إرشاد القلوب :
دخل ضرار بن ضمرة الليثي على معاوية ، فقال له : صف لي عليا ، فقال : أوتعفيني من
ذلك ، فقال : لا أعفيك ، فقال : كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا
ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا
وزهرتها ، ويستأنس بالليل ووحشته ، كان والله غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلب
كفيه ، ويخاطب نفسه ، ويناجي ربه ، يعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما جشب ،
كان والله فينا كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه وكان مع دنوه منا
وقربنا منه لا نكلمه لهيبته ، ولا نرفع عيننا لعظمته ، فإن تبسم فمن مثل اللؤلؤ
المنظوم ، يعظم أهل الدين ، ويحب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، لا ييأس
الفقير من عدله ، فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله ،
وغارت نجومه وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء
الحزين ، فكأني الآن أسمعه وهو يقول : يا دنيا دنية أبي تعرضت؟ أم إلي تشوقت؟
هيهات هيهات غري غيري لا حاجة لي فيك ، قد بتتك ثلاثا لا رجعة لي فيها ، فعمرك
قصير وخطرك يسير وأملك حقير ، آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ، ووحشة الطريق وعظم المورد
فوكفت دموع معاوية على لحيته فنشفها بكمه ، واختنق القوم بالبكاء ثم قال : كان
والله أبو الحسن كذلك ، فكيف صبرك عنه يا ضرار؟ قال : صبر من ذبح واحدها على صدرها
، فهي لا ترقى عبرتها ولا تسكن حسرتها ، ثم قام وخرج وهو باك ، فقال معاوية ، أما
إنكم لو فقدتموني لما كان فيكم من يثني علي هذا الثناء فقال بعض من حضر : الصاحب على قدر صاحبه.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 41 / صفحة [ 130 ]
تاريخ النشر : 2026-05-28