أقرأ أيضاً
التاريخ: 25-03-2015
1863
التاريخ: 25-03-2015
18226
التاريخ: 26-09-2015
3590
التاريخ: 24-09-2015
2145
|
وهو
أن يقول المتكلم كلاماً يتوجه عليه فيه دخل إذا اقتصر عليه، فيأتي بعده بما ينفصل
به عن ذلك إما ظاهراً أو باطناً يظهره التأويل كقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا
أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى
رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) فإن على ظاهر هذه الآية حصل من جهة أن الطائر يطير
بجناحيه، فيكون الإخبار بذلك عرياً عن الفائدة، والانفصال عن ذلك هو أنه سبحانه
لما قال: ( وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ )
أوجبت البلاغة أن يردف ذلك بقوله ( وَلَا طَائِرٍ ) في السماء أو في الجو ( يَطِيرُ
بِجَنَاحَيْه) فأراد الإيجاز، فوجب أن يحذف إحدى الجملتين إما في السماء أو يطير
وما فيها من الضمير، ولا سبيل إلى حذف الفعل، لأنه الذي يتعلق به الجار والمجرور
الذي يمر بجناحيه وذكره مطلوب في الآية، لأن ذكر الجناح يفصل صاحبه من الهمج الذي
يظهر وهو يخال أنه يطير كالنمل والجعلان وغير ذلك، لأن هذا الصنف قد ذكر في صنف ما
دب ودرج في الأرض، والآية قصد بها صحة التقسيم، لأنه سبحانه لما استوعب كل ما يدب
على الأرض في صدرها أراد الإتيان بما يعم الذي يطير في الجو، ولا يطير في الجو إلا
طائر، ولا يسمى طائراً إلا إذا طار بجناحين، ولا تسمى آلة الطيران جناحاً إلا إذا
كانت ذات قصب وريش وأباهر وخوافي وقوادم، فقوله سبحانه: ( وَلَا طَائِرٍ ) بعد ذكر
الدواب موضح لما أراد من صحة التقسيم، ولفظة طائر رشحت لفظة يطير لمجيئها بعدها،
ولفظة يطير رشحت الإتيان بلفظة الجناحين، فحصل من مجموع ذلك الانفصال عن الدخل
المتوجه على ظاهر الآية، والله أعلم.
وكقول
أبي فراس [مجزوء الرمل]:
في
حرام الناس إن كنـ ... ـت من الناس تعد
ولقد
نبيت إبليـ ... ـس إذا راك يصد
ليس
من تقوى ولكن ... ثقل فيك وبرد
فإن
أبا فراس لو اقتصر على البيت الثاني لكان الهجاء فيه غير مخلص، وكان يتوجه دخل
بسبب احتمال البيت للمدح، والإتيان به في معرض الهجو، فانفصل عن هذا الدخل بالبيت
الثالث.
والفرق
بينه وبين الاحتراس عموم الاحتراس وخصوص هذا الباب، لأن البيت المدخول من هذا
الباب يكون الدخل المتوجه عليه من جهة كونه صالحاً لضدين من الفنون، وهو في سياق
أبيات مقصودة في فن واحد منهما، والاحتراس يكون بيته مدخولاً من هذا الوجه وغيره،
والله أعلم.