لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا يستقر فوق كل شبرٍ منها.
كانت طقطقة الخشب القديم تحت قدمي "إبراهيم" صامتةً تقريبًا، وهو يتردد في خطوته الأخيرة نحو الفراش. الفراش الذي اضطجع عليه جده الشيخ، بعد ثمانين عامًا قضاها صوتُه يرتفع بالدعاء والذكر في زوايا البيت والمجلس والمحراب، لم يعد ينبعث منه اليوم إلا أنينٌ متقطع، وحشرجةٌ ضئيلة كأنها النزع الأخير لرسالةٍ يرفض صاحبها أن تكتمل دون أن يتأكد أن هناك من سينقلها بعده.
يقف إبراهيم عند طرف السرير. السجادة الصوفية القديمة مطويةٌ بعناية بجانب الوسادة، مسبحة الفيروز ذات الـ تسع وتسعين حبة تستقر في راحة يد الشيخ الباردة المرتجفة. كل شيء في الحجرة يشهد على حقيقةٍ واحدة: هذا الرجل عاش حياته يلهج باسم واحد، واليوم، يتوارى لسانه خلف جدار صلب من الشلل والألم.
فتح الشيخ عينيه الغائمتين بطبقة من حزن سحيق. لم ينطق. نُصِبت على وجهه خريطة من التجاعيد العملاقة التي ترسم حكاية عمرٍ كامل، لكن العجز كان يطوق لسانه كقيدٍ من الحديد. حاول أن يحرك شفتيه الناشفتين. خرقت شفتيه حركة شاحبة... يريد أن ينطق، يريد أن يلهج بالذكر الذي أَلِفه في الخلاء والملاء، في الليل والنهار، ولكن الصوت لا يخرج. خيبة أملٍ هادئة ومؤلمة فاضت من عينيه، كمن يقف أمام سيده ويشتهي أن يناد باسمه العظيم، فيدرك أن جسده الترابي القاصر يخذله في أقدس اللحظات.
مال إبراهيم بجسده قليلاً، وانحنى حتى صار وجهه على مقربة من ذقن جده الدقيقة المخضوبة بالبياض.
"يا جدي..." همس إبراهيم بصوتٍ خفيض يخاف أن يكسر الهيبة المخيمة على المكان. "استرح... إن الله يعلم ما في قلبك."
لكن الشيخ أغمض عينيه ببطء شديد، ودمعة واحدة تحدرت من طرف جفنه الأيسر، سالت بطيئةً فوق الجلد المتغضن لتضيع في خصلات لحيته. لم تكن دمعة ألمٍ جسدي، بل كانت دمعة استحياء وخجل؛ خجلُ العبد الذي يشعر بأن ذكره لله – حتى لو انطلق به اللسان – أقصر وأحقر من أن يليق بجلال الربوبية، فكيف وهو الآن عاجزٌ حتى عن إخراج ذلك الصوت القاصر؟
أخذ الشيخ يد إبراهيم الفتية بكل ما تبقى لديه من قوة ضئيلة. وضع مسبحة الفيروز في كفه، ثم أشار بأصبعه الشاحب المرتعش إلى صدر إبراهيم، ثم رفع السبابة نفسها إلى الأعلى، قبل أن تسقط يده على الغطاء متعبةً مجهدة.
فهم إبراهيم الشفرة المعتمة التي لا تحتاج إلى كلام. لم تكن الوصية أن يمتلك المسبحة، بل أن يدرك ثقل السر الذي طالما حملته.
خرج إبراهيم من الغرفة مستأذنا بخطوات ثقيلة، جُرِحَت روحه بالصمت الذي استقر في بيتٍ كان مأهولًا بالتهليل والتسبيح. أخذ المسبحة ومشى نحو صحن البيت الفسيح. كان الليل قد أرخى سدوله، والهدوء يلف البستان الصغير الملحق بالدار.
جلس على الدكة الحجرية الباردة تحت شجرة الزيتون العتيقة. وضع المسبحة فوق ركبتيه. تمتم بإحساس طفلٍ يخطو خطواته الأولى في طريق أدب المعرفة:
"كيف أذكرك يا رب... وذكري لك إنما هو بقدر ضعفي وجهلي، لا بقدر جلالك وعظمتك؟ كيف أجرؤ على تنزيهك بشفتين طالما تلوثتا بفضول الكلام وباطله؟"
مرت اللحظات كأنها دهر. كانت حبات الفيروز تتحرك بين أصابعه ببطء. تذكر كيف كان جده يجلس في هذا المكان بعينه، لا يشغله شاغل، ولا يلفت انتباهه فرح الدنيا ولا حزنها. كان جده يقول له دوما عندما يسأله عن سر السكينة: "يا بني، ليس الإنجاز أن يذكر اللسان، الإنجاز أن يأذن لك العليم بالذكر. لو لم يفتح لك الباب، لما استطاعت شفتاك أن تتفجّرا بحرف واحد. الذكر نعمةٌ منه يبتدئها، لا فضيلة منك تبدأها."
تسربت العبارة إلى أعماق إبراهيم كالماء البارد وهو يزهو ببطء بين عروقه الجافة.
عاد بخياله إلى المشهد الذي يراه الآن في الغرفة المظلمة؛ جده عاجزٌ عن الكلام، ولكن قلبه يشهد ويقدس. اللسان مجرد آلة ترابية، أما القلب فذاك هو المحراب الحقيقي الذي لا يشله جلطة ولا يوقفه عجز.
انسل إبراهيم هادئا وعاد إلى حجرة الشيخ.
كانت الشمعة على الطاولة الفخارية تحتضر، وضؤوها يراقص الظلال على الجدران. وقف عند رأس جده المريض، ونظر إلى وجهه الغارق في التأمل والغيبة عن العالم. انحنى إبراهيم ووضع يده الخفيفة فوق يد جده الباردة.
لم يطلب من الجد أن يتكلم، ولم يرجُ منه أن يحرك شفتيه. بل قرب شفتيه من أذن الشيخ العليلة، وبدأ هو بالهمس؛ همسٌ خفيٌّ هادئ، ليس فيه صراخ ولا موعظة، بل تسبيح متواتر، هادئ كجريان الماء بين الحصى:
"سبحانك... ذِكرُنا لك بَقَدَرِنا لا بقَدْرِك... وأنت المسبَّح في كل مكان... والموجود في كل أوان..."
عندما وقعت كلمات الدعاء في أذن الشيخ، شقت ششفتيه اليباب ابتسامةٌ خفيفة جدًا، تسللت كضوء الفجر الهادئ فوق وجهٍ أنهكه الزمان. لم يحاول الشيخ أن يتكلم هذه المرة. أغمض عينيه بسكينة تامة، ورخت أنامله الشاحبة على يد نجل ولده.
شعر إبراهيم في تلك اللحظة بالذروة العميقة للوجود: لم تكن الغاية أن نصل إلى ثناءٍ يستوعب العظمة الإلهية، فتلك غايةٌ تصغر دونها العقول والأنفس، بل الغاية أن نكون محلًا للإذن؛ أن يُسمَح لنا – نحن هذا التراب الضئيل – أن نلفظ الاسم المقدس، وأن نأنس بالذكر الخفي في ليل العجز والوحشة.
سكنت الغرفة كليًا. هبطت هيبةٌ إلهية شفيفة ملأت الفراغ المترامي بين الجدران والأرض والسماء.
نظر إبراهيم إلى نافذة الحجرة الصغيرة؛ كان الضوء الشاحب لخيط الفجر الأول يبدد ظلمة الليل ببطء. وفي الهدوء التام الذي يسبق أذان الصبح، أبصر المسبحة مستقرةً بين كف جده المسترخية وكفه الشابة المتماسكة، وحبةٌ واحدة من الفيروز تشعُّ ببريقٍ ضئيل تحت الضوء المتسلل من النافذة، كأنها نقطةٌ أبدية تشهد أن القلوب قد تهيم، والألسن قد تعجز، ولكن الإذن بالذكر يبقى الوعد الذي لا يخلفه أرحم الراحمين.







د. ضياء احمد حسين
منذ 4 ايام
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN