سلسلة مفاهيم في الفيزياء
الجزء التسعون: مخروط الضوء وحدود السببية في زمكان النسبية الخاصة
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
15/1/2026
تنص النسبية الخاصة — أو بدقة أكبر النظرية النسبية للكهرومغناطيسية — على مبدأ هندسي وفيزيائي بالغ الأهمية، يمكن صياغته على النحو الآتي:
إن مسار أي شعاع ضوئي ينبعث من حدثٍ ما في الفراغ هو خط مستقيم في الزمكان، ويقع هذا الخط على سطح مخروط الضوء المستقبلي لذلك الحدث. فإذا انطلق وميض ضوئي لحظةً واحدة من نقطة معينة في الفراغ، فإن الضوء، منتشراً في جميع الاتجاهات الممكنة، سيشغل مع الزمن كامل سطح مخروط الضوء المستقبلي المرتبط بتلك النقطة.
ومن الناحية الحدسية، يمكن تصور هذا الوميض في مخطط زمكان ثلاثي الأبعاد (بعد إسقاط أحد الأبعاد المكانية) على أنه كرة ضوئية متوسعة يزداد نصف قطرها مع الزمن. وعند إسقاط أحد الأبعاد المكانية، تتحول هذه الكرة المتوسعة بصريًا إلى دائرة تكبر تدريجيًا مع مرور الزمن. غير أن هذه الصورة الحدسية لا يمكن صياغتها بدقة إلا ضمن إطار زمكاني يربط بكل حدث بنية هندسية محددة تُعرف بمخروط الضوء.
ومن اللافت أن قانون انتشار الضوء في هذا السياق لا يتضمن أي إشارة إلى طبيعة مصدر الضوء أو خصائصه، بل يفترض ببساطة أن الانبعاث يحدث عند حدث زمكاني محدد. وبهذا المعنى، فإن القانون مستقل عن تفاصيل المصدر، ويركز فقط على البنية الهندسية للزمكان نفسه. ونتيجةً لذلك، يتضمن هذا القانون تلقائيًا الظاهرة التي ناقشناها سابقًا:
إذا انبعث شعاعان ضوئيان من نفس النقطة وفي نفس اللحظة، فإنهما — مهما اختلف مسارهما المكاني — سيصلان معًا إلى مراقب بعيد. وقد تمكنا من تفسير هذه الظاهرة دون الحاجة إلى تعريف سرعة الضوء أو حتى ذكرها صراحة، إذ ظهرت كنتيجة مباشرة للبنية الهندسية للزمكان.
يقسم مخروط الضوء المرتبط بالحدث عند نقطة الأصل بقية الزمكان إلى خمس مجموعات متميزة ومترابطة طوبولوجيًا:
1. الأحداث الواقعة داخل مخروط الضوء المستقبلي،
2. الأحداث الواقعة على سطح مخروط الضوء المستقبلي،
3. الأحداث الواقعة داخل مخروط الضوء الماضي،
4. الأحداث الواقعة على سطح مخروط الضوء الماضي،
5. الأحداث الواقعة خارج المخروطين كليًا.
وتُسمّى الأحداث التي تقع داخل مخروط الضوء الماضي أو المستقبلي أحداثًا مفصولة زمنيًا عن نقطة الأصل، لأنها يمكن أن ترتبط بها بعلاقة سببية. أما الأحداث التي تقع على سطح المخروط فتُعرف بأنها مفصولة ضوئيًا، إذ لا يمكن ربطها إلا بإشارة تسير بسرعة الضوء. في حين تُسمّى الأحداث الواقعة خارج المخروطين أحداثًا مفصولة مكانيًا، ولا يمكن أن توجد بينها وبين نقطة الأصل أي علاقة سببية.
وبحسب الاصطلاح المتبع في أنظمة الإحداثيات من نوع لورنتز، فإن الفاصل الزمني بين الأحداث المفصولة زمنيًا يكون موجبًا وحقيقيًا، ويكون صفريًا في حالة الفصل الضوئي، بينما يكون تخيليًا (غير حقيقي) عندما يكون الفصل مكانيًا. والأهم من ذلك أن جميع أطر لورنتز تتفق على طبيعة هذا الفصل، حتى وإن اختلفت في القيم العددية للإحداثيات.
ويمكن التعبير عن المبدأ الفيزيائي القائل بأن لا شيء يمكنه أن يتحرك أسرع من الضوء ضمن هذا الإطار الهندسي البحت بالقول:
لا يمكن لأي كيان مادي يمر عبر حدث معين أن يسلك مسارًا يتجاوز مخروط الضوء المرتبط بذلك الحدث.
ومرة أخرى، نلاحظ أن هذا المبدأ صيغ دون الحاجة إلى تعريف السرعة، بل بوصفه قيدًا هندسيًا مفروضًا على المسارات الممكنة في الزمكان.
وبما أن زمكان مينكوفسكي يتمتع ببنية خطية (آفينية)، فإن قانون نيوتن الأول يحتفظ بصيغته الجوهرية ضمن هذا الإطار، ولكن بتعبير هندسي أدق:
مسار أي كيان مادي لا يخضع لتأثيرات خارجية هو خط مستقيم في زمكان مينكوفسكي.
وبما أن شعاع الضوء في الفراغ لا يتأثر بأي قوى، فإن مساره يجب أن يكون خطًا مستقيمًا، لكنه — بخلاف الأجسام الكتلية — يقع دائمًا على سطح مخروط الضوء. أما الأجسام التي تمتلك كتلة، فإن مساراتها لا تقع على سطح المخروط، بل داخله. ومن المسلّمات الأساسية في النسبية الخاصة أن مسار أي جسم كتلي يكون دائمًا مفصولًا زمنيًا عن كل حدث يمر به، وبالتالي يظل محصورًا داخل مخروط الضوء المرتبط بذلك الحدث.
ونظرًا لأن البنية الخطية لزمكان مينكوفسكي تماثل من حيث الخصائص الرياضية البنية الخطية للفضاء الرباعي الأبعاد، نستنتج أن مسار الجسم الحر — أي غير الخاضع لأي قوة خارجية — يكون خطًا مستقيمًا في مخطط الزمكان. وسوف نستفيد من هذه الحقيقة مرارًا عند معالجة المسائل النسبية وتحليل حركة الأجسام.
وتتيح هذه البنية الهندسية استخلاص بعض التنبؤات الفيزيائية البسيطة ولكن العميقة. فعلى سبيل المثال، إذا تقاطعت مسارات كيانين ماديين حرّين — سواء كانا شعاعي ضوء أو جسمين ذوي كتلة — فإن هذا التقاطع لا يمكن أن يحدث أكثر من مرة واحدة.
وهذه نتيجة مباشرة من خصائص الخطوط المستقيمة في زمكان مينكوفسكي، حيث لا يمكن لزوج من الخطوط المستقيمة أن يتقاطعا إلا في نقطة واحدة فقط. قد يبدو هذا الأمر بديهيًا في هذا السياق، لكنه سيفقد بداهته تمامًا عند الانتقال إلى النسبية العامة، حيث يصبح الزمكان منحنيًا، وقد تتقاطع المسارات أكثر من مرة.
وللوصول إلى تنبؤات فيزيائية أعمق من تلك التي عرضناها هنا، لا بد من توسيع الروابط بين البنية الهندسية لزمكان مينكوفسكي وبين السلوك الفيزيائي الفعلي للأجسام المادية. وأحد أهم هذه الروابط يتمثل في افتراض أساسي — أو فرضية — سنناقشها بتفصيل في المقال القادم، وتُعرف باسم: فرضية الساعة.
يتبع في الجزء 91...







د.فاضل حسن شريف
منذ 6 ايام
من الذاكرة الرمضانية الكربلائية.. الجزء الاول
بعض العلم يقتنص أفراحنا
من أدب الدفاع المقدس.. ( لا تكتملُ البهجة إلا بحزن )
EN