حسين السنيد
عندما عرضت الصورة الجماعية التي التقطت لنا في الصف الثالث الابتدائي على الدكتور حميد ,الطبيب الاختصاص الشهير في مدينتنا ..قطب بحاجبيه و جمع شفاهه وكأنه يوشك على التقبيل ..ثم رفع نظارته الطبية السميكة ذات الاطار الذهبي الى اعلى جبينه ..صمت لبرهة و طفق يبحلق في الصورة و ينتقل بنظره باندهاش واضح بين الوجوه المتربة..ثم رويدا رويدا تولدت ابتسامة خفيفة على شفاهه كظلالنا صباحا .
نقر الصورة باصبعه بخفة..
- هذا انت .. و هذا الذي بجنبك كان ابن معاون المدير.
ثم تحرك باصبعه على الصورة و اشر على وجه طفل بنظارات سميكة كنا نسميها "كعب الاستكان" يتدلى منها خيط على رقبة الطفل .و قميصا ابيض و ربطة عنق قصيرة بلون داكن.
- هذا العبقري هو انا ..كنت اشطركم واذكاكم ..لا تقول لا!!
قلت : طبعا ..هذا امر مسلم ..و ما تزال !!
ثم اطلقنا ضحكة قصيرة سرعان ما تلاشت في وجه دكتور حميد ..وبدأ يكفهر حتى اطلق زفرة:
- للاسف ياصاحبي ..ان ايام الطفولة راحت مني ! كنتم تلعبون في الشارع ..اسمع اصوات صياحكم و قهقهاتكم وشتائمكم التي كانت تملئ الحي , في حين انا كنت مجبرا على الدراسة !! الدراسة والدراسة والدراسة فقط ..هكذا كانوا يريدون مني والدي . حتى في صباح العيد ..حيث كنت اراكم تتقافزون و تركبون الاراجيح بملابسكم الجديدة التي بدأت تتسخ ,كان والدي يلبسني زيا رسميا مثل جاكيت وربطة عنق و يبقيني في الدار لاستقبال ضيوفه الذين كانوا يشيدون بي كطفل ناضج!!
قلت : كانوا يحرصون على مستقبلك يا دكتور ..وها انت اليوم كما انت !
قال و عيونه مثل عيون بلبل تم اصطياده للتو :
- والطفولة يا صديقي ؟؟ كيف يمكن ان تكون طفلا بلا طفولة ؟
انتهى لقائي مع دكتور حميد ..و خرجت من العيادة الا ان كان يمكنني سماع دوي انفجارات هائلة احدثتها تلك الصورة فيه .
بعد ايام قرأت في جريدة محلية ان طبيبا تكفل بكل مصاريف حفل شامل للاطفال المدارس الابتدائية في المدينة و انه ادهش كل الآباء و جعل الاطفال يصرخون فرحا حينما قدم دراجة هوائية لكل طفل شارك في الحفل ! وفي الصورة المطبوعة في الجريدة كان ذلك الطبيب محاطا بمئات الاطفال الذين كانوا يفتحون افواههم في حالة بين الابتسامة العريضة والصراخ ..والطبيب هذا لم يكن الا صديق طفولتي الدكتور حميد الذي كان يتوسط الاطفال بوجه عصفور صغير .
وبعد ايام .. ملأت المدينة اعلانات صغيرة , تقول ان مدينة الالعاب الكبيرة تفتح ابوابها للاطفال مجانا لمدة اسبوع ! و ما على الآباء الا ان يصطحبوا ابنائهم اليها دون ان يدفعوا فلسا واحدا !! و بعد ايام كانت الصحف تتكلم عن الرجل الخير الذي دفع ايجار مدينة الالعاب لاسبوع كامل ! و لم يكن الا الدكتور حميد!
و ذات ليلة فوجئ الناس في مدينة الالعاب ,حين شاهدوا رجلا يقفز بكل ما اوتي من قوة في مسبح الكرات !! ثم يغط لثوان و يخرج رافعا رأسه للاعلى مقلدا قفزة الحوت الازرق! ثم يبدأ بالسباحة فيما تنطلق الكرات الملونة من جانبيه انطلاقا ! ثم يبدأ بالضحك والقفز ..باطلاق الكرات على الاطفال ثم يغط رأسه في الكرات و يخرجه بعد لحظات و يشهق بقوة ثم يعيد الكرة مرات ومرات ..في الحقيقة لم يكن الاطفال في مسبح الكرات مندهشون مستنكرون لتصرفات الدكتور حميد .. اما الآباء والامهات فكادت عيونهم تخرج من محاجرها .
واستمر الدكتور حميد .. استمر دونما توقف .. مرة رأيته قد جاء بسيارة حمل مليئة بالحلوى , وقف في الشارع و راح يوزع على الاطفال بسخاء ..فيما كان لاينقطع عن اكل الحلوى .. بوجه ملطخ ببقع الشوكولاتة و ملابس ملونة.. حمراء وصفراء وبرتقالية.
و مرة اخرى مررت من امام عيادته و كان مبنى رائعا من طابقين ..فوجدته اصبح روضة للاطفال تحمل اسم " حمادة " فهل كان المقصود من حمادة هو الدكتور حميد !! الطبيب الاختصاصي الشهير؟
خلال عام واحد صارت تصرفات صديقي حديث المدينة و نكت مجالسها .
فاحدهم قال انه ذهب لمدرسة ابتدائية و حاول اقناع المدير ان يسجل نفسه في الصف الاول الابتدائي ..و انه بكى بحرقة و بدموع غزيرة حين رفض المدير طلبه .
و اطل مسؤول البلدية على التلفاز ليعلن ان المدينة ستدخل موسوعة غينيتس للارقام القياسية بعدد اراجيح الاطفال بعد ان تبرع بشرائها احد المواطنين يحمل شهادة الدكتوراه في الطب ! اذ اصبحت مدينتنا اكثر مدينة تحتوي على اكثر من مليون ارجوحة وهذا يدل على سلوك المدينة الحضاري و توجه الحكومة في رعاية الطفولة . وقال صديقي انه سمع من قريب له يعمل في المحكمة ان اسرة الدكتور حميد قدموا طلبا للقاضي لرفع يده عن التصرف بامواله واعتباره مجنونا بعدما انفق مبالغ طائلة تعد بمئات الملايين في شراء الاراجيح وتوزيعها في احياء المدينة حتى بات لكل فرع ضيق مقفر او حي قديم تملؤه بيوت الصفيح اراجيح !
وكما يبدو ان القاضي اقتنع بكلام اسرة الدكتور حميد ! فجرده من كل شيئ , ليجد صديقي نفسه في مكان جديد ..بابواب عالية محكمة ونوافذ احكمت بقضبان من حديد حتى بات النور يجد صعوبة في عبورها ! و لكن الجيد ان هناك ارجوحتين ..جميلتين .. على الرغم من الصوت الصرير المزعج الصادر منها اثناء التارجح الا انها كانت كافية له.
حددت البلدية يوما كاملا للاحتفال بمناسبة تسجيل مدينتنا التي ليس لها شيئ لتفخر به الا هذا السبب ..وهو تسجيلها في موسوعة غينيتس للارقام القياسية كمدينة تحوي عددا كبيرا من الاراجيح تصل الى المليون ارجوحة! و فيما كان الناس مشغولون بالاحتفال وجدت طريقي الى مستشفى الامراض النفسية .. دخلت و رأيته ..هو ذاته ..الدكتور حميد ..كان ينام على بطنه رافعا اقدامه عاليا بشكل عمودي , و بيديه فحمة يرسم بها على الارضية البيضاء شكلا دائريا غريبا ..ثم يمسح الرسمة بخده و يعيد رسم الشكل الدائري .
- حميد ..حميد .. قلتها بهدوء
رفع نظره وحدق في وجهي ..لم استطع التمييز ,هل هذا حميد الطفولة؟ ام الطبيب؟ ام المجنون ؟ ايهما هذا الذي ينظر لي ؟ ثم شعرت انه حميد الطفل ..نعم انا اعرف هذه العيون و اعرف حتى هذه الرسمة .. كنا نرسمها حين كنا صغارا ونقول عنها انها الكرة الارضية و نقف عليها و نشعر اننا نقف على العالم كله !
ثم نهض و وقف على العالم ..بالضبط مثلما كنا نفعل ..وقف بفخر و قوة وغرور .
وقف و ظل واقفا ..
في الفجر ..حينما كانت المدينة ترقص على انغام اهتزاز مليون ارجوحة ..كان حميد مايزال يقف على العالم و يتأرجح في مجرات اخر .. لم يعد بحاجة الى المليون ارجوحة لكي يتأرجح فالعالم باسره اصبح ارجوحته.







د.فاضل حسن شريف
منذ 4 ايام
٦ × ٦ = ٣٢
حوار من عالم آخر مع احد الناجين من "فيروس كورونا"
العيد في زمن كورونا
EN