هل الترجمة خيانة
الترجمة معروفة ،تحويل نص مكتوب بلغة الى لغة اخرى ،القضية هنا قد تكون سهلة ،فالمترجمون كثر وقواميس اللغة كثيرة ،ولاتوجد مشكلة في ترجمة رسالة او كتاب علمي ،لكن المشكلة بدأت في ترجمة نصوص الادب والشعر ونصوص ترتكز قوتها على القراءة كالقرآن الكريم ،وترجمته واجهت مشاكل والغيت مشاريع كثيرة حتى استقر الرأي ان القرآن لايترجم بل يشرح مفسراً
اهتمت دولنا بالترجمة وامتلأت خزانات الكتب بروايات ودواوين ومسرحيات مترجمة ،وكان العراق والكويت ومصر وسوريا قد خصصوا جهداً ومالاً ومؤسسات لترجمة الادب العالمي الى العربية ..
ومن لطيف مايذكر هنا ان مترجماً عراقياً معروفاً كان يتحدث في مقدمة كل كتاب ترجمه ( مثلا ) انه اهمل ترجمة الفصل الاول من الكتاب ( لعدم حاجة القارئ العراقي له ) ،وفي ترجمته لحياة لورانس ،يقول في بعض الهوامش ( كلام نابي وخادش للحياء آثرنا حذفه ) الحقيقة مايفعله هذا المترجم هو الخيانة والمفروض ان تمنعه دور النشر من حذف اي شئ من النصوص لانه لايمكن ان ينصب نفسه قيماً على مايفيد القارئ ومايخدش حياءه ..
في الادب كالشعر هناك ترجمات متعددة والشعر نشاط انساني يعبر عن تراث الامم وحضارتها ،وفي كل بلاد الله شعراء كبار ومجاميع من النصوص الشعرية ،هذه النصوص خضعت الى ترجمات الى كل اللغات الحية تقريبا وبرزت اسماء مترجمين في البلاد العربية ترجموا لنا نصوص شعرية وادبية وروائية من كل اللغات كالانكليزية والفرنسية والروسية والالمانية والاسبانية والصينية ،واليابانية والفارسية والقائمة لاتنتهي ،الافريقية والتركية والهندية والخ الخ ...
في الشعر تكون الترجمة أصعب ومهمة شاقة ومسؤولة،لان الشعر تنزاح فيه اللغة وتستعير وتتلاصق وتتباعد وفيه مجاز ومنولوج وتفاصيل لاتسعف اللغة المجردة لتوصيل الفكرة واتذكر انني قرأت في نص من مسرحية شكسبير مكبث وهو يتوعد temorrow and tomorrow
عندما ترجمها جبرا ابراهيم جبرا ،وهو شاعر ومترجم وروائي وناقد ،درس في لندن وعاش في بغداد ...وهذه ترجمته لكلام مكبث ..
غدا...
وغدا وغد ..
حتى يكون الصوت فيه توعد وتربص وتصميم للثأر ...
ومن هنا فإن المترجم ليس عليه ان يتقن اللغتين حسب بل عليه ان يتقن ويتذوق شعر الحضارتين المترجم منها واليها ...
مرة قرأت ترجمة لملحمة جلجامش ،للاسف كان اسم جلجامش في هذه الترجمة القديمة والمهملة ( قلقيمش) ،لكن المرحوم طه باقر ترجمها عن النص السومري باسم ( جلجامش) وعندما نتأمل في الترجمتين نجد ان طه باقر كان اقرب للذائقة الادبية لكلا اللغتين ...
الترجمة ليست خيانة ،بل الخيانة في القصور المعرفي للمترجم وهو يتورط في نصوص فيشوهها بدل ترجمتها وبذلك تتعرض لغة الشاعر الى انزياحين في لغته وترجمتها الى لغة اخرى ...
كتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل في كتابه حول اسيا ولقائه مع ماو تسي تونغ كانت هناك مترجمة شابة تترجم كلام ماو من الصينية الى الانكليزية ،يقول هيكل ان ماو كان يتدخل بين الفينة والاخرى لتصحيح اخطاء المترجمة ،ماو كان يعرف الانكليزية ويدرك ماذا يريد ان يقول ،ولكن العرف السياسي يمنعه من الكلام الا من خلال مترجم ...
بعض الاعمال الكبيرة ترجمت لنا واعجبنا بها كاعمال ديستوفسكي الكاتب الروسي العظيم وقد ترجمه الاديب السوري الكبير سامي الدروبي وللعلم فإن الدروبي لم يكن يجيد الروسية بل ترجم ديستوفسكي من الفرنسية ،وبعد اكثر من خمسين سنة جاء من يقول ان هناك اخطاء في ترجمة الدروبي لاعمال الاديب الروسي بل ان هذا المصصح قال ان الدروبي اخطأ في ترجمة اسم الاديب ديستوفسكي وهو الاصح ان يكتب ديستوفسكايا او هكذا ،لم تجد كلمات هذا الاديب القادم بعد نصف قرن ليشككنا بتراث الدروبي وذهبت طروحاته ادراج النسيان ،فالدروبي ترجم الادب الروسي بمناخين فرنسي وروسي وكانت اللغة العربية الجميلة مطواعة وسلسة بين انامل هذا الشامي الرائع ...
المترجم الكبير صالح علماني امتنع عن ترجمة مائة عام من العزلة التي ترجمها انعام الجندي على الرغم من انها ترجمت عن الانكليزية وليس لغتها الام الاسبانية ،وعندما سئل علماني عن سبب عدم ترجمته قال انه وجد انها ترجمت ترجمة جميلة ..
في الاونة الاخيرة برزت اسماء في عالم الترجمة ،ولاحظ القراء المتمرسون في التعاطي مع الادب المترجم ان هناك خللا ما ،في بنية اللغة المترجمة او في لغة الكاتب نفسه ، وانا أميل الى ان المترجمين ونتيجة للسرعة ولان الوقت لايرحم بالنسبة لهم ،تقل عنايتهم بالتدقيق والتأمل في النصوص وطبيعة اللغة وتركيبة الحوار والوصف ،وقد قرأت لروائية تركية كبيرة ليف شافاك بعض العبارات وانا اجزم ان المترجم هو السبب ،لان بعض الروايات فيها انتقالات واجواء ومدن مختلفة وهذه امور تتسرب الى النص الروائي خصوصاً اذا كان الروائي محترفاً بعمله مبدعاً ،فعلى الروائي ان يتمعن كثيراً ويتحلى بالصبر في الاختيار وانتقاء المفردات التي تعبر عن روح اللغة المترجم عنها ،وإلا كان خائناً .







د.أمل الأسدي
منذ اسبوعين
من أدب الدفاع المقدس.. ( لا تكتملُ البهجة إلا بحزن )
شهر رمضان فرصة ربانية لتزكية النفس
إعمار البصرة
EN