أقرأ أيضاً
التاريخ: 14-11-2014
![]()
التاريخ: 14-11-2014
![]()
التاريخ: 27-2-2016
![]()
التاريخ: 25-04-2015
![]() |
قد سعى أنصاره إلى حصر فهم القرآن بأئمة أهل البيت عليهم السّلام وحدهم ، حيث لا نصيب لعامة المسلمين من القرآن إلّا تلاوته ، ولا حظّ لهم فيه غير التبرك.
هذا الاتجاه لا يقتصر على الأخباريين وحدهم سواء انصرف المصطلح إلى مدرسة أهل الحديث في القرون الهجرية الاولى أو إلى الاتجاه الأخباري المقابل للاتجاه الاصولي الذي ازدهر أوائل القرن الهجري الحادي عشر وكان من أبرز رادته ومنظريه محمد أمين الأسترآبادي (ت : 1036 هـ) ، بل يعدّ الأخباريون من أبرز مصاديقه ، إذا صحت النسبة إليهم.
إذا كان جوهر هذا الاتجاه هو تعطيل النظر بكتاب اللّه وحصر فهمه بمرجعية محدّدة هم أئمة أهل البيت عليهم السّلام عند المسلمين الشيعة ، فإنّ نظرة عامة إلى تأريخ المسلمين العلمي تدلّ على رسوخ هذا النهج عند بقية المسلمين أيضا وإن اختلفت المرجعية. فالذي يعود إلى التراث التفسيري عند المسلمين السنّة يجد تبلور تيار مبكّر انبثق منذ عصر الخلفاء وجيل الصحابة والتابعين كان هو الآخر يحصر فهم كتاب اللّه في إطار المأثور النبوي ، وفي نطاق فهم الصحابة وما نقل عنهم ، محكّما مرجعية السلف وسلطتهم.
فروح الموقف التعطيلي سائدة عند الجانبين ، لكن باختلاف في المرجعية التي يجوز لها أن تمارس فهم القرآن ومعرفته.
في شاهد تنظيري يسوّغ هذا الحصر في الفهم والمعرفة يذكر المحدّث الأسترآبادي أنّ المساحة الغالبة من القرآن والسنّة النبوية جاءت بصيغة الرمز والتعمية بحيث لا يفهمها إلّا الأئمة المعصومون عليهم السّلام ، وبذلك لا بدّ من العودة إليهم ، بصفتهم المخاطبين الحقيقيين بالقرآن : «إنّما يعرف القرآن من خوطب به» (1) ، إذ يقول في ذلك نصا : «إنّ القرآن في الأكثر ورد على وجه التعمية بالنسبة إلى أذهان الرعية ، وكذلك كثير من السنن النبوية ، وإنّه لا سبيل لنا فيما لا نعلمه من الأحكام النظرية الشرعية ، أصلية كانت أو فرعية إلّا السماع من الصادقين عليهم السّلام ، وإنّه لا يجوز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر الكتاب ولا ظواهر السنن النبوية ما لم يعلم أحوالهما من جهة أهل الذكر عليهم السّلام ، بل يجب التوقف والاحتياط فيهما» (2).
إنّ تقصّي بعض ما استند إليه هذا الاتجاه في تدعيم رأيه يدل بوضوح على أنّ هذا الموقف من فهم القرآن لا يقتصر على الحركة الأخبارية كمدرسة ورؤية منظمة انطلقت مع الأسترآبادي ، بل تعود إلى أوائل عصر أئمة أهل البيت عليهم السّلام. فقد استند هؤلاء إلى موروث حديثي يشترك في ذم اللجوء إلى الرأي واللوذ بالعقل في التفسير من جهة ، وحصر فهم القرآن ومعرفته بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والعترة الطاهرة بوصفهم المخاطبين به من جهة اخرى. وعندئذ من الطبيعي أن تؤلف إشعاعات هذه الأحاديث ومدلولاتها ثقافة في وسط المسلمين الشيعة تركّز مقولة «الحصر» وتعطّل العقل الإسلامي من ارتياد هذا الحقل بعد أن حجرت عليه فهم القرآن .
من أمثلة هذه الأحاديث :
1- عن الإمام الباقر عليه السّلام ، قال : «ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن» (3).
2- عن الإمام الرضا عليه السّلام ، عن آبائه ، عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ، قال : «قال اللّه عز وجلّ : ما آمن بي من فسّر برأيه كلامي» (4).
3- عن الإمام الصادق عليه السّلام ، قال : «من فسّر برأيه آية من كتاب اللّه فقد كفر» (5).
4- من أبرز الأحاديث التي يستشهد بها على حصر فهم كتاب اللّه بأهل البيت عليهم السّلام ، هو خبر قتادة الذي دخل على الإمام الباقر ، ودار بينهما كلام ، ممّا جاء فيه ، أنّ الإمام سأل قتادة : «بلغني أنّك تفسّر القرآن؟ » فأجاب : نعم ، إلى أن انتهى الإمام إلى قوله : «ويحك يا قتادة ! إن كنت إنّما فسرت القرآن من تلقاء نفسك فقد هلكت وأهلكت ، وإن كنت فسرته من الرجال فقد هلكت وأهلكت ، ويحك يا قتادة ! إنّما يعرف القرآن من خوطب به» (6).
5- كذلك ما دار بين الإمام الصادق عليه السّلام وأبي حنيفة حيث ردّ عليه الإمام عند ما ادّعى معرفة كتاب اللّه حق معرفته ، بقوله : «يا أبا حنيفة لقد ادعيت علما! ويلك ما جعل اللّه ذلك إلّا عند أهل الكتاب الذين انزل عليهم ، ويلك ولا هو إلّا عند الخاص من ذرية نبينا محمد صلى اللّه عليه وآله ، وما ورّثك اللّه من كتابه حرفا» (7).
لقد استطاعت الأحاديث الناهية عن تفسير القرآن بالرأي وإصابته بالعقل ، وتلك التي توحي أنّ فهم القرآن مختص بمن خوطب به مطلقا ، أن تحشد من ورائها رأيا عاما عكف على مواجهة حركة التفسير والتعريض بها من خلال نسبتها إلى الرأي المنهي عنه تارة وإلى تجاوز اختصاص أئمة أهل البيت عليهم السّلام بفهم القرآن وتفسيره تارة اخرى ، ممّا أدى إلى تجميد التفسير وتعطيله عند هذا الاتجاه.
لوعدنا نتلمس هذا المنحى في أوّل تفسير موسوعي عند المسلمين الشيعة متمثلا ب «التبيان في تفسير القرآن» للشيخ أبي جعفر الطوسي (385-460 هـ) لرأيناه يعكس روح هذه الثقافة وشيوع مناخاتها بين المسلمين كافة شيعة وسنّة.
فعن الشيعة يكتب : «واعلم أنّ الرواية ظاهرة في أخبار أصحابنا بأنّ تفسير القرآن لا يجوز إلّا بالأثر الصحيح عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعن الأئمة عليهم السّلام ، الذين قولهم حجة كقول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وأنّ القول فيه بالرأي لا يجوز».
ثمّ يضيف مستطردا مشيرا إلى شيوع الثقافة ذاتها عند أهل السنّة : «وروى العامة ذلك عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنّه قال : «من فسر القرآن برأيه وأصاب الحقّ ، فقد أخطأ». وكره جماعة من التابعين وفقهاء المدينة القول في القرآن بالرأي كسعيد بن المسيب ، وعبيدة السلماني ، ونافع ، ومحمد بن القاسم ، وسالم بن عبد اللّه وغيرهم» (8).
عكف الطوسي بعد ذلك على مناقشة هذه الدعوى انطلاقا من قاعدة «إنّه لا يجوز أن يكون في كلام اللّه تعالى وكلام نبيه تناقض وتضاد» ، كما سنعرض لذلك مفصلا عند الردّ على هذا الاتجاه. لكن ما ينبغي الانتباه إليه أنّ هذا النحو من الثقافة التعطيلية كانت له هيمنة على الأجواء الإسلامية عامة شيعية وسنّية(9) ، ولا تزال تأثيراته لم تنقطع بعد تغذّيها تلك النزعات المعاصرة التي تزيغ عن النهج الصائب والمتوازن في التفسير.
لا يخفى أنّ من بين ما استند إليه التيار التعطيلي في الفكر القرآني التفسيري ، هو الاحتجاج بوجود المتشابه في القرآن ، والنهي عن اتباعه ، والرجوع به إلى اللّه سبحانه أو اللّه والراسخين في العلم وهم النبي وأئمة أهل البيت ، حيث يقول سبحانه : {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران : 7] ، إذ احتج هؤلاء إلى أنّ القرآن الكريم كله متشابه بالنسبة إلينا ، ومن ثمّ لا يجوز أخذ شيء منه إلّا من دلالة الإخبار على بيانه ، حتّى مثل قوله سبحانه : {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص : 1].
المناقشة
ترتد حجج الاتجاه التعطيلي إلى ثلاثة عناصر ، هي :
1- أخبار النهي عن التفسير بالرأي.
2- أخبار عدم إصابة القرآن بالعقول.
3- أخبار اختصاص الفهم بمن خوطب به.
كما يضيف إليها بعضهم المنع عن اتباع المتشابه ، وكذلك شبهة التحريف بالنقيصة في بعض آيات القرآن ، لاحتمال أن تكون هذه الآيات المفترض سقوطها قد كانت محفوفة بقرائن تدل على المراد.
______________________________
(1)- وسائل الشيعة 27 : 185 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 13 ، الحديث 25.
(2)- الفوائد المدنية : 47.
(3)- وسائل الشيعة 27 : 203 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 13 ، الحديث 73 ، على أنّ هذا الباب يتضمن 82 حديثا يرسّخ مضمونها هذا الاتجاه.
(4)- البرهان في تفسير القرآن 1 : 18/ 4.
(5)- نفس المصدر : 19/ 13.
(6)- الكافي 8 : 311/ 485 ، البرهان في تفسير القرآن 1 : 18/ 3 ، بحار الأنوار 46 : 349/ 2 ، وسائل الشيعة 27 : 185 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 13 ، الحديث 25.
(7)- وسائل الشيعة 27 : 47 ، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ، الباب 6 ، الحديث 27.
(8)- التبيان في تفسير القرآن 1 : 4.
(9)- يلحظ في رصد مناخات هذه الثقافة وما استندت إليه ، وتحليل أدلتها وما احتجّت به من الوسطين الشيعي والسنّي : التفسير والمفسّرون 1 : 60 فما بعد.
|
|
دخلت غرفة فنسيت ماذا تريد من داخلها.. خبير يفسر الحالة
|
|
|
|
|
ثورة طبية.. ابتكار أصغر جهاز لتنظيم ضربات القلب في العالم
|
|
|
|
|
قسم شؤون المعارف ووفد من جامعة البصرة يبحثان سبل تعزيز التعاون المشترك
|
|
|