ترتبطُ حاجةُ المجتمعاتِ للمشاريع الإصلاحية بظرفها الثقافي الراهن ووضعها السياسي المعيش التي تمرُّ به , ثم ترتبط ــ بعد ذلك ــ بدرجة الضرورة لتلك المشاريع , وبخلافه يصبح الحديث عن الإصلاح ضربا من التهويمات , واليوم نحن في العراق حيث الفساد الذي يضرب مؤسسات الدولة طولا وعرضا , وحيث هشاشة القانون , وحيث الإنشغال بالحرب على الإرهاب لا بدَّ أن نضع في الحسبان بأنَّنا ــ على الأقل في هذه المرحلة ـ بحاجة للتعامل مع الواقع بصورة مباشرة , فنحن الآن بحاجة إلى عمل جاد ؛ عمل وشغل على أرض الواقع , ليس إلى أن نجعل الأولويات للتنظير ووضع خطط نظرية تستنزف وقتا وجهدا وأموالا وتبتعد عن ملامسة الواقع ومعانقته , ولو تحدثنا بلغة الشواهد ومثلّنا على ذلك بحاجتنا إلى الإصلاح الثقافي فإننا بذلك نضع أنفسنا في موضع المسؤولية الكبيرة التي يفترض أن نستشعرها جميعا , فالإصلاح الثقافي الذي نحتاجه في العراق الآن يعني في أبسط متطلباته إصلاح الواقع بأوجهه كلّها ؛ والإصلاح الثقافي المنشود أيضا يعني إصلاح الإقتصاد والسياسة والقانون والحياة , لكن من أين نبدأ ؟ ما هي الخطوات العملية لتحقيق ذلك ؟ سؤال في غاية الخطورة ؛ هل نجعل الأولوية للنظر قبل العمل ؟ هل نضع خططا واستراتيجات ونظريات وفلسفات لنتجادل بشأنها في زمن سئمنا من الجدال والخلاف والتخاصم والتناحر ؟ هل من الصحيح أن ننظِّر للثقافة بوصفها مفاهيم ومصطلحات واشتراطات وتعريفات في وقت نحن بأمس الحاجة إلى خبز لفقرائنا وأدوية لمرضانا وخدمات أولية لشعبنا ؟ وهل من الصحيح أن نعقد المؤتمرات والندوات والمهرجانات التي تستنزف الملايين من الدولارات في زمن الحاجة الماسَّة إلى بناء آلاف المدارس والمؤسسات التربوية التي من شأنها أن تبث الوعي في النفوس وتنشط الحراك الثقافي ؟ هل من الصحيح أن نخصص مبالغ هائلة لأنشطة ثقافية في وقت لم يحصل آلاف الشباب العراقيين على التعليم الثانوي بفعل التسرب من المدارس لضرورات العيش وتراخي القانون ؟ هل صحيح أن نفعل كلَّ ذلك في زمن وصلت نسب الرسوب والغش والأمية إلى درجات مخيفة ؟ هل من المعقول أن نعقد المهرجانات التي لا تقدم للبلد شيئا في ظرفنا هذا ونحن بأمس الحاجة إلى خطوات فعلية من أجل محو الأمية للآلاف من والرجال والنساء ؟
أعتقد أننا بحاجة إلى أوراق عمل تفعَّل فورا ؛ بحاجة إلى تنشيط القوانين التي من شأنها أن تجعل التعليم الإبتدائي والثانوي إلزاميا وتمنع التسرب من المدارس , وتمنع التساهل في النجاح , أعتقد أننا الآن في العراق بحاجة إلى سياسيين إداريين واقعيين عمليين منغمسين في واقع الشعب ؛ غير متعالين عليه ؛ ليس بحاجة إلى سياسيين منظرين وفلاسفة ؛ اليوم ما أحوجنا إلى أن نضع الخطوات العملية لبناء المدارس , واعمار المؤسسات وتطبيق القوانين بعدالة على أرض الواقع ؛ بحاجة إلى رفع المستوى التعليمي لجيلنا , ونمنع الأمية الشبابية ؛ نكافح أمية النساء ؛ فقد ثبت بالدليل أن الأرهاب والفساد الإداري والزيف الثقافي وتشويه الحقائق والتستر بالآيديولوجيات, والتلاعب بالعقول ما كانت لتوجد لو كنّا ساهمنا جميعا على العمل على الإهتمام قبل كل شيء بالتربية والتعليم ... فهما أساس الفعل الثقافي .







د.فاضل حسن شريف
منذ يومين
العنف والرأي الجمعي
المرجعية ردّت كل الشبهات ضد المرجعيات عبر التأريخ
الغيرة من براءة الطفل إلى توجسات المرأة
EN