنه عليه السلام
اغتسل وخرج من داره في حلة فاخرة ، وبزة طاهرة ، و محاسن سافرة ، وقسمات ظاهرة ،
ونفخات ناشرة ، ووجهة يشرق حسنا ، وشكله قد كمل صورة ومعنى ، والاقبال يلوح من
أعطافه ، ونضرة النعيم تعرف في أطرافه وقاضي القدر قد حكم أن السعادة من أوصافه ،
ثم ركب بغلة فارهة غير قطوف ، وسار مكتنفا من حاشيته وغاشيته بصفوف ، فلو شاهده
عبد مناف لأرغم بمفاخرته به معاطس انوف ، وعده وآباءه وجده في إحراز خصل الفخار
يوم التفاخر بألوف.
فعرض له في
طريقه من محاويج اليهود هم في هدم قد أنهكته العلة ، وارتكبته الذلة ، وأهلكته
القلة ، وجلدة يستر عظامه وضعفه يقيد أقدامه ، وضره قد ملك زمامه ، وسوء حاله قد
حبب إليه حمامه ، وشمس الظهيرة تشوي شواه ، وأخمصه يصافح ثرى ممشاه ، وعذاب عرعريه
قد عراه ، وطول طواه قد أضعف بطنه وطواه وهو حامل جر مملوء ماء على مطاه ، وحاله
تعطف عليه القلوب القاسية عند مرآه.
فاستوقف الحسن
عليه السلام وقال : يا ابن رسول الله : أنصفني ، فقال عليه السلام : في أي شيء؟
فقال : جدك يقول : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » وأنت مؤمن وأنا كافر فما أرى
الدنيا إلا جنة تتنعم بها ، وتستلذ بها ، وما أراها إلا سجنا لي قد أهلكني ضرها ،
وأتلفني فقرها. فلما سمع الحسن عليه السلام كلامه أشرق عليه نور التأييد ،
واستخرج الجواب بفهمه من خزانة علمه ، وأوضح لليهودي خطأ ظنه وخطل زعمه ، وقال :
يا شيخ لو نظرت إلى ما أعد الله لي وللمؤمنين في الدار الاخرة مما لاعين رأت ، ولا
اذن سمعت ، لعلمت أني قبل انتقالي إليه في هذه الدنيا في سجن ضنك ، ولو نظرت إلى
ما أعد الله لك ولكل كافر في الدار الاخرة من سعير نار الجحيم ، ونكال العذاب
المقيم ، لرأيت أنك قبل مصيرك إليه الان في جنة واسعة ، ونعمة جامعة.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 43 / صفحة [ 354 ]
تاريخ النشر : 2026-08-01