0

بمختلف الألوان
أعلنَ الإمامُ الحُسينُ موقِفَهُ عَلانيّةً وصَراحةً تجاهَ إمرَةِ يزيدَ فقالَ سلامُ اللهِ عليهِ: (إنّا أهلُ بيتِ النُّبوَّةِ ومَعدِنِ الرِّسالَةِ... ويزيدُ رَجُلٌ فاسِقٌ، شاربُ الخمرِ، قاتلُ النَّفسِ المُحتَرَمةِ، مُعلِنٌ بالفِسقِ، ومِثلي لا يُبايِعُ مِثلَهُ) لم يَكُنِ الإمامُ الحُسينُ مُنفَصِلاً... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
حين يتحول المريض إلى زبون... وتغدو المهنة تجارة

منذ 1 ساعة
في 2026/10/18م
عدد المشاهدات :19
حين يتحول المريض إلى زبون... وتغدو المهنة تجارة
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
17/10/2026
قبل ثلاث سنوات دفعتني معاناة صحية إلى مراجعة طبيب اختصاص في جراحة المسالك البولية، كان يوصف بأنه من أفضل الأطباء في المحافظة. وعندما وصلت إلى عيادته استوقفتني لافتة كبيرة ازدحمت بالألقاب والشهادات والزمالات، حتى بدت أقرب إلى سجل للمؤهلات العلمية منها إلى لوحة تعريفية بطبيب. ولم تكن تلك الألقاب وحدها ما يصنع هالته، بل السمعة المتداولة بين الناس، الذين كثيراً ما يربطون كثرة الشهادات بالتفوق العلمي، وازدحام العيادة بالبراعة في التشخيص والعلاج.
كان الحصول على موعد يتطلب حجزاً مسبقاً، لكن الحجز لا يعني تحديد ساعة للمراجعة، وإنما مجرد تحديد يوم. أما الدخول إلى الطبيب فيخضع لترتيب الوصول إلى العيادة، الأمر الذي يفرض على المريض انتظار ساعتين أو ثلاث، وربما أكثر. ومن يريد اختصار الانتظار فعليه الحضور قبل وصول الطبيب بساعتين على الأقل، أو دفع مبلغ إضافي لمسؤول الحجز للحصول على دور متقدم. وهكذا يصبح وقت المريض سلعة أخرى قابلة للمساومة، وتتحول الحاجة إلى العلاج إلى فرصة للاستغلال. أما فتح باب الحجز لأعداد كبيرة من المراجعين دون مراعاة الوقت اللازم لفحص كل مريض، فيكشف عن خلل يتجاوز سوء التنظيم إلى تغليب عدد المعاينات على جودتها، وكأن زيادة الإيرادات أصبحت أهم من سلامة التشخيص.
والأغرب أن بعض المرضى ينظرون إلى هذا الازدحام بوصفه شهادة بالكفاءة، مع أنه قد يعكس شهرة الطبيب أو محدودية الاختصاصيين أو سوء تنظيم المواعيد، ولا يقدم بذاته دليلاً على جودة العلاج. فالمريض لا يدخل العيادة متسولاً إحساناً، بل يدفع أجور المعاينة لقاء خدمة مهنية تنشأ عنها التزامات متبادلة، في مقدمتها تخصيص الوقت الكافي للاستماع والفحص والتشخيص. ومن غير المقبول أن يدفع ثمن الخدمة مقدماً، ثم يُعامل وكأن الطبيب يتفضل عليه ببضع دقائق من وقته، خصوصاً أن بين المنتظرين كبار السن ومرضى قد لا تسمح حالتهم الصحية بالجلوس ساعات طويلة.
دخلت إلى الطبيب بعد انتظار طويل، فاستقبلني جالساً خلف مكتبه مرتدياً معطفه الأبيض. سألني باختصار عن اسمي وعمري وطبيعة الأعراض، ثم طلب إجراء فحص بالسونار على المثانة، إلى جانب مجموعة من تحاليل الدم والإدرار. وبعد إنجاز الفحوصات، التي استهلكت بدورها وقتاً ومالاً، والانتظار مرة أخرى لأكثر من ساعة، عدت إليه حاملاً النتائج التي كنت قد اطلعت على معظمها بنفسي.
لم يستغرق نظره إلى النتائج سوى ثوانٍ معدودة، ثم شرع في كتابة الوصفة الطبية دون أن يقدم تفسيراً واضحاً لما أظهرته الفحوصات أو لطبيعة التشخيص الذي توصل إليه. وقد بدا لي أن الوقت الذي كان ينبغي تخصيصه لشرح الحالة أصبح جزءاً من حسابات سرعة إنجاز المراجعة واستقبال المريض التالي. خرجت من العيادة بخمسة أنواع من الأدوية، ثلاثة منها مخصصة للحالة المرضية، واثنان من المكملات الغذائية والفيتامينات. ولم تكن المشكلة في عدد الأدوية وحده، وإنما في غياب الشرح الذي يتيح للمريض معرفة وظيفة كل دواء، وسبب الحاجة إليه، والمدة المتوقعة لاستعماله، وما قد يترتب عليه من آثار غير مرغوبة.
بدأت بتناول الأدوية وفق التعليمات، لكن بعد خمسة أيام ظهر تورم واضح في قدمي اليسرى، فاضطررت إلى مراجعة طبيب آخر أقرب تخصصاً إلى أمراض الكلى، وكان هو الآخر معروفاً بخبرته. استمع إلى تفاصيل الحالة، واطلع على الأدوية السابقة، ورجح أن يكون التورم ناجماً عن أحدها، ونصحني بإيقافها. وبعد إجراء فحوصات إضافية كتب لي وصفة جديدة تضمنت مجموعة أخرى من الأدوية.
وجدت نفسي أمام تجربتين طبيتين، وفحوصات متعددة، ووصفات دوائية مختلفة، بينما بقيت المشكلة الأصلية دون حل. لقد اهتزت ثقتي إلى الحد الذي جعلني أتوقف عن أدوية الطبيب الأول، ولا أبدأ بأدوية الطبيب الثاني. واكتفيت باستخدام مرهم موضعي، حتى اختفى التورم بعد نحو أسبوع، دون أن أستطيع الجزم بأن اختفاءه كان بسبب المرهم أو التوقف عن الأدوية أو زوال العامل الذي أحدثه. أما معاناتي الأصلية من اضطرابات الإدرار فقد استمرت.
كانت هذه التجربة مدخلاً إلى التفكير في مسألة أوسع من سلوك طبيب بعينه، تتعلق بالفارق بين علاج المرض وإدارته. فالعلاج، في معناه الذي يتطلع إليه المريض، يستهدف إزالة المرض أو معالجة سببه متى كان ذلك ممكناً، بينما قد تقتصر الإدارة العلاجية على تخفيف الأعراض والسيطرة عليها، مع استمرار تناول الأدوية والمتابعة لفترات طويلة. وقد تكون هذه الإدارة ضرورة طبية في أمراض لا يتوافر لها علاج شافٍ، لكنها تصبح موضع تساؤل عندما تتحول إلى ممارسة روتينية لا يُعاد فيها تقييم التشخيص، ولا تُراجع ضرورة استمرار الدواء، ولا يُبحث بجدية عن إمكان إنهاء المشكلة التي جاء المريض بسببها.
إن المريض الذي يدخل العيادة وهو يعاني من أعراض معينة يتطلع إلى معرفة سببها والتخلص منها، وليس إلى الخروج بوصفة تضمن له العودة المتكررة إلى العيادة والصيدلية. ومن حقه أن يعرف ما إذا كان الدواء يعالج سبب المرض أم يخفف أعراضه، وما إذا كان استعماله مؤقتاً أم مستمراً، وما الشروط التي تسمح بتقليل الجرعة أو إيقاف العلاج. وعندما تقترن الوصفات المتجددة بمصلحة مالية مرتبطة بتكرار المراجعات، فإنها تفتح باباً مشروعاً للتساؤل عن الحدود الفاصلة بين الضرورة الطبية والمصلحة التجارية.
بعد تجربتي مع الطبيبين، لجأت إلى أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي، وعرضت عليه تفاصيل الأعراض والفحوصات والأدوية السابقة وما صاحبها من آثار جانبية. وعلى خلاف ما شهدته في العيادتين، امتد الحوار عبر سلسلة من الأسئلة التفصيلية تناولت طبيعة الأعراض ومدتها وتطورها. وفي نهاية الحوار اقترح النظام دواءً للاستعمال اليومي المستمر، ومضاداً حيوياً وفق خطة محددة تتضمن تقييم التحسن بعد خمسة أيام، وإكمال سبعة أيام عند الاستجابة.
اتبعت تلك التوصيات بعد الاطلاع على نشرات الأدوية، وكانت النتيجة تحسناً واضحاً، والحمد لله، واختفاء معظم الأعراض التي كنت أعاني منها. وما زلت أتناول أحد الدواءين يومياً. ومع ذلك، فإن استمرار استعماله يعيدني إلى المسألة الأساسية المتعلقة بالفارق بين التحسن والشفاء؛ فقد تتحسن الأعراض نتيجة السيطرة الدوائية عليها دون أن يعني ذلك بالضرورة زوال السبب الذي أدى إلى ظهورها.
ولست أروي هذه التجربة للدعوة إلى استبدال الطبيب بالذكاء الاصطناعي، أو اعتبار الاستجابة التي حصلت عليها دليلاً على تفوقه الطبي. فالذكاء الاصطناعي قد يخطئ في التشخيص، ويقترح أدوية غير مناسبة، ولا يستطيع أن يحل محل الفحص السريري أو التقييم الطبي المباشر. لكن التجربة كشفت لي قيمة الحوار التفصيلي مع المريض، وأهمية الإصغاء إلى شكواه، وشرح الخيارات العلاجية بدلاً من الاكتفاء بوصفة مكتوبة على عجل. كما كشفت أن قيمة الفحوصات لا تتحقق بمجرد إجرائها، وإنما بتوظيف نتائجها في بناء التشخيص وتحديد العلاج ومناقشة المريض في دلالاتها.
ومن هنا تبرز مسؤولية الجهات الرقابية عن تنظيم العلاقة بين الطبيب والمريض، وهي مسؤولية لا ينبغي أن تقتصر على منح إجازات فتح العيادات أو متابعة الشروط الشكلية لممارسة المهنة. فمن الضروري وضع ضوابط واضحة تلزم الطبيب بتقديم تقرير طبي مكتوب للمريض، يتضمن التشخيص أو التشخيص الأولي، ونتائج الفحوصات التي استند إليها، والأدوية الموصوفة وأسباب استعمالها ومددها، والتعليمات المتعلقة بالمتابعة. وينبغي أن يُحرر هذا التقرير باللغة العربية الواضحة، مع ذكر المصطلحات العلمية عند الحاجة، وأن يُطبع بصورة مقروءة ويُسلّم للمريض مع نسخ من نتائج التحاليل والصور والتقارير المتعلقة بحالته. فهذه المعلومات تخص المريض قبل غيره، وقد دفع أجور الحصول عليها، ومن حقه الاحتفاظ بها والرجوع إليها أو عرضها على طبيب آخر دون أن يضطر إلى إعادة الفحوصات لمجرد افتقاره إلى سجل طبي واضح.
إن غياب التوثيق الطبي المنظم لا يضر بالمريض وحده، بل يفتح الباب لتكرار الفحوصات والوصفات، ويضعف القدرة على مراجعة القرارات العلاجية ومحاسبة المقصرين عند وقوع الأخطاء. ولا يكفي أن يحتفظ الطبيب بملاحظات مختصرة في ملف خاص داخل عيادته، بينما يغادر المريض حاملاً ورقة بأسماء أدوية قد لا يستطيع قراءتها. إن تنظيم السجلات الطبية وتحديد الحد الأدنى من المعلومات التي يجب تسليمها للمريض ينبغي أن يكون جزءاً من منظومة الرقابة المهنية، لا أمراً متروكاً لمزاج الطبيب أو تقديره الشخصي.
ولا يمكن تجاهل البعد التجاري الذي تسلل إلى بعض الممارسات الطبية. فالإفراط في وصف الأدوية والمكملات، وتكرار الفحوصات دون مبررات واضحة، وتوجيه المرضى إلى مختبرات أو صيدليات محددة، كلها ممارسات تستحق المساءلة عندما تغيب ضرورتها الطبية. وتزداد خطورتها إذا ارتبطت بمصالح مالية مباشرة أو غير مباشرة، لأن القرار العلاجي عندئذ يصبح معرضاً للتأثر بعوامل لا علاقة لها بمصلحة المريض. فالدواء غير الضروري ليس إضافة إلى جودة الرعاية، بل عبء مالي وصحي، والفحص الذي لا يضيف معلومة مفيدة للتشخيص أو المتابعة يتحول إلى كلفة يدفعها المريض دون مقابل علاجي واضح.
إن المشكلة لا تتعلق بالألقاب العلمية أو ارتفاع أجور المعاينة، وإنما بالمسافة التي قد تفصل بين المكانة المهنية والمسؤولية الأخلاقية. فالشهادات والزمالات تكتسب قيمتها عندما تنعكس على دقة التشخيص وحسن المعاملة، لا عندما تتحول إلى وسيلة دعائية تسبق الطبيب إلى المريض. وما زال في العراق أطباء أفاضل يجمعون بين الكفاءة العلمية والنزاهة المهنية، ويستحقون كل الاحترام والتقدير، لكن وجود هؤلاء لا ينبغي أن يحجب الممارسات التي أساءت إلى ثقة الناس بالمهنة، أو أن يحول دون مساءلة من يستغل حاجة المرضى.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الممارسة الطبية هو أن يصبح استمرار المريض في تناول الأدوية والعودة إلى العيادة أمراً مرغوباً لذاته، بدلاً من أن يكون ضرورة تفرضها حالته الصحية. فالمريض ليس محفظة نقود تمشي على قدمين، والنجاح المهني لا يقاس بعدد الوصفات التي يكتبها الطبيب، ولا بحجم الأموال التي يجنيها من معاناة الناس. والطب الذي يفقد غايته الإنسانية يتحول تدريجياً من رسالة لتخفيف الألم وإنهاء المرض حيثما أمكن، إلى نشاط تجاري يجد في استمرار المعاناة مصدراً دائماً للدخل.
سيبقى الطبيب موضع احترام ما دام يرى في المريض إنساناً قبل أن يراه زبوناً، ويرى في العلاج مسؤولية قبل أن يراه وصفة، ويرى في العلم خدمة للناس قبل أن يراه وسيلة لتمويل رحلاته الخاصة وجمع المال على حساب آلام المرضى.

اعضاء معجبون بهذا

الحجاب… حين يُصبح التمسّك بالعفّة سببًا للحرمان من التعليم
بقلم الكاتب : علي جبار الماجدي
تتداول منصّات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لطالباتٍ شيعيات في أذربيجان، قيل إنهن مُنعن من دخول مدارسهن بسبب تمسّكهن بارتداء الحجاب، في مشهدٍ يفتح بابًا واسعًا للتساؤل عن حرية الإنسان في اختيار ما ينسجم مع قناعاته الدينية، وحقّه الأساسي في تلقّي العلم دون مساومةٍ على هويته. إنّ التعليم حقٌّ إنسانيّ... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان... المزيد
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق... المزيد
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على ألفِ ذراعٍ...
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا يستقر فوق كل...
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة روايات كثيرة...
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...


منذ 4 ايام
2026/10/14
يعد الحمض النووي للورم الموجود في الدم (Circulating Tumor DNA-ctDNA) من المؤشرات الحيوية التي...
منذ 6 ايام
2026/10/12
التوتر النفسي ليس مجرد شعور بالقلق أو الخوف، بل هو استجابة كيميائية وعصبية...
منذ 6 ايام
2026/10/12
علي حسين عريبي ‏كل دولة تريد أن تكون عظمى في مختلف المجالات عليها أن تدرك أن...