تعد المسكنات من أكثر الأدوية استخداماً في العالم إذ يعتمد عليها ملايين الأشخاص يومياً للتخفيف من الآلام المختلفة مثل الصداع وآلام الأسنان والمفاصل والعضلات. وقد أسهمت هذه الأدوية في تحسين نوعية الحياة عندما تستخدم ضمن الإرشادات الطبية الصحيحة إلا أن الاستخدام العشوائي والمتكرر لها دون استشارة الطبيب أو الالتزام بالجرعات المحددة أصبح مشكلة صحية متزايدة في العديد من المجتمعات. فسهولة الحصول على المسكنات دون وصفة طبية إضافة إلى الاعتقاد الشائع بأنها أدوية آمنة تماماً يدفع كثيراً من الأفراد إلى الإفراط في استخدامها عند الشعور بأي ألم بسيط الأمر الذي قد يؤدي مع مرور الوقت إلى مضاعفات صحية خطيرة تمس عدة أجهزة في الجسم وفي مقدمتها الكلى.
تشير الأبحاث الطبية إلى أن التأثيرات الضارة للمسكنات لا تظهر دائماً بشكل فوري بل قد تتطور تدريجياً مع الاستعمال المتكرر أو الطويل الأمد. فالمسكنات من فئة مضادات الالتهاب غير الستيرويدية تعمل من خلال تثبيط إنزيمات مسؤولة عن إنتاج البروستاغلاندينات (Prostaglandins) وهي مواد كيميائية تلعب دوراً مهماً في تنظيم الالتهاب والألم. غير أن هذه المواد تسهم أيضاً في الحفاظ على تدفق الدم الطبيعي إلى الكليتين ولذلك فإن تثبيطها لفترات طويلة قد يؤدي إلى انخفاض التروية الدموية للكلى وإلى اضطراب في وظائفها الحيوية. ولهذا السبب تعد الكلى من أكثر الأعضاء تأثراً بالاستخدام المفرط للمسكنات.
قد أثبتت العديد من الدراسات العلمية العلاقة بين الاستعمال المتكرر للمسكنات وحدوث أمراض الكلى. ففي دراسة واسعة شملت أكثر من 19 ألف مريض يعانون من مرض الكلى المزمن تبين أن استخدام المسكنات مثل الأسيتامينوفين والأسبرين ومضادات الالتهاب غير الستيرويدية ارتبط بزيادة خطر تطور المرض إلى الفشل الكلوي النهائي حيث بلغ معدل الخطر نحو 2.92 لبعض الأدوية مع ازدياد هذا الخطر بزيادة الجرعة ومدة الاستخدام. وتؤكد هذه النتائج أن التأثير الضار للمسكنات على الكلى قد يكون تراكمياً ويزداد مع الاستعمال المتكرر.
كما أظهرت تحليلات حديثة لبيانات السلامة الدوائية أن بعض المسكنات الشائعة ترتبط بحدوث إصابات كلوية حادة. فقد بينت دراسة تحليلية اعتمدت على قاعدة بيانات الأعراض الجانبية للأدوية أن آلاف حالات إصابة الكلى ارتبطت باستخدام مضادات الالتهاب غير الستيرويدية وأن نسبة كبيرة من هذه الحالات ظهرت خلال الأسابيع الأولى من الاستخدام مع تسجيل عدد مرتفع من الحالات المرتبطة بدواء الإيبوبروفين تحديداً . تكمن خطورة هذه الإصابات في أنها قد تبدأ باضطرابات بسيطة في وظائف الكلى ثم تتطور إلى فشل كلوي حاد إذا لم يُوقف الدواء أو يُعالج المريض في الوقت المناسب.
وفي مراجعة علمية حديثة وتحليل شامل لعدد من الدراسات وُجد أن الاستخدام الطويل لهذه المسكنات يزيد من احتمال الإصابة بمرض الكلى المزمن بنسبة ملحوظة حيث بلغ معدل الخطر نحو 1.31 لدى الأشخاص الأصحاء وارتفع إلى 1.67 لدى المرضى الذين يعانون مسبقًا من مشكلات كلوية .
ولا تقتصر مضاعفات المسكنات على تدهور الوظيفة الكلوية فحسب بل قد تؤدي أيضاً إلى تغيرات مرضية في أنسجة الكلى نفسها. فقد أظهرت دراسات طبية أن الاستخدام المزمن لبعض المسكنات يمكن أن يسبب ما يُعرف بنخر الحليمات الكلوية ( Renal Papillary Necrosis) وهي حالة مرضية يحدث فيها تلف في الأنسجة الدقيقة داخل الكلية مما يؤدي إلى ضعف قدرتها على أداء وظيفتها الطبيعية في ترشيح الدم وتنظيم السوائل في الجسم . وتشير أبحاث أخرى إلى احتمال وجود علاقة بين الإفراط في استخدام بعض المسكنات وزيادة خطر الإصابة بسرطان الكلى خاصة عند الاستهلاك المرتفع لفترات طويلة .
ومن العوامل التي تزيد من خطورة تأثير المسكنات على الكلى التقدم في العمر والجفاف والإصابة بارتفاع ضغط الدم أو السكري إضافة إلى تناول أدوية أخرى قد تؤثر في وظائف الكلى. كما أن بعض المرضى قد يلجؤون إلى تناول أكثر من نوع من المسكنات في الوقت نفسه أو تجاوز الجرعات الموصى بها مما يزيد العبء الدوائي على الكلى ويضاعف احتمال حدوث المضاعفات.
لذلك يؤكد الأطباء والهيئات الصحية على ضرورة التعامل مع المسكنات بوصفها أدوية علاجية يجب استخدامها بحذر وليس كوسيلة روتينية للتخلص من الألم. ويشمل الاستخدام الآمن الالتزام بالجرعات المحددة وعدم الاستمرار في تناول المسكنات لفترات طويلة دون إشراف طبي واستشارة الطبيب عند تكرار الألم أو استمراره إضافة إلى إجراء الفحوصات الدورية لوظائف الكلى لدى الأشخاص الذين يضطرون إلى استخدامها لفترات ممتدة.







اسعد الدلفي
منذ 4 ايام
بغداد فرحة العرب
العمامة والشعر
نظرة في بيان المرجعية الدينية حول الانتخابات
EN