الانتقال والمعاينة على مسرح الجريمة
المؤلف:
سجاد غانم عبد الحسين
المصدر:
الانتقال والمعاينة لعضو الضبط القضائي وحجيته في الاثبات
الجزء والصفحة:
ص 123-134
2026-08-16
21
متى ورد البلاغ أو الشكوى بوقوع الجريمة، أو عُلِمَ بها بطريق الرؤية أو المشاهدة، تعين على الجهة المختصة التحقيق، وبوجه خاص عضو الضبط القضائي المبادرة إلى الانتقال إلى مسرح الجريمة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة (1) .
وعلى ذلك، سنبين أولاً تعريف مسرح الجريمة، ثم نتناول نطاق مسرح الجريمة، وأخيرًا نعرض طبيعة الانتقال الى مسرح الجريمة.
أولاً : تعريف مسرح الجريمة :
إن مصطلح مسرح الجريمة يُستعمل في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والهند وبعض الدول التي تأثرت بالنظام القانوني الإنجليزي، في حين تُستعمل في فرنسا وبعض الدول الأوروبية عبارة مكان الحادث أو المعاينة المباشرة، كما هو الحال في القانون الإيطالي (2) . على الرغم من ميلنا إلى استعمال مصطلح مسرح الجريمة، فإن المشرع العراقي في قانون أصول المحاكمات الجزائية قد استعمل مصطلح محل الحادث (3).
ولا بد من الإشارة إلى أن مسرح الجريمة يقتصر على الجرائم المادية التي تترك أثرا ماديًا تجري عليه حركة الجاني ويتحقق فيه الحدث الضار أو الخطر الناشئ عنه. أما الجرائم الشكلية، سواء أكانت جرائم سلوك مجرد أو جرائم حدث مجرد كطلب العطية أو الوعد بها أو ازدراء الأديان، فيصح أن يكون لها مكان لوقوع الجريمة، غير أنه لا يصدق عليه وصف مسرح الجريمة بالمعنى الفني الدقيق (4).
ويُشترط لتوافر مسرح الجريمة أن تقع الجريمة على مجني عليه محدد، سواء كان شخصا طبيعيًا أم شخصا معنويًا، ولا يكفي أن تقع على الدولة بصفتها مجنيًا عليه غير مباشر . فالقتل والسرقة يُعدّ لكل منهما مسرح جريمة لما ينطويان عليه من واقعة إجرامية مادية، أما الجرائم الماسة بحرمة الأديان، كجريمة ازدراء الأديان، فيكون لها مكان لوقوع الجريمة دون أن يتوافر لها مسرح بالمعنى الفني، لأنها من جرائم السلوك المجرد (5) .
ان مسرح الجريمة المفتاح الأساس لكشف غموض أي جريمة؛ لها مسرحاً ، إذ يمثل اللبنة الأولى التي يُبنى عليها التحقيق الجزائي. فإذا جاءت الإجراءات المتخذة في مسرح الجريمة صحيحة وسليمة، استقام مسار التحقيق برمته؛ لأنه يمثل الخارطة الأولى والخيط الأول الذي يهدي إلى الحقيقة (6).
فإن معظم الجرائم التي تقع تخلّف وراءها عناصر أساسية، هي الجاني، والمجني عليه، وأداة الجريمة، ومسرح الجريمة. ويُعدّ هذا الأخير مستودع أسرار الجريمة المرتكبة، إذ تنبثق منه مختلف الأدلة المادية، وهو بمثابة الشاهد الصامت الذي إذا أُحسن استنطاقه من قبل المحقق أمكن الوصول إلى معلومات مؤكدة عن الواقعة الإجرامية (7)، ويتأثر كل عنصر من عناصر الجريمة بالعناصر الأخرى ويؤثر فيها، فيأخذ منها آثارًا وينقل إليها آثارا مقابلة، وهو ما تقوم عليه نظرية العالم الفرنسي (إدموند لوكارد)، المعروفة بنظرية التبادل (أو المبادلة ) ، والتي مؤداها : إذا تلامس شيئان، فلا بد أن يترك كلٌّ منهما أثرًا على الآخر". وتُعدّ هذه النظرية الأساس العلمي لعمل فرق البحث والتحري في مسرح الجريمة (8).
رغم أن المشرع العراقي في قانون أصول المحاكمات الجزائية لم يُشر صراحة إلى مفهوم مسرح الجريمة، وبالتالي لم يضع له تعريفاً قانونياً محدداً، على ذات النهج ما سلكه كلٌّ من المشرع المصري في قانون أصول الإجراءات الجنائية، والمشرع الفلسطيني في قانون الإجراءات الجزائية.
فإن ذلك أدى إلى اختلاف الفقه في تحديد مدلوله، فذهب فريق من الفقه إلى قصر مسرح الجريمة على مكان ارتكاب الفعل الإجرامي ذاته، في حين وسع فريق آخر نطاقه ليشمل الأماكن المحيطة به التي قد تحتوي على آثار أو أدلة متصلة بالجريمة، بينما اتجه رأي ثالث إلى اعتباره شاملاً لـ مراحل ارتكاب الجريمة (9)، إلا أنَّه ليس من الضروري أن يكون مسرح الجريمة الابتدائي هو ذاته مكان وقوع الجريمة أو تحقق نتيجتها النهائية؛ إذ قد تُرتكب الجريمة في موضع يُصاب فيه المجني عليه، ثم يتمكن - رغم إصابته – من الانتقال إلى مكان آخر حيث يلفظ أنفاسه الأخيرة. كما قد يعمد الجاني، بعد إتمام فعله الإجرامي، إلى نقل جثمان المجني عليه إلى موضع مغاير بقصد إخفائه أو طمس معالم الجريمة وتضليل جهات التحقيق (10). وبناء على ما سبق بيانه؛ اختلف فقهاء القانون الجزائي في تعريف مسرح الجريمة، وتباينت آراؤهم في تحديد حدوده المكانية والزمانية.
فعرفه جانب من الفقه مسرح الجريمة على أنه : " المكان الذي انتهت فيه أدوار النشاط الإجرامي، للجاني، ويبدأ منه نشاط المحقق الجنائي وأعوانه بقصد البحث عن الجاني من واقع الآثار التي خلفها في مسرح الجريمة (11).
وما يلاحظ على هذا التعريف، أنَّه حدد مسرح الجريمة بالمكان الذي انتهى به نشاط الجاني .
وعرف مسرح الجريمة ايضاً بأنه : " المكان الذي تنبثق منه كافة الأدلة ويعطي للمحقق شرارة البدء في البحث عن الجاني ويكشف النقاب عن الأدلة المؤيدة للاتهام ويصلح لإعادة بناء الجريمة أي هو المكان أو مجموعة الأماكن التي تشهد مراحل تمثيل الجريمة واحتوائها" (12).
ويؤخذ على هذا التعريف أنه نظر إلى مسرح الجريمة بوصفه مصدراً ل أدلة الإدانة فحسب، مع أن ما يسفر عنه من آثار قد يصلح لأثبات البراءة أو الإدانة على حداً ،سواء، فضلاً عن أنه قصر سلطة التعامل معه على جهة التحقيق وحدها، رغم أن القانون يجيز انتقال ومعاينة عضو الضبط القضائي.
ويعرفه آخرون مسرح الجريمة وهو الذي نميل اليه بأنه : " المكان أو مجموعة الأماكن التي تشهد مراحل تنفيذ الجريمة واحتوى على الاثار المتخلفة عن ارتكابها ويعتبر ملحقاً لمسرح الجريمة كل مكان شهد مرحلة من مراحلها المتعددة " (13).
وايضاً يعرف مسرح الجريمة بأنه: " هو ذلك الفضاء أو المكان الذي ارتكبت فيه الجريمة بمادياتها ومعنوياتها الذي كان شاهداً على مراحل إرتكابها، والذي يلعب فيه ضابط الشرطة القضائية دورا رئيسيا في استنطاقه " (14).
وبذلك نستنتج مما سبق عرضه أن مسرح الجريمة يُعدُّ الشاهد الصامت على الواقعة الإجرامية، والذي يقوم القائم بإجراء الانتقال والمعاينة - ولاسيما عضو الضبط القضائي - باستنطاقه لاستخلاص ما دار في الجريمة، لاسيما في الجرائم المشهودة التي يُشكّل فيها نقطة البداية للإجراءات التحقيقية. ومن ثم يمكن تعريف مسرح الجريمة بأنه المكان الذي ارتكبت فيه الواقعة الإجرامية أو أحدى مراحل تنفيذها، لما يثيره من أدلة قد تكون صالحة للإدانة أو للبراءة.
ثانياً : نطاق مسرح الجريمة :
إن تحديد نطاق مسرح الجريمة يعد من الأمور الهامة في التحقيق الجزائي وذلك لبيان الاختصاص من تحديد مكان السلوك الاجرامي وبيان مدى السلطة الممنوحة لأعضاء الضبط القضائي في حالة الجريمة المشهودة، وتحديد أماكن الشهود وأدوار الجناة فضلاً عن معرفة النطاق الزماني لإرتكاب الجريمة (15).
وبذلك سوف نقسم نطاق مسرح الجريمة على ثلاث نقاط وهي كالآتي:-
1- النطاق المكاني لمسرح الجريمة :
هو النطاق الذي يحدد الاختصاص المكاني للتحقيق، ويتمثل في المكان الذي وقعت فيه الجريمة كلها أو بعضها، أو الذي وقع فيه أي فعل متمم لها، أو تحققت فيه أي نتيجة من نتائجها، وكذلك كل مكان وقع فيه فعل يُعد جزءا من جريمة مركبة أو جريمة مستمرة أو من جرائم العادة (16) ، وقد أجمع الخبراء في مجال البحث الجزائي، بمختلف دول العالم على أن مسرح الجريمة يُعدُّ مستودع أسرارها ، لما يحتويه من آثار مادية و أدلة تؤدي إلى كشف الحقيقة (17).
وعلى هذا الأساس، انقسم الفقه إلى اتجاهين: اتجاه يوسع من نطاق مسرح الجريمة، واتجاه آخر يضيق
من هذا النطاق، وفيما يأتي عرض لكل منهما:
الاتجاه الأول : وقد اتجه هذا الاتجاه إلى توسيع معيار الفاعل الأصلي، حتى بلغ حد الأخذ بمجرد الظهور في مسرح الجريمة أثناء ارتكابها بوصفه صورة من صور شدّ أزر الآخرين (18) ، وهذا ما أخذ به المُشرع العراقي (19).
الاتجاه الثاني : وعلى خلاف الاتجاه الموسّع ، فإن هذا الاتجاه يميل إلى تضييق نطاق الفاعل الأصلي، فلا يعتد إلأ بالفعل المادي المكوّن للجريمة أو بجزء منه، أو بالبدء في ارتكابه (20)، وهذا ما سلكة المشرع المصري والفلسطيني (21).
ونحن نؤيد الاتجاه الذي تبناه المشرع العراقي في توسيع نطاق مسرح الجريمة، ليشمل مكان ارتكاب الجريمة الفعلية، وكل مكان ساهم في تنفيذها أو تحقق فيه جزء من عناصرها أو ظهرت فيه آثارها المادية أو نتائجه أو ما خفي من ادلتها؛ لأن ذلك يؤدي للحصول على أكثر أدلة ممكنة وتطبيقا لذلك اشارت محكمة التمييز الاتحادية في أحدى قراراتها الى هذا الاتجاه : ".. وبما أن الاختصاص المكاني في التحقيق يتحدد في المكان الذي وقعت فيه الجريمة كلها أو أي جز، منها أو أي فعل متمم لها أو أية نتيجة ترتبت عليها .. الخ طبقاً لحكم المادة (53/أ) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم (23) لسنة (1971) المعدل، وبما أن العقد (أن) (صح) تم في محافظة كربلاء إلا أن أثاره أمتدت إلى قضاء عين التمر حيث وجود قطعة الأرض المذكور ومن ثم تكون محكمة تحقيق عين التمر هي المختصة مكانياً بنظر هذه الأوراق ... لذا قرر أعتبار محكمة تحقيق عين التمر هي المختصة مكانيا بنظر هذه الأوراق وإشعار محكمة تحقيق كربلاء .." (22) .
وبقرار آخر كان اكثر توسعاً في الاختصاص المكاني حيث أشار " .. بان جريمة خطف المشتكية (ص) في دولة تركيا كانت قد تمت اجزاء من اعمال تنفيذها في محافظة بابل مدينة الحلة والمتمثلة بمساومة ذوي المجنى عليها المذكورة على مبلغ الفدية وارسال هذه المبالغ للجناة عن طريق مكتب الصيرفة في الحلة الى مدينة اسطنبول في تركيا وبالتالي فان الجريمة وفي هذه الحالة وبالنسبة للقضاء العراقي والقانون العراقي واستنادا لنص المادة (53 / أ) من قانون اصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم 23 لسنة 1971 المعدل النافذ والتي قضت بان : " مكان ارتكاب الجريمة هو الذي يبين اختصاص التحقيق فيها مكانيا والذي يتحدد بالمكان الذي وقعت فيه الجريمة كلها أو جزء منها أو أي فعل متمم لها أو أية نتيجة تترتب عليها .." (23).
2- النطاق الزماني لمسرح الجريمة :
إن لعامل الزمن، المتمثل في سرعة الانتقال إلى مسرح الجريمة أهمية قصوى في ضبط الأدلة المتحصلة منه والمحافظة عليها ؛ إذ إنّ مرور مدة من الزمن على ارتكاب الجريمة قد يؤدي إلى ضياع معالمها أو تغييرها، سواء كان ذلك عمدًا أو غير عمد ، بفعل العوامل الطبيعية كالرياح، أو بفعل الأشخاص (24). لذلك قيل : " إن لساعات البحث الأولى قيمه لا تقدر ، لأن الوقت الذي يمر هو الحقيقة التي تفر" (25).
فمن خلال نص المادة (43) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي، سالف الذكر، ومن دلالة (فوراً)، يشير ذلك الى مبدأ السرعة في الانتقال الى مسرح الجريمة (26). وكذلك ما أورده المشرع المصري في قانون الإجراءات الجنائية (27).
وعلى الرغم من ان التشريعات الإجرائية المختلفة لم تحدد موعداً محدداً لاجراء المعاينة على مسرح الجريمة، عقب ارتكابها، لما في ذلك أهمية للحفاظ على الأدلة المادية، إلا انها تحبذ الإسراع في اجرائها للحفاظ على الأدلة (28).
ومن خلال عرض النصوص الإجرائية التي تناولت المعيار الزماني لإجراء المعاينة على مسرح الجريمة، يتبين أنها تشير إلى وجوب إجرائها عقب ارتكاب الجريمة ويُثار التساؤل في هذا السياق: هل يمكن إجراء المعاينة قبل وقوع الجريمة؟
وللإجابة عن ذلك، يُلاحظ أن إجراء المعاينة قبل وقوع الجريمة يُعد أمرًا عسيرا في الأصل، ويتوقف على درجة ذكاء ونباهة عضو الضبط القضائي، لاسيما في القضايا التي لا ترقى أفعالها إلى مستوى الجريمة، كالأعمال التحضيرية التي لا يعاقب عليها القانون. غير أنه يمكن إجراء المعاينة قبل وقوع الجريمة إذا كانت الأفعال القائمة تُشكّل جريمة بحد ذاتها كجريمة حيازة السلاح دون ترخيص، أو في الأحوال التي تقوم فيها حالة الاشتباه الجدي، وهو ما سبق بيانه في الصفحات السابقة
3- النطاق الشخصي في مسرح الجريمة :
يدخل ضمن النطاق الشخصي في مسرح الجريمة، كل شخص كان حاضراً هنالك، من المتهم وصولاً الى الشهود في مسرح الجريمة ومن كان حاضراً هناك، وهم كالاتي :-
أ- المتهم: لم تورد التشريعات الإجرائية تعريفاً " للمتهم " (29)، وكذلك المشرع العراقي فلم يضع تعريفاً قانونياً للمتهم .
فيعرف فقهياً بأنه: " الشخص الذي حركت ضده دعوى جزائية قصد معاقبته عن الجريمة المرتكبة المنسوبة إليه، وذلك بوصفه إما فاعلا أو شريكا أو متدخلا أو محرضا في أي مرحلة من مراحل الدعوى ما دام لم صبح الحكم عليه نهائيا " (30).
فالمتهم، هو من تثار ضده شبهات ارتكاب الجريمة، والتي تستهدف تمحيص هذه الشبهات أما بالادانة أو البراءة، مستفيداً من قرينة البراءة، غير المحكوم عليه الذي ثبتت ادانته واستحق تنفيذ العقوبة (31).
فإِنَّ ضبط المتهم في مسرح الجريمة، له دور فعال في كشف الغموض عن الواقعة الجرمية، كما في حالات التلبس، أما إذا لم يكن موجوداً على مسرح الجريمة، أي تمكن من مغادرة المسرح، فيتعين على عضو الضبط القضائي، جمع معلومات كامله عنه من حيث سلوكياته، علاقته بالمجني عليه بغية الوصول الى الحقيقة (32) .
ب- المجني عليه : لم تورد التشريعات العقابية أو الإجرائية تعريفاً ( للمجني عليه) (33)، وهذا ما سار عليه المشرع العراقي .
فيعرف فقهياً هو: " الشخص الطبيعي أو المعنوي صاحب الحق أو المصلحة المشمولين بالحماية الجنائية، واللذين أضرت بهما الجريمة أو عرضتهما للخطر " (34).
ج- الاخبار عن الجريمة : لا يمكن التعرف على وقوع جريمة، مالم يكن هناك اخبار عن الجريمة، فهو أول مرحلة من مراحل التحقيق، ويُعد الاخبار اشعار أو ابلاغ السلطات المختصة بوقوع جريمة (35)، وقد حددت المادتان (47)، (48) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي، طبيعة الاخبار وشروطه (36). وبناءً على ما تقدم، تتباين صور الإخبار عن وقوع الجريمة، وغالبًا ما يتحقق ذلك ب أحدى الوسائل الآتية :
1- يقوم المخبر بأخبار السلطات بارتكابه الجريمة، أي هو الذي ارتكب الجريمة (37).
2- يقوم المخبر بأخبار السلطات، بأن شخصاً أو اشخاص ارتكبوا جريمة، أي مخبر عن الغير (38).
3- ان يتهم المخبر نفسه مع شخص آخر بارتكاب الجريمة ضد ثالث، وحينها يكون مخبراً عن النفس والغير معاً (39).
وبعد تلقي الإخبار عن وقوع الجريمة، تبدأ أولى خطوات التحقيق بفتح محضر رسمي لتدوين واقعة الإخبار وما يتصل بها من بيانات أساسية تمهيدًا للشروع في إجراءات البحث والتحري. وفيما يأتي مثال توضيحي لكيفية الإخبار عن الجريمة وفتح المحضر (40) ، وقد يتم العلم بالجريمة بطريق الاطلاع المباشر من قبل عضو الضبط القضائي أثناء قيامه بواجبات البحث والتحري أو المراقبة، ولا سيما في حالات الجريمة المشهودة (41) ، أو يتم العلم بالجريمة عن طريق شكوى (42).
د - الشهود في مسرح الجريمة : قبل الخوض في بيان أنواع الشهود في مسرح الجريمة، يتعين علينا اولاً ان نعرف ما المقصود بالشهادة، فعرف جانب من الفقه بأنها : اقرار من الشاهد بأمر راه أو سمعه أو ادركه بأي حاسة من حواسه (43)، وعرف ايضاً : " إثبات واقعة معينة من خلال ما يقوله أحد الأشخاص عما شاهده أو سمعه أو أدركه بحواسه عن هذه الواقعة بطريقة مباشرة" (44).
أمَّا أقسام الشهود في مسرح الجريمة فهم :
1 شهود بحكم العلاقة، كأصدقاء أو أقارب للجاني أو المجني عليه (45).
2- شهود بحكم الصدفة، وهم اشخاص لا علاقه لهم في مسرح الجريمة، إلا أنَّهم يدخلون ضمن النطاق الشخصي لمسرح الجريمة، بسبب تواجدهم، ولو كان على سبيل الصدفة (46).
3 شهود بحكم الوظيفة أو المهنة، كحراس المنازل أو السيارات (47).
ان هذا التقسيم للشهود على مسرح الجريمة، بغض النظر سواء كانوا شهود نفي أو اثبات، أو كانت شهادة مباشرة أو سماعية أو بالتسامع (48).
ثالثاً: طبيعة الانتقال الى مسرح الجريمة :
بعد العلم بوقوع الجريمة، فإنَّ اجراء الانتقال يصبح ضرورة وذلك لتثبيت صحة وقوع الجريمة (49). فأن سرعة الانتقال الى مسرح الجريمة، فور العلم بوقوعها، تعد مسألة حيوية في التحقيق الجزائي؛ لأنها تحقق إمكانية الحفاظ على معالم الجريمة، بالطريقة التي تركها الجاني، دون عبث أو تغيير، فضلاً على ان سرعة الانتقال تسفر عن نتائج، قد يتعذر الحصول عليها إذا تراخى عضو الضبط القضائي في الانتقال، كسماع شهادة المجني عليه قبل وفاته (50).
وعلى ذلك يُثار التساؤل عن طبيعة الانتقال الى مسرح الجريمة هل هو وجوبي أم جوازي ؟ فإذا اخبر عضو الضبط القضائي عن وقوع جناية أو جنحة مشهودة، فعلية الانتقال فوراً الى مسرح الجريمة، بعد الاتصال بقاضي التحقيق والادعاء العام (51) فالانتقال وجوبي في حالة الجريمة المشهودة " جرائم التلبس" (52)، أما إذا كانت الجريمة غير مشهودة، فإنَّ الانتقال متروك لسلطة التقدير أي جوازي (53). وبذلك يكون الانتقال إلى مسرح الجريمة واجبًا في حالة الجريمة المشهودة، وكان الأولى بالمشرع العراقي أن يجعل هذا الانتقال واجبًا كذلك في الجرائم غير المشهودة فور الإخبار عنها ، لكونها لا تقل أهمية عن الجرائم المشهودة، ولا سيما في جرائم القتل.
_______________
1- د . مازن خلف ناصر أصول التحقيق الجنائي، دار السنهوري، بيروت، 2018، ص94 .
2- الحضرمي ولد سيدينا ولد برو مسرح الجريمة ورفع الأدلة وتحريرها جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، كلية علوم الأدلة الجنائية، قسم مسرح الجريمة، الرياض، 2007، ص 12
3- ينظر المادة (43) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي .
4- د. رمسيس بهنام، البوليس العلمي أو فن التحقيق، منشاة المعارف، الإسكندرية، مصر، 1977، ص 77 .
5- نور الهدى حسين رسن ، المسؤولية الجزائية الناشئة عن ازدراء الأديان في التشريع العراقي، (دراسة مقارنة)، رسالة ماجستير مقدمة الى كلية القانون، جامعة الكوفة، 2023، ص 30 - 31 .
6- هشام عبد الحميد فرج، معاينة مسرح الجريمة والتقارير الطبية، دار الاهرام المنصورة، 2024، ص 19 .
7- بن الدين فاطمة دور الشرطة العلمية في مسرح الجريمة، بحث منشور في مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، مجلد 15، عدد 4، 2022، ص 669.
8- دين الياس، اختصاصات الشرطة العلمية والتقنية ودورها في استنطاق مسرح الجريمة رسالة ماجستير مقدمة الى جامعة عبد حميد بن دياس كلية الحقوق والعلوم السياسية، 2016، ص 45 .
9- بن الدين فاطمة دور الشرطة العلمية في مسرح الجريمة، بحث منشور في مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، مجلد 15، عدد 4، 2022، ، ص 669 .
10- د. هشام عبد الحميد فرج، مصدر سابق، ص20
11- محمد حماد مرهج الهيتي، الأدلة الجنائية المادية، مصادرها انواعها _ أصول التعامل معها، دار الكتب القانونية مصر، 2014 ، ص 77 .
12- عبد الفتاح عبد الطيف حسين الجبارة اجراءات المعاينة الفنية لمسرح الجريمة، الطبعة الأولى، دار الحامد للنشر والتوزيع، الأردن، 2011، ص 22 .
13- العميد السيد المهدي مسرح الجريمة ودلالته في تحديد شخصية الجاني، دار النشر بالمركز العربي للدراسات والعلوم الأمنية، الرياض، 1993 ، ص 19 .
14- علي يوبي الادريسي، الشرطة القضائية في مسرح الجريمة سلطات وقيود، رسالة ماجستير مقدمة الى جامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية 2018-2019 ، ص 31 .
15- عادل عبد المطلب عبد الحسين مسرح الجريمة ودوره في الاثبات الجنائي، الطبعة الأولى، دار المسلة، بغداد، 2023، ص 60
16- قلادي امينة وبولنهندي ،ابتسام إجراءات معاينة مسرح الجريمة في التشريع الجزائري رسالة ماجستير مقدمة الى المركز الجامعي عبد الحفيظ بوالصوف قسم الحقوق، 2025، ص19
17- العميد السيد المهدي، مصدر سابق، ص 28 .
18- د. عبد الفتاح عبد الطيف حسين الجبارة اجراءات المعاينة الفنية لمسرح الجريمة، الطبعة الأولى، دار الحامد للنشر والتوزيع، الأردن، 2011 ، ص29.
19- نظر المادة (48) (49) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 النافذ والمعدل وبينت المادة (1/53) من قانون أصول المحاكمات الجزائية الاختصاص المكاني للقاضي، اذ نصت: " يحدد اختصاص التحقيق بالمكان الذي وقعت فيه الجريمة كلها أو جزء منها أو أي فعل متمم لها أو أية نتيجة ترتبت عليها أو فعل يكون جزءا من جريمة مركبة أو مستمرة أو متتابعة أو من جرائم العادة كما يحدد بالمكان الذي وجد المجني عليه فيه أو وجد فيه المال الذي ارتكبت الجريمة بشانه بعد نقله اليه بواسطة مرتكبها أو شخص عالم بها " .
20- عادل عبد المطلب عبد الحسين مسرح الجريمة ودوره في الاثبات الجنائي، الطبعة الأولى، دار المسلة، بغداد، 2023، ص 61
21- ينظر المادة (39) من قانون العقوبات المصري رقم 58 لسنة 1937 النافذ والمعدل، ألا أن القضاء المصري قد تبنى الاتجاه الأول في بعض أحكامه، وهذا ما قضت به محكمة النقض المصرية، بحيث جعلته يضم الأماكن التي يتواجد فيها جميع المساهمين في ارتكاب الجريمة . نقض 23 أكتوبر مجموعة أحكام النقض، س 29 ، رقم 127 ص 719. نقلاً عن : عمر عبد المجيد عبد الحميد مصبح، الدليل المادي وأثره في الاثبات الجنائي، أطروحة دكتوراه مقدمة الى كلية الحقوق، جامعة عين الشمس 2009 ، ص 321
وينظر المادة (2/80/ج) من قانون العقوبات الفلسطيني رقم 16 لسنة 1960 النافذ والمعدل، رمزي عوني المعاينة الجنائية ودورها في الاثبات الجنائي في التشريع الفلسطيني، (دراسة مقارنة)، رسالة ماجستير مقدمة الى جامعة النجاح الوطنية، كلية الدراسات العليا، 2019 ، ص 61.
22- قرار ذي العدد /979/ت/ / جزائية استئناف كربلاء الهيئة التمييزية تأريخ 2024/10/20 غير منشور .
23- قرار ذي العدد /2020/5791 / الهيئة الجزائية / تأريخ 2020/4/21، منشور على موقع محكمة التمييز الاتحادية، https://www.sirwanlawyer.com ، تاريخ الزيارة 2025/2/3، وقت الزيارة 9 مساءً.
24- حسين نسمة، الإجراءات الأولية للكشف عن الجريمة، بحث منشور في مجلة العلوم الإنسانية، مجلد 34 عدد 3، 2013، ص 189
25- د. عبد الفتاح عبد الطيف الجبارة، مصدر سابق، ص 30.
26- ينظر المادة (52/ج) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي، حيث إشارات ايضاً الى وجوب اجراء الانتقال الى مسرح الجريمة (محل الحادث ) من قبل قاضي التحقيق .
27- ينظر المادة (31) من قانون الإجراءات الجنائية المصري
28- العميد السيد المهدي مسرح الجريمة ودلالته في تحديد شخصية الجاني، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض، 1993، ص31.
29- فهد هادي حبتور ، حق المتهم في الصمت، بحث منشور في مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية، العدد 2، مجلد 9، 2017، ص 623
30- عفيف سقاي حق المتهم في محاكمة عادلة في التشريع الجزائري والتشريع الإسلامي، رسالة ماجستير مقدمة الى جامعة وهران، قسم العلوم الإسلامية 2021، ص 12
31- د. محمود نجيب حسني، حقوق المتهم وضماناته في مرحلة المحاكمة مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، 1996، ص 5.
32- نور مصطفی زهير معاينة مسرح الجريمة ودورها في كشف الحقيقة، رسالة ماجستير مقدمة الى كلية الحقوق والعلوم الإنسانية، جامعة عبد الحميد بن بادين مستغانم، 2022، ص 18
33- د. محمد أبو العلاه عقيدة المجني عليه ودوره في الظاهرة الاجرامية، دراسة في علم المجني عليه، الطبعة الثانية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1991، ص 11
34- د. محمد أبو العلاه عقيدة المجني عليه ودوره في الظاهرة الاجرامية، دراسة في علم المجني عليه، الطبعة الثانية، دار الفكر العربي، القاهرة، 1991 ، ص 16
35- د. سلطان الشاوي، أصول التحقيق الاجرامي، دار الكتاب القانوني، بيروت، لبنان، 2019، ص 41 .
36- نصت المادة (47/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي : " لمن وقعت عليه جريمة ولكل من علم بوقوع جريمة تحرك الدعوى فيها بلا شكوى أو علم بوقوع موت مشتبه به ان يخبر قاضي التحقيق أو المحقق أو الادعاء العام أو أحد مراكز الشرطة".
ونصت المادة (48) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي: " كل مكلف بخدمة عامة علم اثناء تأدية عمله أو بسبب تأديته بوقوع جريمة أو اشتبه في وقوع جريمة تحرك الدعوى فيها بلا شكوى وكل من قدم مساعدة بحكم مهنته الطبية في حالة يشتبه معها بوقوع جريمة وكل شخص كان حاضراً ارتكاب جناية عليهم ان يخبروا فورا احدا ممن ذكروا في المادة 47 .
37- عادل عبد المطلب عبد الحسين مسرح الجريمة ودوره في الاثبات الجنائي، الطبعة الأولى، دار المسلة، بغداد، 2023، ، ص 67 .
38- د. مازن خلف ناصر أصول التحقيق الجنائي، دار السنهوري، بيروت، 2018، ص 95 .
39- د. سلطان الشاوي، أصول التحقيق الاجرامي، دار الكتاب القانوني، بيروت، لبنان، 2019 ، ص 43 .
40- افاد المخبر (س) تولد 1961 يعمل ميكانيكي سيارات، يسكن محلة الفضل قرب كراج باب المعظم، وأفاد بما يلي : في مساء هذه الليلة ( 2022/5/10) وفي حدود الساعة التاسعة، وعندما كنت متوجهاً من داري الى محطة تعبئة وقود الشيخ عمر، لغرض التزود بالوقود، وقبل دخولي الى المحطة وعلى مسافة 500 متر تقريباً، شاهدت جثة مرماة على الطريق، ولدى تقربي منها تبين انها تعود لرجل مصاب بإطلاقات نارية في الراس ومفارق للحياة وما زالت الجثة موجودة . وهذه افادتي . المخبر م أول ( ضابط التحقيق ) .
41- د. عبد الكريم الردايدة، إجراءات التحقيق الجنائي واعمال الضابطة العدلية الجامع الشرطي، الطبعة الأولى، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان، 2013، ص 78
42- ينظر المادة (1/1) من قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي .
43- د. عماد محمد أحمد ربيع حجية الشهادة في الاثبات الجزائي، الطبعة الأولى مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 1999، ص 90 .
44- سارة غادري الأدلة القولية الشهادة والاعتراف ودورها في الأثبات الجنائي، رسالة ماجستير مقدمة الى كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة المسيلة 2013 ، ص9 .
45- كروم فؤاد، إجراءات المعاينة التقنية لمسرح الجريمة، رسالة ماجستير مقدمة الى كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم الحقوق، جامعة محمد بوضياف المسيلة 2018، ص 19 .
46- نور مصطفی زهیر معاينة مسرح الجريمة ودورها في كشف الحقيقة، رسالة ماجستير مقدمة الى كلية الحقوق والعلوم الإنسانية، جامعة عبد الحميد بن بادين مستغانم، 2022 ، ص 17 .
47- كروم فؤاد، إجراءات المعاينة التقنية لمسرح الجريمة، رسالة ماجستير مقدمة الى كلية الحقوق والعلوم السياسية، قسم الحقوق، جامعة محمد بوضياف المسيلة 2018 ، ص19
48- د. عماد محمد أحمد ربيع حجية الشهادة في الاثبات الجزائي، الطبعة الأولى مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، 1999، ، ص98-99 .
49- عادل عبد المطلب عبد الحسين، مصدر سابق، ص 70.
50- العميد السيد المهدي مسرح الجريمة ودلالته في تحديد شخصية الجاني، المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب، الرياض، 1993، ص 33.
51- د . براء منذر كمال شرح أصول المحاكمات الجزائية، الطبعة السابعة مكتبة السنهوري، بيروت، لبنان، 2021 ، ص 103
52- د. شريف أحمد الطباخ، التحقيق الجنائي في ضوء القضاء والفقه، الطبعة الأولى، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2017، ص 399.
53- د. شريف أحمد الطباخ، المصدر نفسه، ص399.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون اصول المحاكمات الجزائية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة