حدث أبو يعقوب
يوسف بن الجراح ، عن رجاله ، عن حذيفة بن اليمان قال : بينا رسول الله صلى الله عليه
وآله في جبل أظنه حرى أو غيره ومعه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام وجماعة
من المهاجرين والانصار وأنس حاضر لهذا الحديث وحذيفة يحدث به إذ أقبل الحسن بن علي
عليهما السلام يمشي على هدوء ووقار فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله
وقال : إن جبرئيل يهديه وميكائيل يسدده ، وهو ولدي والطاهر من نفسي وضلع من أضلاعي
هذا سبطي وقرة عيني بأبي هو.
فقام رسول الله
صلى الله عليه وآله وقمنا معه وهو يقول له : أنت تفاحتي وأنت حبيبي ومهجة قلبي
وأخذ بيده فمشى معه ونحن نمشي حتى جلس وجلسنا حوله ننظر إلى رسول الله صلى الله عليه
وآله وهو لا يرفع بصره عنه ، ثم قال : [ أما ] إنه سيكون بعدي هاديا مهديا هذا هدية
من رب العالمين لي ينبئ عني ويعرف الناس آثاري ويحيي سنتي ، ويتولى اموري في فعله
، ينظر الله إليه فيرحمه ، رحم الله من عرف له ذلك وبرني فيه وأكرمني فيه.
فما قطع رسول
الله صلى الله عليه وآله كلامه حتى أقبل إلينا أعرابي يجر هراوة له فلما نظر
رسول الله صلى الله عليه وآله إليه قال : قد جاءكم رجل يكلمكم بكلام غليظ تقشعر
منه جلودكم ، وإنه يسألكم من امور ، إن لكلامه جفوة. فجاء الاعرابي فلم يسلم وقال
: أيكم محمد؟ قلنا : وما تريد؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله : مهلا ، فقال
: يا محمد لقد كنت ابغضك ولم أرك والان فقد ازددت لك بغضا.
قال : فتبسم
رسول الله صلى الله عليه وآله وغضبنا لذلك وأردنا بالإعرابي إرادة فأومأ إلينا
رسول الله أن : اسكتوا! فقال الاعرابي : يا محمد إنك تزعم أنك نبي وإنك قد كذبت
على الانبياء وما معك من برهانك شيء قال له : يا أعرابي وما يدريك؟
قال : فخبرني
ببرهانك قال : إن أحببت أخبرك عضو من أعضائي فيكون ذلك أوكد لبرهاني قال : أو
يتكلم العضو؟ قال : نعم ، يا حسن قم! فازدرى الاعرابي نفسه وقال : هو ما يأتي
ويقيم صبيا ليكلمني قال : إنك ستجده عالما بما تريد فابتدره الحسن عليه السلام
وقال : مهلا يا أعرابي.
ما غبيا سألت
وابن غبي
بل
فقيها إذن وأنت الجهول
فان تك قد جهلت
فان عندي
شفاء
الجهل ما سأل السؤل
وبحرا لا تقسمه
الدوالي
تراثا
كان أورثه الرسول
لقد بسطت لسانك
، وعدوت طورك ، وخادعت نفسك ، غير أنك لا تبرح حتى تؤمن إن شاء الله فتبسم
الاعرابي وقال : هيه فقال له الحسن عليه السلام : نعم اجتمعهم في نادي قومك ،
وتذاكرتم ما جرى بينكم على جهل وخرق منكم ، فزعمتم أن محمدا صنبور والعرب قاطبة
تبغضه ، ولا طالب له بثاره ، وزعمت أنك قاتله وكان في قومك مؤنته ، فحملت نفسك على
ذلك ، وقد أخذت قناتك بيدك تؤمه تريد قتله ، فعسر عليك مسلكك ، وعمي عليك بصرك ،
وأبيت إلا ذلك فأتيتنا خوفا من أن يشتهر وإنك إنما جئت بخير يراد بك.
انبئك عن سفرك :
خرجت في ليلة ضحياء إذ عصفت ريح شديدة اشتد منها ظلماؤها وأطلت سماؤها ، وأعصر سحابها
، فبقيت محرنجما كالأشقر إن تقدم نحر وإن تأخر عقر ، لا تسمع لواطئ حسا ولا لنافخ
نار جرسا ، تراكمت عليك غيومها ، وتوارت عنك نجومها. فلا تهتدي بنجم طالع ، ولا
بعلم لا مع ، تقطع محجة وتهبط لجة في ديمومة قفر بعيدة القعر ، مجحفة بالسفر إذا
علوت مصعدا ازددت بعدا ، الريح تخطفك ، والشوك تخبطك ، في ريح عاصف ، وبرق خاطف ،
قد أو حشتك آكامها ، وقطعتك سلامها ، فأبصرت فإذا أنت عندنا فقرت عينك ، وظهر رينك
، وذهب أنينك.
قال : من أين
قلت يا غلام هذا؟ كأنك كشفت عن سويد قلبي ، ولقد كنت كأنك شاهدتني ، وما خفي عليك
شيء من أمري وكأنه علم الغيب [ فـ ] قال له : ما الاسلام؟ فقال الحسن عليه السلام
: الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ،
فأسلم وحسن إسلامه ، وعلمه رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا من القرآن فقال :
يارسول الله أرجع إلى قومي فاعرفهم ذلك؟ فأذن له ، فانصرف ورجع ومعه جماعة من قومه
، فدخلوا في الاسلام فكان الناس إذا نظروا إلى الحسن عليه السلام قالوا : لقد
اعطي مالم يعط أحد من الناس.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 43 / صفحة [ 342 ]
تاريخ النشر : 2026-07-30