Logo

بمختلف الألوان
لقد فاضلَ الله سبحانه وتعالى بحسب حكمته في التشريع بين الشهور كما فاضلَ بين الأيّام، وكما فاضل بين السّاعات لأجل أن تكون هذه الفضيلة منبّهات للإنسان على مزيدٍ من الجد والتبصّر والاستعداد للحياة الأخرى. فلو كان الإنسان مدعوّاً إلى عمل الخير في جميع الأوقات على وجهٍ واحدٍ لم يكن له حافز على استثمار... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
باب لا يُغلق

منذ 1 ساعة
في 2026/09/13م
عدد المشاهدات :20
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر طلاؤه مع كل شتاء، وتتسع شقوق جدرانه مع كل صيف. كان المنزل صغيرًا، غرفتان ومطبخ ضيق، لكنه كان واسعًا بما يكفي لرجل واحد لم يعد ينتظر أحدًا. رجلٌ جاوز السبعين، انحنى ظهره كقوس، وتجمع البياض في لحيته كثقل السنين. كان اسمه سليم، لكنه لم يشعر بالسلام منذ زمن بعيد.
في تلك الليلة، كانت السماء تمطر بقسوة، كأنها تبكي على ما فات. كان المطر يضرب النوافذ بإلحاح، ويتسرب من شق في السقف ليقطر في إناء من نحاس قديم وضعه سليم هناك منذ سنوات. كان صوت القطرات المنتظم هو الرفيق الوحيد لسليم في لياليه الطويلة. كل قطرة كانت تذكّره بشيء: ذنب ارتكبه، كلمة قالها، نظرة خانت أمانتها، وعد لم يَفِ به. كانت القطرات تعدّ له سنواته الضائعة بحساب دقيق لا يرحم.
جلس سليم على حافة سريره الخشبي الذي صرير كل مرة يتحرك فيها. مد يده إلى المصباح الصغير بجانبه، لكنه توقف. في الظلمة، كان أسهل أن يرى نفسه كما هو: رجلاً لا يستحق أن يُذكر، نفسًا أثقلتها الخطايا حتى كادت تنكسر. رفع بصره إلى السقف حيث كان الظل يتماوج مع ضوء الشارع الخافت، وهمس بكلمات لم يجرؤ على رفع صوته بها:
"إلهي... ذنوبي وكثرتها قد غبرت وجهي عندك..."
لم يكمل، انقطع صوته كغصن يابس. شعر بغصة في حلقه، تلك الغصة التي كانت تأتيه كلما تذكر أنه قد يكون قد أغلق على نفسه كل أبواب الرحمة. كان يعرف أنه مسرف، كان يعرف أنه خاطئ، كان يعرف أن وجهه قد اسودّ بظلمة ما فعله وما تركه. لكنه كان يعرف أيضًا شيئًا آخر، شيئًا كان يتمسك به كغريق يمسك بقطعة خشب طافية: أن الله قال «لا تقنطوا من رحمة الله». وكان يقول لنفسه: "لو لم يكن هناك أمل، لما قالها".
وقف بصعوبة، وضعه على عصاه الخشبية التي كان يستند إليها في سنواته الأخيرة. كان المشية بطيئة، كل خطوة تؤلمه في ركبتيه، لكن الألم الجسدي كان أهون من ألم آخر كان يسكنه، ألم لم يجد له اسمًا. ألم أن يكون المرء وحيدًا مع ذنوبه، كمن يحمل حجارة في جوفه ولا يستطيع إلقاءها.
خرج من غرفته إلى الممر الضيق. كانت رائحة البيت قديمة، رائحة الخشب الرطب والغبار والوحدة. توقف أمام مرآة معلقة في آخر الممر، مرآة صغيرة كان يمر بها كل يوم دون أن ينظر فيها، لكنه وقف هذه المرة ونظر. رأى وجهًا عجوزًا، عينين غائرتين، جبينًا تغطيه التجاعيد مثلما تغطي الغيوم السماء. رأى فيه بصيصًا من رجل آخر، رجل كان شابًا، كان يضحك، كان يحلم. ثم اختفى ذلك البصيص، وبقي العجوز ينظر إليه.
تحت المرآة، كان هناك صندوق صغير من خشب الجوز، منقوش عليه آيات وأسماء. فتحه سليم بتردد، رغم أنه كان يعرف ما بداخله. كانت هناك سبحة عقيق، وقطعة قماش حريرية مكتوب عليها أسماء، ومصحف صغير بالغ الخط. أخذ المصحف في يده، فتحه على آية كان يحفظها عن ظهر قلب: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾. قرأها بصوت خفيض، كأنما يقرؤها على نفسه ليذكرها بما نسيه: أن الخوف ليس نهاية الطريق، بل ربما كان بدايته.
أغلق المصحف ووضعه على صدره لحظة، وكأنه يريد أن يشعر بثقله، أن يتأكد من أن الكلمات ما زالت تنطبق عليه. ثم وضع المصحف في الصندوق، وأغلقه، وتوجه إلى باب المنزل.
في الشارع، كان المطر قد خف قليلاً، لكن الأرض كانت غارقة في الماء، والريح تعصف بأغصان شجرة المشمش التي كانت قائمة أمام المنزل منذ أن كان سليم طفلاً. كان يعرف هذه الشجرة، كان يتسلقها، يأكل ثمرتها، يلقي ببذورها على من يمر. الآن، وقف تحتها ينظر إلى أغصانها العارية التي ترقص مع الريح، وكأنها تذكره بأن كل شيء يمر، حتى الأشجار تتحول إلى ذكرى.
سار سليم في الشارع المظلم، وحيدًا مع عصاه. كان الهدوء يخيم على الحارة، ما عدا صوت خطواته على الأرض المبللة، وصوت تنفسه الثقيل. كان يتجه إلى المسجد، المسجد القديم الذي لم يعد يقصده إلا هو وقليلون مثله. مسجد صغير في نهاية الحارة، مبني من الحجر، له باب خشبي كبير يئن كلما فُتح.
وصل سليم إلى باب المسجد، ووقف ليلتقط أنفاسه. كان الباب مغلقًا، لكنه لم يكن مؤمنًا بقفل. دفع الباب بهدوء، ففتح مع صرير طويل كأنه كان ينتظره. كانت رائحة المسجد ترابية، رائحة السجاد القديم والكتب المصفوفة على الرفوف. كان المكان مظلمًا إلا من ضوء فانوس صغير كان يُضاء كل ليلة من قبل متطوع.
تقدم سليم إلى المحراب، بخطوات بطيئة واثقة، رغم أنها كانت مرتجفة قليلاً. جلس على السجادة، وأحس برطوبتها، وكأنها كانت تبلل بكل دموع من جلسوا قبله، كل الذين توسلوا، كل الذين بكوا، كل الذين رجوا. كانت السجادة تحمل آثارهم دون أن تتكلم، لكنها كانت تشهد.
مد يده إلى جيبه، أخرج منها سبحة كان يحملها دائمًا، وبدأ يعدّها بين أصابعه. كل حبة كانت تمثل اسمًا من الأسماء التي تعلمها عن ظهر قلب، الأسماء التي كان يتمسك بها كما يتمسك الطفل بيد أمه في الظلام. كان يمر على الأسماء واحدًا واحدًا: محمد، علي، فاطمة، الحسن، الحسين... لم يتوقف عندهم، بل مضى إلى الأسماء التي تلت، الأسماء التي لم يرها لكنه آمن بها، تلك الأسماء التي كانت كنجوم في سماء مظلمة، لا يراها كل الناس، لكن من يراها لا يضيع الطريق.
رفع يديه إلى السماء، ورغم أنه كان في مكان مغلق، إلا أنه شعر وكأن سقف المسجد قد انفتح، وأن السماء تنظر إليه. شعر بغصة أخرى، لكنها هذه المرة كانت مختلفة. كانت غصة العاجز الذي لا يملك إلا أن يسأل.
"إلهي،" همس، صوته يكاد يختفي في سكون المسجد، "إن ذنوبي وكثرتها قد غبرت وجهي عندك..."
لم يستطع أن يكمل. شعر بشيء يتساقط من عينيه، دموع ساخنة تبدأ بالجريان على وجنتيه المتجعدتين. كان يبكي، يبكي بلا صوت، بلا أنين، بلا حركة. كانت الدموع تجري ببطء، كأنها تسيل عبر شقوق الزمن، تحمل معها كل ما كان يؤلمه. بكى لسنواته الضائعة، بكى لأحلامه التي ماتت، بكى لأشخاص أحبهم ورحلوا، بكى لنفسه التي شعرت بأنها بعيدة، بعيدة جدًا عن أي شيء مقدس.
وبينما كان يبكي، بدأ يتكلم، كلامًا متقطعًا، همسًا لا يسمعه إلا الله ومن كان قريبًا منه:
"إلهي، قد كان ذل اليأس علي مشتملًا، والقنوط من رحمتك بي ملتحفًا... لكنك قلت لا تقنطوا، وقلت ادعوني أستجب لكم... فأنا أدعوك، يا من لا يُخيّب من دعاه، يا من يقبل توبة التائبين... أنا هنا، بين يديك، كالعبد الآبق الذي عاد يطرق باب مولاه... لا أعرف كيف أقولها، لكني أعرف أنك تسمع..."
كان صوته يرتفع قليلاً ثم ينخفض، كأنه يتعثر في الصعود والنزول. لكنه واصل، كمن يسير في طريق لا يعرف نهايته لكنه يعرف أنه لا بد أن يواصل:
"اللهم... لقد وعدت المحسن ظنه بك ثوابًا، وأوعدت المسيء ظنه بك عقابًا... وأنا أحسن الظن بك، أحسن الظن... لقد أسبل دمعي حسن ظني بك في عتق رقبتي من النار، وتغمّد زللي، وإقالة عثرتي... أنت القائل، وقولك الحق لا خلف له ولا تبديل: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾
توقف هنا، وفتح عينيه. كانت الدموع قد جفَّت قليلاً، لكن عينيه كانتا حمراوين، وفي نظراته شيء من الرجاء الممزوج بالخوف. نظر إلى القبلة، كأنما يرى ما لا يراه غيره، كأنما يرى مجلس النشور، يوم الوقوف بين يدي الله، ذلك اليوم الذي يُدعى فيه كل إنسان بإمامه.
همس: "وأنا أدعوك يا رب أن تدعوني يوم حشري بإمامتهم... أن تحشرني في زمرتهم، وأن تكتبني في أصحابهم، وأن تجعلني من إخوانهم... هم معوّلي في شدتي ورخائي، وعافيتي وبلائي، ونومي ويقظتي، وظعني وإقامتي... هم ثقتي، هم ملجئي .
كانت كلماته تخرج من أعماقه، من مكان لا تكذبه العبارات. كان يتحدث عن الأئمة وكأنهم حاضرون معه، وكأنهم يستمعون إليه، وكأنهم يردون عليه بطمأنينة لا يعرفها إلا من تعلق بحبل ليس من حبال الدنيا. شعر وكأن المسجد لم يعد فارغًا، وكأن أرواحًا تحيط به، تستمع إلى تضرعه، تنتظر منه أن ينهي كلامه ليؤمنوا على دعائه.
وبينما هو غارق في هذا الحال، سمع صوتًا خفيفًا خلفه. صوت خطوات صغيرة، تتمايل بين الأعمدة. التفت سليم ببطء، فوجد طفلاً صغيرًا يقف هناك، على بعد خطوات قليلة. كان عمره لا يتجاوز العاشرة، عيناه واسعتان، وشعره أسود كثيف. يرتدي ثوبًا بسيطا، عليه بعض الغبار. وقف ينظر إلى سليم بفضول وهدوء.
سليم مسح وجهه بكمه، محاولاً إخفاء أثر البكاء. "من أنت يا بني؟"
اقترب الطفل، وكانت خطواته خفيفة كخطوات الطير. "أنا يحيى،" قال بصوت نقي، "جئت لأصلي، كان باب المسجد مفتوحا، فدخلت."
نظر سليم إلى الطفل، فرأى في وجهه براءة لا تعرف الذنب، نضارة لا يعرفها الهرم. شعر فجأة بحركة غريبة في قلبه، كأن رحمة ما تسربت إليه عبر نظرة هذا الصغير.
"تصلي في هذا الوقت المتأخر؟" سأل سليم، "أين أهلك؟"
"في البيت،" قال يحيى، "لكني أحب أن آتي إلى المسجد ليلاً. هنا أشعر بالقرب."
كانت كلماته بسيطة، لكنها حملت ثقلاً غريبا. شعر سليم بأن هذا الطفل ليس كغيره، كما لو أن كلماته تحمل في طياتها شيئا لا يدركه عقله، لكن قلبه يستشعره. مد سليم يده إليه، وابتسم ابتسامة خفيفة، هي الأولى منذ زمن طويل. "تعال يا يحيى، اجلس بجواري."
جلس يحيى بجانب سليم، على السجادة ذاتها. كان الجو بينهما هادئا، ساكنا، كأنما الزمان قد توقف للحظات. نظر الطفل إلى سليم، وقال: "كنت تبكي يا جدي. رأيت دموعك."
ابتسم سليم، لكن الابتسامة كانت ممزوجة بالحزن. "نعم يا بني... كنت أبكي."
"لماذا؟" سأل يحيى، وعيناه مليئتان بالفضول الطفولي النقي.
توقف سليم للحظة. كيف يشرح لطفل ما الذي يبكيه، وكيف يشرح له ثقل الذنوب، وشعور البعد، وتلك الوحشة التي تسكن الروح؟ لكنه قرر أن يقول شيئًا بسيطا.
"أبكي لأنني أذكر أنني أخطأت كثيرا،" قال، "وأخشى أنني لا أستحق المغفرة."
فكر الطفل قليلاً، ثم قال بثقة عجيبة: "لكن الله غفور رحيم... أليس كذلك؟ أسمع أمي تقول ذلك دائما."
ارتسمت ابتسامة أوسع على وجه سليم. "نعم يا بني، هو غفور رحيم... لكن الرجل الكبير مثلي يعرف أنه لو لم يكن له شيء يتشبث به، شيء يُدخله إلى الرحمة، لما كان يستحقها."
لم يفهم الطفل كل ما قاله سليم، لكنه شعر بثقل الكلمات. صمت قليلاً، ثم فجأة قال: "هل تحب أهل البيت يا جدي؟"
سليم نظر إليه مذهولاً. كيف يعرف هذا الطفل؟ لم يذكر سليم شيئا عنهم. لكنه أومأ برأسه، وصوته اختلج: "نعم يا بني... أحبهم، وأتمسك بحبهم، وأرجو الله بهم."
نظر يحيى إليه بنظرة غريبة، كأنما يرى شيئا لا يراه الآخرون. "أنا أيضا أحبهم،" قال، "لأنهم كانوا طيبين، وكانوا يعرفون كيف يحبون الله حقا."
كانت كلماته بسيطة، لكنها نزلت على قلب سليم كالبلسم. شعر فجأة أن هذا الطفل ليس مجرد طفل، وكأنما أُرسل إليه ليقول له ما يحتاج سماعه. جلس سليم صامتا، يتأمل وجه يحيى، يحاول أن يفهم من أين أتى هذا الصغير، ولماذا في هذه الليلة، في هذا المسجد، بعد هذا الدعاء.
ثم مد يحيى يده إلى سبحة سليم التي كانت ملقاة على السجادة. أخذها بين يديه الصغيرتين، وأعاد ترتيب حباتها التي كانت قد تشابكت. قال بصوته النقي: "جدي، عندما تشعر بالحزن، تذكر أن الله يحبك، وأنه لو كان يريد أن يغلق بابك، لما تركك تبكي في مسجده. البكاء هنا دليل أن الباب مفتوح."
تلك الكلمات، التي خرجت من فم طفل، كانت مثل وميض نور في ظلمة قلب سليم. شعر وكأن حجابا قد انكشف عن عينيه، وكأنه يرى ما لم يكن يراه من قبل. تذكر كلمات الدعاء التي قالها قبل قليل: "قد أسبل دمعي حسن ظني بك في عتق رقبتي من النار." أليس هذا البكاء هو حسن الظن نفسه؟ أليست هذه الدموع هي دليل أن الأمل حي في قلبه، وأن الرجاء لم يمت، وأنه متمسك بحبل الله، بحبل أولئك الذين وسّطهم إليه؟
سأل سليم بصوت يخنقه التأثر: "يا يحيى... كيف تعرف كل هذا؟ أين تعلمت هذه الكلمات؟"
ابتسم الطفل ابتسامة خفيفة كالقمر في آخر الشهر. "تعلمتها من أبي... وأبي تعلمها من جده... وجده تعلمها من جده... وهكذا."
نظر سليم إليه طويلاً، وكأنما يحاول أن يرى في وجهه ملامح شخص يعرفه. لم يجدها، لكنه شعر برابط غريب يربطه بهذا الطفل. ثم فجأة، وقف يحيى، وقال: "يجب أن أذهب الآن، جدي. أمي تنتظرني."
حاول سليم أن يمسك بيده، أن يسأله المزيد، أن يعرف من أين أتى، لكن الطفل كان قد أدار ظهره وبدأ يمشي نحو الباب بخطواته الخفيفة. وقف سليم بصعوبة، مستندا على عصاه، ونادى: "يا يحيى... متى أراك مرة أخرى؟"
التفت الطفل عند الباب، ونظر إليه بنظرة عميقة، كأنما يودعه ليس لليلة واحدة، بل لوقت طويل. "ستراني عندما تكون بحاجة إليّ،" قال، ثم ابتسم ابتسامة غامضة، وأضاف: "تذكر يا جدي، الباب لا يُغلق أبدًا على من يطرقه."
ثم خرج، واختفى في ظلمة الليل. وقف سليم ينظر إلى الباب المفتوح، يسمع صوت المطر وقد بدأ يخف، وصوت خطوات الطفل تبتعد، ثم تختفي. شعر بوحشة غريبة، لكنها لم تكن وحشة اليأس، بل وحشة الانتظار، وحشة الأمل الذي بدأ يتشكل.
عاد إلى مكانه على السجادة، وجلس يفكر. كانت كلمات يحيى ترن في أذنيه: "الباب لا يُغلق أبدا على من يطرقه." تذكر دعاءه، تذكر توسله بتلك الأسماء، تذكر بكاءه وحسن ظنه. شعر بأن تلك اللحظة لم تكن عادية، وكأنما كان هناك من يسمع، من يرى، من يرسل من يذكره بما نسي.
رفع يديه مرة أخرى إلى السماء، لكن هذه المرة، لم تكن كلماته متقطعة ولا خائفة. كانت هادئة، مطمئنة، كمن أيقن أن طريقه ليس خاطئا.
"اللهم... لك الحمد أن جعلت لي في قلبي رجاءً، وأن أسبلت دمعي حسن ظني بك... وأن أرسلت إليّ من يذكرني بأن رحمتك واسعة، وأن بابك لا يُغلق... إلهي، أنا عبدك المذنب، المعترف بذنبه، المقر بتقصيره، لكني متشبث بحب من أحببت، متوسل بهم إليك، راجٍ أن تنظر إليّ بعين رحمتك لا بعين عدلك... اللهم إني أسألك بحقهم أن تتجاوز عن سيئاتي، وأن تغفر لي ذنوبي، وأن تجعلني في زمرتهم يوم النشور... إنك على كل شيء قدير..."
كان يدعو وفي قلبه سكينة لم يعرفها منذ زمن. كان يشعر بأن المسجد لم يعد مظلما، بل كل ركن فيه يضيء بنور لا يُرى بالعين. كان يشعر أن الأرواح التي كانت تحيط به قد ازدادت قربا، وكأنما تستجيب لدعائه.
بعد أن فرغ من دعائه، جلس قليلاً يتأمل. ثم نهض، وتوجه إلى الباب. وقف على عتبته ينظر إلى الليل، إلى المطر الذي كاد أن يتوقف، إلى النجوم التي بدأت تظهر من خلف الغيوم. شعر بأن العالم قد تغير، ليس العالم الخارجي، بل العالم الذي في داخله. كان لا يزال حزينا، بل ربما كان حزينا أكثر، لكن حزنه الآن كان مختلفا. كان حزنا ممزوجا بالأمل، كألم المخاض الذي يسبق الولادة، كظلمة الفجر التي تسبق النور.
خرج من المسجد، وأغلق الباب خلفه، لكنه شعر بأن الباب لم يُغلق حقا، بل ظل مفتوحا في قلبه. مشى في الشارع المبلل، وخطواته كانت أخف مما كانت عليه قبل ساعات. كان المطر قد توقف، والهواء نقيا، ورائحة الأرض المبتلة تملأ الأنف. توقف تحت شجرة المشمش التي كانت أمام منزله، ونظر إلى أغصانها. رأى فيها شيئا لم يكن يراه من قبل: حياة، حتى في عريها، كانت تحمل وعدا بالربيع.
دخل منزله، وأغلق الباب بهدوء. توقف أمام المرآة في آخر الممر، ونظر إلى نفسه. رأى العجوز نفسه، لكنه رأى شيئا آخر هذه المرة، شيئا كان يختبئ خلف التجاعيد، خلف العيون الغائرة، خلف تعب السنين. رأى بصيصا من النور، كجمرة تحت الرماد، تنتظر أن تنفخ فيها الروح فتعود نارا.
جلست سليم على سريره، وأخرج المصحف من الصندوق مرة أخرى. فتحه على آية أخرى، آية كان يقرؤها كثيرا لكنها كانت هذه المرة مختلفة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
قرأها بصوت هادئ، وكأنما يقرؤها لأول مرة. شعر بأن الكلمات ليست مجرد حروف على ورق، بل هي صوت الله الذي يناديه، الذي يذكره بأنه لم يُغلق الباب، وأنه ما زال هناك طريق، وأنه حتى المسرفين، حتى الخاطئين، حتى أمثاله، لهم مكان في رحمة الله.
أغلق المصحف، ووضعه تحت رأسه كوسادة. كانت عيناه ثقيلتين، لكن قلبه كان خفيفا. استلقى على سريره، وأغمض عينيه. في لحظات النوم الأخيرة، رأى وجه يحيى، ذلك الطفل الذي جاء من العتمة وذهب فيها. تذكر كلماته الأخيرة: "ستراني عندما تكون بحاجة إليّ." وتساءل: "متى سأحتاج إليه مرة أخرى؟" لكنه عرف الجواب: كل يوم، كل لحظة، كلما شعر بأن اليأس يحاول أن يغلف قلبه، فهو بحاجة إلى من يذكره بأن الباب مفتوح.
نام سليم، ولأول مرة منذ سنوات، نام نوما هادئا، خاليا من الكوابيس، خاليا من الخوف. كان يحلم بمطر خفيف، وبرائحة التراب، وبطفل صغير يضحك، ويمسك بيده ويقوده نحو باب كبير من نور، باب لم يكن له مقبض من الخارج، لكنه كان مفتوحا دائما من الداخل.
في الصباح، استيقظ سليم على ضوء الشمس الذي كان يتسلل من النافذة، وهو شيء لم يحدث منذ زمن، لأن النافذة كانت دائماً مغلقة بالستائر الثقيلة. لكنه هذه المرة، كان قد تركها مفتوحة قليلاً. وقف، وشعر بشيء غريب: الألم في ركبتيه كان أقل، والنور في عينيه كان أكثر. ذهب إلى المطبخ، وأعد لنفسه فنجان قهوة كعادته، لكنه هذه المرة أضاف إليه قليلا من السكر، شيء لم يفعله منذ سنوات لأنه كان يعاقب نفسه.
وقف أمام النافذة، ينظر إلى الشارع الذي كان يبدو مختلفا في ضوء الصباح. رأى الناس يمرون، ورأى الأطفال يركضون، ورأى الحياة مستمرة. وشعر بأنه جزء منها، ليس غريبا عنها، ليس منعزلاً في قوقعة ذنوبه. كان لا يزال يعرف أنه أخطأ، لا يزال يعرف أنه قصّر، لكنه عرف أيضا أنه ليس مطرودا، ليس محجوبا، ليس بعيدا.
خرج من منزله، وتوجه إلى المسجد لصلاة الفجر. كان المسجد ممتلئا بعض الشيء هذه المرة، به بعض المصلين الذين أتوا للصلاة. دخل سليم، وصلى بخشوع مختلف، ليس بخشوع الخوف، بل بخشوع الأمل. بعد الصلاة، جلس قليلاً، يتلو أذكار الصباح.
عندما همَّ بالخروج، رأى شيئًا على السجادة حيث كان يجلس الليلة الماضية. كان هناك شيئا صغيرا، أبيض، كقطعة ورق. التقطها، فوجدها ورقة صغيرة، مطوية بدقة. فتحها، فقرأ فيها بخط جميل، كخط الأطفال لكنه ناضج:
"لا تقنطوا من رحمة الله."
توقف سليم. نظر إلى الورقة، ثم إلى المسجد، ثم إلى الباب. كانت كلمات يحيى تعود إليه، لكنها كانت هذه المرة مكتوبة، ملموسة، كدليل على أن تلك الليلة لم تكن حلماً. ضمّ الورقة إلى صدره، وشعر بدمعة تتسلل من عينه، لكنها كانت دموعاً مختلفة. ليست دموع يأس، بل دموع عرفان. عرفان بأن الله لا يترك عباده، وأنه يرسل لهم من يذكرهم، حتى في أحلك الليالي، حتى في أقصى الزقاق، حتى في قلب المسجد المهجور.
خرج سليم من المسجد، ونظر إلى السماء. كانت زرقاء، صافية، كأنما غُسلت بالمطر. أخذ نفسا عميقا، وشعر بأن الهواء يدخل إلى رئتيه وكأنه لأول مرة. مشى في الشارع، وخطواته كانت واثقة، لا تتردد. كان يعلم أن الطريق ما زال طويلاً، وأن ذنوبه كثيرة، وأن التغيير لا يأتي بين ليلة وضحاها. لكنه كان يعلم أيضا أن الباب مفتوح، وأن من يطرقه بإلحاح، وبإخلاص، وبحسن ظن، سيجد من يفتح له.
في المساء، عندما عاد إلى منزله، وجد على عتبة الباب شيئا آخر: تفاحة حمراء، طازجة، كأنما وُضعت للتو. نظر حوله، فلم ير أحدا. التقط التفاحة، وأحس ببرودتها، ونظر إليها طويلاً. كانت كرمز، كدليل على أن الحياة ما زالت تقدّم له ثمارها، وأنه ليس محروما من جمالها. أخذ التفاحة، وغسلها، وأكلها، طعمها كان حلوا، حلاوة لم يتذوقها منذ سنوات.
وجلس في غرفته، وأخرج الورقة التي وجدها في المسجد، وقرأها مرة أخرى: "لا تقنطوا من رحمة الله." ثم أضاف إليها من عنده، همسا خفيفًا: "وبابك لا يُغلق."
تلك الليلة، نام سليم على سريره، والورقة تحت وسادته، والتفاحة قد أكلها لكن طعمها بقي في فمه. نام، وفي قلبه شعور بالامتنان، شعور بأنه ليس وحيدا، شعور بأن هناك من يراه ويسمعه ويرسل إليه رسائل الأمل عبر طفل غريب، عبر ورقة صغيرة، عبر تفاحة حمراء، عبر كل تفاصيل الحياة التي كانت تغيب عنه لأنه كان يغلق عينيه.
ومات سليم بعد سنوات، في ليلة ممطرة مثل تلك الليلة، لكنه مات هادئا، مبتسمًا، والورقة الصغيرة كانت لا تزال تحت وسادته. وفي جنازته، حضر قليلون، لكن من بينهم كان طفل غريب، بعمر الخامسة عشرة، اسمه يحيى، وقف ينظر إلى القبر، وهمس بكلمات لم يسمعها أحد: "لقد أتيت يا جدي، كما وعدتك. لأنك كنت تحتاجني. والآن، أنت في مكان لا تحتاج فيه أحدا، لأنك مع من أحببت." ثم غادر، وترك خلفه وردة بيضاء على القبر، كرمز، كتذكير بأن الباب لا يُغلق أبدا.
حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر،... المزيد
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ... المزيد
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ... المزيد
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام... المزيد
تشير كتابات ومقالات الدكتور فاضل حسن شريف (التي تناول فيها الألفاظ القرآنية... المزيد
في تلك المساحة الرمادية الشاسعة التي نطلق عليها تارةً "الحب" وتارةً "الصداقة"،... المزيد
تطرق الدكتور فاضل حسن شريف في مقالاته ودراساته القرآنية ولغويات المعاجم إلى التمييز بين...
ثمة تواريخُ لا تكتفي بالمرور في تقويم العمر، بل تعسكر في الذاكرة كجيشٍ مدججٍ بالغياب. يوم...
زيد علي كريم /الكفل ليس كلُّ من ربّى اللحية أهلًا لها؛ فبين الناس من يتخذ اللحية تجارة، يقلب...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ يومين
2026/09/11
إعادة هيكلة المجموعة الطبية والصحية في الجامعات العراقية: مقترح للدمج المؤسسي...
منذ يومين
2026/09/11
تعد الفيروسات من أكثر الظواهر البيولوجية إثارة للجدل والغموض فهي كيانات مجهرية...
منذ يومين
2026/09/11
لم يكن السير جون هيرشل مجرد عالم فلك ورث شغف السماء عن والده ويليام، بل كان عبقرية...