نظام الطيبات... وإعادة طرح الأسئلة الكبرى في الغذاء
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
29/05/2026
وفاءً لذكرى البروفيسور الدكتور ضياء العوضي رحمه الله، الذي كرّس سنوات طويلة من عمره للدفاع عن أفكاره وقناعاته العلمية والغذائية، يبقى "نظام الطيبات" موضوعًا يستحق الدراسة والبحث بعيدًا عن الأحكام المسبقة والرفض المسبق أو القبول المطلق. فالأفكار الكبرى لا تُحسم بالانطباعات ولا بالجدل الإعلامي، وإنما تخضع لمنهج البحث العلمي الرصين القائم على الملاحظة والتجربة والتحقق. ومن هنا فإن المسؤولية العلمية والأخلاقية تقتضي من المؤسسات الأكاديمية والطبية ومراكز البحوث المتخصصة أن تتناول هذا النظام بالدراسة الموضوعية، وأن تختبر فرضياته ونتائجه وفق المعايير العلمية المعتمدة، بدل الاكتفاء برفضه استنادًا إلى تعارضه مع النظريات السائدة. فالتاريخ العلمي حافل بأفكارٍ واجهت التشكيك في بداياتها قبل أن تجد طريقها إلى التقييم العلمي المنهجي، ويبقى البحث النزيه وحده القادر على الفصل بين الصواب والخطأ، وبين ما يستحق القبول وما يستوجب المراجعة.
ولعلّ أول ما يواجه الباحث في هذا النظام أنه لا يكتفي بمناقشة بعض التفاصيل الغذائية الجزئية، بل يذهب إلى مساءلة كثير من المسلمات التي ترسخت في الفكر التغذوي المعاصر.
حين تتحول المسلّمات الغذائية إلى حقائق لا يجوز الاقتراب منها، يصبح مجرد طرح الأسئلة فعلًا يثير الجدل. فالعالم المعاصر بنى منظومةً واسعة من التوصيات الغذائية التي يتعامل معها كثيرون بوصفها يقينيات نهائية، إلى أن ظهرت اتجاهات حاولت إعادة النظر في تلك القناعات من جذورها، وكان "نظام الطيبات" واحدًا من أكثرها إثارةً للنقاش.
ويجب أن يُفهم منذ البداية أننا أمام نظام غذائي يختلف جذريًا عن معظم النظريات الغذائية السائدة، بل يعارض في كثير من مفاصله ما استقر عليه الخطاب الطبي والتغذوي المعاصر. فهو يمنع أنواعًا من الأغذية التي اعتاد الإنسان عدّها من أساسيات غذائه، ويبيح في المقابل أغذية وضعتها النظريات الشائعة في دائرة التحذير أو المنع.
كما أن من يتبنى نظام الدكتور ضياء العوضي يدرك تمام الإدراك ما تمتلئ به المواقع الإلكترونية والنشرات الطبية من حديث عن فوائد الأغذية التي يمنعها النظام؛ ولذلك فهو ليس بحاجة إلى من يعيد عليه سرد تلك الفوائد أو تكرارها. فالمؤمنون بهذا المنهج يرون أن ما يحتاجه الجسم من عناصر غذائية يمكن الحصول عليه من خلال نظام الطيبات نفسه. أما قوائم الممنوعات والمسموحات لنظام الطيبات فهي متاحة بسهولة عبر شبكة الإنترنت لمن أراد الاطلاع عليها.
ومن الجدير بالذكر أن عرض هذا النظام على تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا يؤدي غالبًا إلى نتائج مؤيدة له، لأن الذكاء الاصطناعي يعتمد في إجاباته على النظريات العلمية السائدة وعلى كمٍّ هائل من المعلومات الموثقة المتداولة، في حين يرى أتباع نظام الطيبات أن أطروحاته تتجاوز كثيرًا من هذه النظريات وتختلف معها في منطلقاتها ونتائجها.
لقد برز ما عُرف بـ"نظام الطيبات"، المرتبط باسم البروفيسور الدكتور ضياء العوضي رحمه الله، انطلاقًا من فكرة جوهرية مفادها أن جسم الإنسان يمتلك قدرات كبيرة على تحقيق التوازن الذاتي إذا ما زُوّد بالغذاء الطبيعي المناسب، بعيدًا عن الإفراط في التصنيع الغذائي والإضافات الكيميائية التي أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية.
ويقوم هذا الطرح على إعادة النظر في عدد من المفاهيم الغذائية الشائعة، ومنها العلاقة بين الماء والسكر والملح داخل جسم الإنسان. فالماء يشكل النسبة الأكبر من مكونات الجسم، وهو الوسط الذي تجري فيه جميع العمليات الحيوية، إلا أن الجسم – وفق هذا التصور – لا يعتمد حصريًا على الماء الذي يشربه الإنسان، بل ينتج جزءًا من احتياجاته عبر العمليات الأيضية الناتجة عن تمثيل الغذاء داخل الخلايا. ومن هنا يقيّد النظام شرب الماء بحالة الإحساس بالعطش، باعتبارها الإشارة الطبيعية التي يرسلها الجسم للتعبير عن حاجته الفعلية إليه.
ومن هذا المنطلق يؤكد النظام أهمية السكريات الطبيعية الموجودة في التمر والعسل والتين والعنب، وكذلك السكريات المنتجة من قصب السكر وغيره، ويعدّها عنصرًا أساسيًا في التغذية. وتُعد رؤية البروفيسور ضياء العوضي للسكر من أكثر أطروحات النظام إثارةً للجدل، لأنها تخالف الاتجاهات العلمية السائدة التي تنظر إلى السكر باعتباره من العناصر التي ينبغي الحد منها، لا سيما لدى المصابين ببعض الأمراض المزمنة. أما وفق فلسفة النظام، فإن السكريات تمثل مصدرًا للطاقة وعنصرًا يدخل في عمليات التمثيل الغذائي التي تسهم في إنتاج الماء والطاقة معًا داخل الجسم.
أما الملح، الذي تحول في الخطاب الصحي المعاصر إلى متهم دائم، فينظر إليه هذا النظام بوصفه عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على التوازن الكهربائي داخل الخلايا، وفي نقل الإشارات العصبية وتنظيم العديد من الوظائف الحيوية. ولذلك فإن الإشكال، بحسب هذا التصور، لا يكمن في وجود الملح بحد ذاته، وإنما في اختلال التوازن بين حاجة الجسم الفسيولوجية وبين الإفراط في استهلاكه.
ولعل ما جذب كثيرين إلى نظام الطيبات لم يكن جانبه النظري فحسب، بل ما يرويه عدد من أتباعه من نتائج عملية لمسوها بعد الالتزام به. فكثير منهم يتحدث عن تحسن في النشاط العام، وارتفاع في مستويات الطاقة، وشعور أكبر بالخفة والحيوية، فضلًا عن تحسن بعض المؤشرات المرتبطة بنمط الحياة والتغذية.
ومع ذلك، فإن من الإنصاف التأكيد على أن استجابة الأجسام للأنظمة الغذائية ليست متماثلة. فما يناسب شخصًا قد لا يناسب آخر، وما يحقق نتائج إيجابية لفرد قد يحتاج إلى تعديل أو مراجعة عند فرد آخر. ولهذا ينبغي فهم أي تجربة غذائية في إطار الخصوصية البيولوجية لكل إنسان، مع متابعة تأثير الغذاء على الجسم بصورة مستمرة.
ومن الجدير بالذكر أن الأغذية الممنوعة في نظام الطيبات تشمل جميع متبعيه دون استثناء، أما الأغذية المسموح بها فتظل خاضعة للمراقبة الفردية. فإذا لاحظ الشخص أن نوعًا معينًا من الأغذية المسموح بها يسبب له أعراضًا أو تأثيرات غير مرغوبة، فعليه استبعاده من قائمته الغذائية، انطلاقًا من مبدأ أن استجابة الأجسام تختلف من إنسان إلى آخر.
لقد نجح الدكتور ضياء العوضي في إثارة نقاش واسع حول كثير من المسلمات الغذائية التي اعتاد الناس قبولها دون تمحيص. وسواء اتفق المرء مع جميع أطروحاته أم اختلف مع بعضها، فإن القيمة الحقيقية لأي مشروع فكري أو علمي تكمن في قدرته على دفع الناس إلى التفكير، وإعادة طرح الأسئلة، ومراجعة ما استقر في أذهانهم من أفكار وقناعات.
إن نظام الطيبات، بالنسبة إلى أتباعه، ليس مجرد قائمة أطعمة أو برنامج غذائي مؤقت، بل رؤية متكاملة تدعو إلى العودة إلى الغذاء الطبيعي، وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان وطعامه على أساس الفطرة والتوازن والوعي باحتياجات الجسد.
رحم الله البروفيسور الدكتور ضياء العوضي، الذي ترك وراءه مدرسة فكرية وغذائية تثير النقاش والاهتمام بين المهتمين بالشأن الصحي، ويبقى الحكم النهائي على أي فكرة مرهونًا بقدرتها على الصمود أمام التجربة العملية واستمرار قدرتها على تقديم إجابات للأسئلة التي تشغل الإنسان في بحثه الدائم عن الصحة والعافية.







محمد عبد السلام
منذ ساعتين
وفد المرجعية .. عمل دؤوب لا إعلام كذوب
منارة موقدة العراقية : نارٌ للحجيج والإنذار
خطة فرض التعليم
EN