تحدثنا في الحلقة السابقة عن بيان ما يتعلق بقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ( ) في روايات الإمام الكاظم (عليه السلام) التفسيرية، ونتحدث في هذه الصفحات القرآنية عن آيتين مباركتين -الرابعة والخامسة- تتعلقان بمسائل الحج، مع بيان ما يتعلق بهما.
- الآية الرابعة / قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ فَمَا ٱسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ وَٱتَّقُوا اللهَ وَٱعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقَابِ﴾. ( )
* عن ربعي بن عبد الله ( ) قال: ((سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قوله الله عز وجل: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ﴾؟ قال: يوم قبل التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، فمن فاته ذلك فليقضِ ذلك في بقية ذي الحجة فإنَّ الله يقول في كتابه: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾( ))). ( )
إنَّ الرواية التفسيرية الشريفة تبين حكمًا شرعيًّا من أحكام الحج وهو ما يتعلق بالصيام بدل الهدي عند فقدانه أو عدم وجود ثمنه، وهناك روايات أخرى عن الأئمة (عليهم السلام) تبين ما يتعلق بهذه المسألة.
ونحاول بعجالة بيان مسألتين فقهيتين في هذا الموضوع، الأولى: الحكم الشرعي المتعلق بالصوم بدل الهدي. والثانية: أحكام مَنْ فاتته الأيام الثلاثة في الرواية.
وقبل أنْ نبين ما يتعلق بالمسألتين فلا يخفى على القارىء الكريم أنَّ الهدي (أي الذبح أو النحر) هو الواجب الخامس من واجبات حج التمتع الثلاثة عشر التي يجب على كُلِّ حاجٍّ الإتيان بها بعد الواجبات الخمسة لعمرة التمتع. ( )
- المسألة الأولى: فيما يتعلق بهذه المسألة فقد ٱستدل العلماء بهذه الآية الشريفة والروايات الواردة في تفسيرها على حكم الصوم بدل الهدي، قال "قطب الدين الراوندي" (ت573ﻫ/1177م) في كتابه المتعلق بآيات الأحكام: ((والهدي واجب على المتمتع بالعمرة إلى الحج، ومَنْ لم يقدر عليه وجب عليه صيام عشرة أيام، فالهدي على الحاج المتمتع واجب بلا خلاف لظاهر القرآن، وقوله: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ عن أبي جعفر "عليه السلام" أنَّ المعنى كاملة من الهدي إذا وقعت بدلاً منه ٱستكملت ثوابه)) ( )، وفيه أيضًا قال "المقداد السيوري" (ت826ﻫ/1423م) في بيان فروع أحكام الحج من خلال الآية الشريفة: ((وإذا عدم الثمن أيضًا [وقد عدم الهدي] صام، ثم الصوم في الحج هو أنْ يصوم يومًا قبل التروية ويومها ويوم عرفة متتابعًا .... السبعة يصومها إذا فرغ من أفعال الحج بعد الرجوع إلى أهله، ولو أقام بمكة ٱنتظر قدر وصول صحبه أو مضي شهر)) ( )، وفيما يتعلق من تتابع أيام الصوم وعدمه فقد ٱستظهر العلماء وجوب ذلك في الثلاثة إلا في موارد، وأما السبعة ففيه كلام بين التتابع وعدمه، والتتابع أحوط، وقد فصل الأعلام في ذلك، ونذكر من ذلك ما قاله الشيخ "الجواد الكاظمي" (ت1065ﻫ/1655م): ((﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ﴾ في أيامه وهو تمام ذي الحجة على ما دلت عليه صحيحة رفاعة ( ) وٱنعقد إجماعنا عليه، وهي وإنْ كانت مطلقة في التتالي وعدمه إلا أنَّ الإجماع على ٱعتبار التتالي في صومها إلا في صورة خاصة، وهي ما لو فاتته قبل يوم التروية ( )، فإنَّه يصوم التروية وعرفة، والثالث بعد العيد وأيام التشريق ( )، وفي الأخبار دلالة عليه.... ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ أي إلى أهليكم وهو الظاهر من الرجوع، ولا خلاف في ذلك بين أصحابنا، وقد تظافرت أخبارهم الواردة عن أئمة الهدى صلوات الله عليهم بذلك)). ( )
ومما ذكره الفقهاء في المسألة نذكر من ذلك ما قال سماحة "السيد علي الحسيني السيستاني" "دام ظله": ((مسألة 393: إذا لم يتمكن من الهدي ولا من ثمنه صام -بدلاً عنه- عشرة أيام، يأتي بثلاثة منها في شهر ذي الحجة، والأحوط أنْ يكون ذلك في اليوم السابع والثامن والتاسع، ولا يقدمه عليها ويأتي بالسبعة المتبقية إذا رجع إلى بلده ولا يجزئه الإتيان بها في مكة أو في الطريق، وإذا لم يرجع إلى بلده وأقام بمكة فعليه أنْ يصبر حتى يرجع أصحابه إلى بلدهم، أو يمضي شهر ثم يصوم بعد ذلك، ويعتبر التوالي في الثلاثة الأولى، ولا يعتبر ذلك في السبعة وإنْ كان أحوط)). ( )
- المسألة الثانية: وفيما يتعلق بهذه المسألة فالرواية الشريفة قد حددت الحكم بقضاء الصوم فيما تبقى من الشهر، وهذا ما ورد في قول الإمام (عليه السلام): (فليقضِ ذلك في بقية ذي الحجة)، وهذا الحكم قد ٱستفاده العلماء من خلال الآية المباركة والرواية الشريفة، فيجب عليه حينئذ صوم الأيام الثلاثة في الحج في غير تلك الأيام المتقدمة، والأيام السبعة إذا رجع إلى أهله، قال الشيخ "الجواد الكاظمي": ((ولكن ٱتفق الجميع على أنَّ أفضل أوقاته [أي ليس وجوبًا] أنْ يصوم سابع ذي الحجة وثامنه وتاسعه إذا علم عدم الوجدان في محله، وقد دلت على ذلك الأخبار الكثيرة روى رفاعة قال: سألت الصادق "عليه السلام": فإنْ قدم يوم التروية [أي ولم يصم]، قال: يصوم ثلاثة أيام بعد أيام التشريق. قلت: لم يقم عليه جماله، قال: يصوم يوم الحصبة وبعده يومين. قال: قلت: وما الحصبة؟ قال: يوم نفره [أي يوم نفور الحجاج من منى وهو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة] قلت: يصوم وهو مسافر!؟ قال: نعم، أَفَلَيْسَ هو يوم عرفة مسافرًا؟ إنَّا أهل البيت نقول ذلك، لقول الله عز وجل: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ﴾ يقول: في ذي الحجة. ( ) ونحوها من الأخبار المعتبرة الإسناد الدالة على جواز الصوم تلك الأيام)).( )
وإجمالاً فهذا هو رأي فقهائنا في المسألة، قال السيد "السيستاني" "دام ظله": ((مسألة 394: المكلف الذي وجب عليه صوم ثلاثة أيام في الحج، إذا فاته صوم جميعها قبل يوم العيد لم يجزئه على الأحوط أن يصومها في اليوم الثامن والتاسع ويومًا آخر بعد رجوعه إلى منى، والأفضل أنْ لا يبدأ بها إلا بعد ٱنقضاء أيام التشريق، وإنْ كان يجوز له البداء من اليوم الثالث عشر إذا كان رجوعه من منى قبله، بل وإنْ كان رجوعه فيه على الأظهر، والأحوط الأولى المبادرة إلى الصوم بعد أيام التشريق وعدم تأخيره من دون عذر ....)) ( )، فالحكم يوافق الرواية والآية في الصوم خلال الشهر كله من ذي الحجة.
إنَّ كُلَّ ما تقدم من أقوال العلماء وغيرهم موافقًا لما ورد في الرواية التفسيرية الشريفة للإمام الكاظم (عليه السلام)، وهذا يؤكِّد وحدة المنهج التشريعي عند الثقلين (القرآن والعترة).
أخيرًا فقد فصَّل الفقهاء الكلام فيما إذا لم يقم المكلَّف بالصوم وقد ٱنتهى شهر ذي الحجة ودخل شهر محرم، قال السيد "السيستاني" في تتمة المسألة السابقة: ((فإنْ لم يصم الثلاثة حتى أهلَّ هلال محرم سقط الصوم وتعيَّنَ الهدي للسنة القادمة)).
- الآية الخامسة / قال تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَٱتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾. ( )
* عن إبراهيم بن عبد الحميد ( ) عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: مَنْ جادل في الحج .... الرفث: الجماع، والفسوق: الكذب، والجدال: قول لا واللهِ وبلى واللهِ، والمفاخرة)). ( )
إنَّ الرواية التفسيرية الشريفة تبين حكمًا شرعيًّا من أحكام الحج وهو ما يتعلق بأمور ثلاثة لا يجوز للحاج أنْ يقوم بها أثناء حجه، وهذه الأمور هي (الرفث، والفسوق، والجدال)، وقد ذكر العلماء ما يتعلق بها من أحكام شرعية لها علاقة بأحكام الحج ٱعتمدوا بالآية الشريفة والرواية المباركة وغيرها من روايات، قال "الراوندي": ((الرفث ههنا عندنا كناية عن الجماع، وعن جماعة المراد ههنا المواعدة للجماع، والتعريض للجماع، أو المداعبة كله رفث، والفسوق قيل هو التنابز بالألقاب، وقيل هو السباب، وروي المراد به الكذب، والجدال فالذي رواه أصحابنا أنه قول "لا والله" و"بلى والله" صادقًا وكاذبًا)) ( )، وأضاف على ما تقدم "المقداد السيوري": ((وقيل الرفث المواعدة للجماع باللسان والغمز بالعين له، وفي الجماع ومقدماته، والفسوق التنابز بالألقاب أو السب لقوله "صلى الله عليه وآله وسلم": "سباب المؤمن فسوق"، وإنَّ الجدال هو المراء بإغضابٍ على وجه اللجاج والمماحكة)) ( )، والمفسرون قد بيَّنوا ما يتعلق بهذه الأمور الثلاثة المحرمة على الحاج وإن ٱختلفوا إجمالاً في تفسير بعض المصاديق. ( )
ومما ورد عن الفقهاء في ذلك فقد قال السيد "علي الحسيني السيستاني" "دام ظله" فيما يتعلق بتروك الإحرام: ((وإذا أحرم المكلف حرمت عليه أمور وهي خمسة وعشرون كما يلي: 2- مجامعة النساء. 3- تقبيل النساء. 4- لمس المرأة. 5- النظر إلى المرأة وملاعبتها. 13- الفسوق. 14- المجادلة)). ( )
هذا ما حاولنا بيانه مما يتعلق بهاتين الروايتين التفسيريتين للإمام الكاظم (عليه السلام) وما في ذلك من وحدة المنهج بين القرآن والعترة، فنسأله تعالى التوفيق بالتمسك بهما، وإلى لقاء قادم مع روايات أخرى.







زيد علي كريم الكفلي
منذ 3 ايام
بغداد فرحة العرب
العمل التطوعي لمجتمعٍ متراحم
رؤية المؤسسات الدولية للحوزة العلمية في النجف الأشرف
EN