أحاديث وروايات المعصومين الاربعة عشر/سيرة وتاريخ/متفرقة
روي عن الحارث
الهمداني قال : لما مات علي عليه السلام جاء الناس إلى الحسن ، وقالوا : أنت
خليفة أبيك ، ووصيه ، ونحن السامعون المطيعون لك فمرنا بأمرك فقال عليه السلام :
كذبتم ، والله ما وفيتم لمن كان خيرا مني ، فكيف تفون لي؟ وكيف أطمئن إليكم ولا
أثق بكم؟ إن كنتم صادقين فموعد ما بيني وبينكم معسكر المدائن ، فوافوا إلى هناك.
فركب وركب معه
من أراد الخروج ، وتخلف عنه كثير ، فما وفوا بما قالوه وبما وعدوه ، وغروه كما
غروا أمير المؤمنين عليه السلام من قبله ، فقال خطيبا ، وقال : غررتموني كما
غررتم من كان من قبلي ، مع أي إمام تقاتلون بعدي ، مع الكافر الظالم الذي لم يؤمن
بالله ولا برسوله قط ، ولا أظهر الاسلام هو وبني امية إلا فرقا من السيف؟ ولو لم
يبق لبني امية إلا عجوز درداء ، لبغت دين الله عوجا ، وهكذا قال رسول الله صلى الله
عليه وآله.
ثم وجه إليه
قائدا في أربعة آلاف ، وكان من كندة وأمره أن يعسكر بالأنبار ولا يحدث شيئا حتى
يأتيه أمره ، فلما توجه إلى الانبار ونزل بها ، وعلم معاوية بذلك ، بعث إليه رسلا
وكتب إليه معهم أنك إن أقبلت إلي أولك بعض كور الشام والجزيرة ، غير منفس عليك ،
وأرسل إليه بخمسمائة ألف درهم : فقبض الكندي عدو الله المال ، وقلب على الحسن ،
وصار إلى معاوية في مائتي رجل من خاصته وأهل بيته.
فبلغ ذلك الحسن
عليه السلام فقام خطيبا وقال : هذا الكندي توجه إلى معاوية وغدر بي وبكم ، وقد
أخبرتكم مرة بعد مرة أنه لا وفاء لكم ، أنتم عبيد الدنيا : وأنا موجه رجلا آخر
مكانه ، وإني أعلم أنه سيفعل بي وبكم ما فعل صاحبه ، ولا يراقب الله في ولا فيكم ،
فبعث إليه رجلا من مراد في أربعة آلاف ، وتقدم إليه بمشهد من الناس ، وتوكد عليه
وأخبره أنه سيغدر كما غدر الكندي فحلف له بالإيمان التي لا تقوم لها الجبال : أنه
لا يفعل. فقال الحسن : إنه سيغدر.
فلما توجه إلى
الانبار ، أرسل معاوية إليه رسلا وكتب إليه بمثل ما كتب إلى صاحبه ، وبعث إليه
بخمسة آلاف درهم ، ومناه أي ولاية أحب من كور الشام والجزيرة ، فقلب على الحسن ،
وأخذ طريقه إلى معاوية ، ولم يحفظ ما أخذ عليه من العهود ، وبلغ الحسن ما فعل
المرادي فقام خطيبا فقال : قد أخبرتكم مرة بعد اخرى أنكم لا تفون لله بعهود ، وهذا
صاحبكم المرادي غدر بي وبكم ، وصار إلى معاوية.
ثم كتب معاوية
إلى الحسن : يا ابن عم ، لا تقطع الرحم الذي بينك وبيني فان الناس قد غدروا بك
وبأبيك من قبلك.
فقالوا : إن
خانك الرجلان وغدروا بك فانا مناصحون لك ، فقال لهم الحسن : لأعودن هذه المرة فيما
بيني وبينكم ، وإني لاعلم أنكم غادرون ما بيني وبينكم إن معسكري بالنخيلة فوافوني
هناك ، والله لا تفون لي بعهدي ، ولتنقضن الميثاق بيني وبينكم.
ثم إن الحسن أخذ
طريق النخيلة ، فعسكر عشرة أيام ، فلم يحضره إلا أربعة آلاف ، فانصرف إلى الكوفة
فصعد المنبر وقال : يا عجبا من قوم لا حياء لهم ولا دين ، ولو سلمت له الامر فأيم
الله ترون فرجا أبدا مع بني امية ، والله ليسومونكم سوء العذاب حتى تتمنوا أن
عليكم جيشا جيشا ولو وجدت أعوانا ما سلمت له الامر ، لأنه محرم على بني امية فاف
وترحا يا عبيد الدنيا.
وكتب أكثر أهل
الكوفة إلى معاوية : فانا معك ، وإن شئت أخذنا الحسن وبعثناه إليك ، ثم أغاروا على
فسطاطه ، وضربوه بحربة ، واخذ مجرواحا ، ثم كتب جوابا لمعاوية : إنما هذا الامر لي
والخلافة لي ولأهل بيتي ، وإنها لمحرمة عليك وعلى أهل بيتك ، سمعته من رسول الله
(صلى الله عليه وآله) والله لو وجدت صابرين عارفين بحقي غير منكرين ما سلمت لك
ولا أعطيتك ما تريد وانصرف إلى الكوفة.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 44 / صفحة [ 44 ]
تاريخ النشر : 2026-08-03