Logo

بمختلف الألوان
في وطنٍ تئنُّ روحه من ثِقل الأيام، وتتوقُّ أجياله إلى فجرٍ يمحو ظلام اليأس، انبعث نورٌ من قلب مدينة مقدسة، نورٌ يملأ الوطن ضياءً، وأيدٍ أمينة تعانق آماله واحلامه. سطع نور العتبة العباسية المقدسة، التي لطالما كانت مَوئِلاً للعلم والمعرفة، لتتجاوز دورها الديني وتصبح حاضنة حقيقية للطاقات الشابة،... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
عقيدة مونرو: نصف الكرة الغربي ومنطق القوة في الفكر السياسي الأمريكي

منذ 6 ساعات
في 2026/01/11م
عدد المشاهدات :34
عقيدة مونرو: نصف الكرة الغربي ومنطق القوة في الفكر السياسي الأمريكي
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
6/1/2026
ليست عقيدة مونرو حدثًا تاريخيًا معزولًا، بل فكرة مؤسسة شكّلت وعي السياسة الأمريكية تجاه النفوذ والمجال الحيوي. وتتبع تحوّلها عبر القرون يفتح باب فهم أعمق لمنطق القوة الذي ما زال يحكم العلاقات الدولية حتى اليوم.
حتى نفهم الكيفية التي تنظر بها الولايات المتحدة إلى العالم، لا بدّ من العودة خطوة إلى الوراء، وتحديدًا إلى مرحلة حكم الرئيس الأمريكي جيمس مونرو، الرئيس الخامس للولايات المتحدة، الذي تولّى الرئاسة لفترتين متتاليتين بين 4 آذار/مارس 1817 و4 آذار/مارس 1825، وكان آخر الرؤساء الذين ينتمون إلى ما عُرف بـ«جيل المؤسسين»، إذ جاء إلى المنصب بعد جيمس ماديسون، وخلفه جون كوينسي آدامز.
ففي رسالته السنوية إلى الكونغرس بتاريخ 2 كانون الأول/ديسمبر 1823، طرح مونرو ما أصبح يُعرف لاحقًا بـ«عقيدة مونرو»، محددًا أربعة مبادئ بدت في ظاهرها دفاعية، لكنها كانت تؤسس لرؤية جيوسياسية بعيدة المدى: أولها امتناع الولايات المتحدة عن التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأوروبية أو في الحروب الدائرة بينها؛ وثانيها الاعتراف بالمستعمرات الأوروبية القائمة آنذاك في نصف الكرة الغربي وعدم المساس بها؛ وثالثها رفض أي محاولة مستقبلية للقوى الأوروبية لاستعمار أراضٍ جديدة في هذا النصف من العالم؛ أما المبدأ الرابع، والأكثر دلالة، فكان اعتبار أي تدخل أوروبي في شؤون دول نصف الكرة الغربي عملًا عدائيًا موجّهًا ضد الولايات المتحدة نفسها.
ولم يقف مونرو عند حدود المبادئ السياسية، بل أضفى عليها بعدًا حضاريًا حين ميّز بين «العالم القديم» و«العالم الجديد»، معتبرًا أن لكلٍ منهما نظامه الخاص، وأن بقاءهما منفصلين هو شرط للاستقرار الدولي. وبهذا التقسيم، لم يكن الرئيس الأمريكي يصف واقعًا جغرافيًا بقدر ما كان يرسم خارطة نفوذ؛ إذ جرى تقديم نصف الكرة الغربي، أو «العالم الجديد»، بوصفه مجالًا حيويًا مشروعًا للولايات المتحدة، في مقابل ترك «العالم القديم»—الذي يضم أوروبا وأفريقيا وآسيا—ساحة مفتوحة للتنافس الأوروبي، وإن بصيغ غير مباشرة.
وتزداد دلالة هذا الطرح حين نضعه في سياقه التاريخي. ففي مطلع القرن التاسع عشر، لم تكن أمريكا اللاتينية خريطة دول مستقلة، بل خريطة نيابات إمبراطورية. فقد بسطت إسبانيا نفوذها عبر أربع نيابات كبرى: نائبية إسبانيا الجديدة التي خرجت من رحمها المكسيك ودول أمريكا الوسطى؛ ونائبية بيرو التي شكّلت الأساس التاريخي لكل من بيرو وبوليفيا وأجزاء واسعة من تشيلي؛ ونائبية غرناطة الجديدة التي تحوّلت لاحقًا إلى كولومبيا وفنزويلا والإكوادور وبنما؛ ونائبية ريو دي لا بلاتا التي انبثقت عنها الأرجنتين وأوروغواي وباراغواي. وإلى الشرق، كانت البرازيل تمثّل المستعمرة البرتغالية الكبرى، بينما احتفظت بريطانيا بنفوذ استراتيجي في غيانا البريطانية وعدد من جزر الكاريبي، وواصلت فرنسا حضورها في الفضاء الكاريبي، ولا سيما في هايتي سابقًا ثم في المارتينيك وغوادلوب، إلى جانب نفوذ هولندي محدود في سورينام. لم تكن هذه الكيانات سوى امتدادات إدارية للتاج الأوروبي، تُدار بمنطق الجباية والاستخراج لا بمنطق الدولة، وهو ما جعل مرحلة الاستقلال انتقالًا من خريطة إمبراطورية إلى فراغ سيادي مفتوح على أطماع جديدة.
وإلى جانب الهواجس الأوروبية، كانت الولايات المتحدة تنظر بقلق متزايد إلى التمدد الروسي في الساحل الشمالي الغربي لأمريكا الشمالية، ولا سيما بعد أن بسط القيصر ألكسندر الأول نفوذه على مناطق واسعة من ألاسكا، وأصدر عام 1821 قرارًا يمنع السفن الأجنبية من الاقتراب من تلك السواحل. وهو ما عزّز القناعة الأمريكية بأن الفراغات الجيوسياسية في نصف الكرة الغربي، إن تُركت دون وصاية، قد تتحول إلى موطئ قدم لقوى منافسة، الأمر الذي منح عقيدة مونرو بعدها الوقائي المعلن، والهيمني الكامن.
وتشير كتابات عدد من مؤرخي السياسة الأطلسية، وفي مقدمتهم إرنست ماي في دراسته الكلاسيكية عن تشكّل عقيدة مونرو، إلى أن بريطانيا كانت شريكًا فعليًا للولايات المتحدة في القلق من احتمال عودة القوى الأوروبية إلى استعمار أمريكا اللاتينية. فقد كان جورج كانينغ، وزير الخارجية البريطاني آنذاك، أكثر إدراكًا لتحوّل موازين القوة، وهو ما دفعه—بحسب مراسلاته الدبلوماسية—إلى اقتراح إعلان أمريكي–بريطاني مشترك يمنع أي استعمار أوروبي جديد للقارة. غير أن هذا التوجّه قوبل بتحفّظ عميق من جون كوينسي آدامز، الذي تنقل مذكّراته، كما يبيّن صموئيل فلاق بيميس في تحليله لأسس السياسة الخارجية الأمريكية، أنه حذّر من أن الشراكة مع بريطانيا قد تُقيّد الطموح الأمريكي الناشئ، وأن لندن، مهما رفعت شعار حماية الاستقلال الجديد، لم تكن بمنأى عن نزعات إمبريالية خاصة بها. ويذهب مؤرخون لاحقون، مثل والتر لافبر، إلى أن هذا القرار لم يكن مجرّد خلاف دبلوماسي عابر، بل تعبير مبكر عن رغبة الولايات المتحدة في احتكار تعريف «الحماية» داخل نصف الكرة الغربي، تمهيدًا لتحويلها لاحقًا إلى أداة نفوذ وتدخّل.
في لحظة إعلانها، لم تكن الولايات المتحدة قوةً عظمى قادرة على إنفاذ المبادئ التي وردت في خطاب مونرو، كما أن القوى الأوروبية الاستعمارية لم تكن قد أبدت نوايا جادّة للعودة إلى أمريكا اللاتينية. ولهذا، بقي الإعلان في حدّه الأوّل بيان موقف أكثر منه سياسة قابلة للتنفيذ، ولم يحظَ—كما يشير عدد من المؤرخين—بصدى يُذكر خارج الدوائر السياسية الأمريكية. بل إن مصطلح «عقيدة مونرو» نفسه لم يترسّخ في الأدبيات السياسية إلا بعد ما يقارب ثلاثة عقود على صدور الخطاب، حين أُعيدت قراءته في ضوء تحوّلات لاحقة.
ومع ذلك، لم يبقِ الرؤساء الأمريكيون اللاحقون مضمون الإعلان في إطاره الأصلي. ففي عهد الرئيس جيمس ك. بولك (1845–1849)، أُضيف بُعد جديد إلى الفكرة، حين جرى التأكيد على أن منع التدخل الأوروبي لا يقتصر على شؤون دول نصف الكرة الغربي فحسب، بل يشمل أيضًا عدم جواز اعتراض الدول الأوروبية على أي توسّعات محتملة للولايات المتحدة نفسها، وهو ما فتح الباب أمام قراءة توسّعية للعقيدة، تجاوزت منطق «التحصين الدفاعي» إلى منطق الحق الحصري في التمدّد.
ومع اقتراب القرن التاسع عشر من نهايته، بدأت الولايات المتحدة تبرز تدريجيًا كقوة دولية صاعدة، وهو ما ترافق مع تراجع ملموس عن سياسة «الانعزالية» التي طبعت توجهاتها منذ تأسيسها. ويستدعي هذا التحوّل التذكير بخطاب الوداع للرئيس الأمريكي الأول جورج واشنطن، الذي شدّد فيه على أن «السياسة الحقيقية للولايات المتحدة هي الابتعاد عن أي تحالف دائم مع أي كيان من العالم الخارجي»، في تعبير عن خشية عميقة من الانجرار إلى صراعات القوة بين الدول الأوروبية الكبرى. غير أن صعود القدرات الاقتصادية والعسكرية الأمريكية جعل هذه الرؤية أقل قابلية للاستمرار.
وفي هذا السياق، رافق التحوّل في موازين القوة سلسلة من التفسيرات الرئاسية المتباينة—وأحيانًا الموسّعة—لعقيدة مونرو، حيث جرى تحميلها معاني جديدة تتجاوز نصّها الأصلي، تمهيدًا لتحويلها من إعلان سياسي محدود الأثر إلى إطار مرجعي دائم للسياسة الخارجية الأمريكية في نصف الكرة الغربي.
شكل مطلع القرن العشرين لحظة التحوّل الحاسمة في تاريخ عقيدة مونرو، حين خرجت من إطارها الخطابي إلى حيّز التطبيق القسري. ففي عام 1904، أعلن الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت صراحةً حق الولايات المتحدة في التدخل لمواجهة الدول الأوروبية الدائنة التي هدّدت باستخدام القوة العسكرية لتحصيل ديونها من بلدان في أمريكا اللاتينية. غير أن روزفلت لم يكتفِ بهذا التبرير المالي–السيادي، بل ذهب أبعد من ذلك حين قال في رسالته إلى الكونغرس في العام نفسه إن «الممارسات الخاطئة المتكررة… قد تستوجب في نهاية المطاف تدخل دولة متحضّرة في نصف الكرة الغربي»، مضيفًا أن التزام الولايات المتحدة بعقيدة مونرو قد يفرض عليها—«على مضض»—القيام بدور الشرطة الدولية في الحالات السافرة.
عُرفت هذه القراءة الموسّعة بـ لازمة روزفلت (Roosevelt Corollary) ، وارتبطت عمليًا بسياسة «العصا الغليظة» التي لخصها روزفلت بشعاره الشهير: «تحدّث بلطف، واحمل عصًا غليظة». وهي سياسة لم تعد ترى في القوة العسكرية خيارًا أخيرًا، بل أداة مشروعة ودائمة لفرض الهيمنة الأمريكية. ويرى عدد كبير من المؤرخين أن هذه اللازمة لم تكن خروجًا على عقيدة مونرو، بل تطورها الطبيعي في ظل صعود الولايات المتحدة قوةً عالمية.
ويكتسب هذا التحوّل دلالته الكاملة إذا ما استُحضر السياق السابق له، ولا سيما الحرب الأمريكية–الإسبانية عام 1898، التي مثّلت نقطة انعطاف كبرى في التاريخ الأمريكي. فبهزيمة إسبانيا، آخر القوى الاستعمارية الأوروبية الكبرى في القارة، انتقلت الولايات المتحدة من موقع القوة الإقليمية الصاعدة إلى موقع القوة الإمبراطورية الفعلية، واضعة يدها على كوبا (فعليًا)، وبورتوريكو، والفلبين، ومعلنة دخولها عصر النفوذ الخارجي المباشر.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد عقيدة مونرو أداة لمنع التدخل الأوروبي فحسب، بل غطاءً أيديولوجيًا لتكريس الهيمنة الأمريكية في أمريكا الوسطى والكاريبي. وبالفعل، سرعان ما استُخدمت «لازمة روزفلت» لتبرير سلسلة من التدخلات العسكرية الأمريكية في بلدان مثل نيكاراغوا، وجمهورية الدومينيكان، وهايتي، وكوبا، حيث جرى تقديم هذه التدخلات بوصفها إجراءات إصلاحية تهدف إلى «إعادة الاستقرار»، فيما كانت، في جوهرها، آليات ضبط سياسي واقتصادي.
ووفقًا لما تذكره دائرة المعارف البريطانية، حاولت الولايات المتحدة منذ ثلاثينيات القرن العشرين إعادة صياغة مقاربتها تجاه أمريكا اللاتينية بأسلوب أقل صدامية، من خلال التشاور مع دول المنطقة ومع منظمة الدول الأمريكية. وقد سعى عدد من الرؤساء الذين خلفوا ثيودور روزفلت إلى تقديم تفسيرات أكثر ليونة لعقيدة مونرو، وفي مقدمتهم الرئيس فرانكلين روزفلت (1933–1945)، الذي استبدل «دبلوماسية العصا الغليظة» بسياسة «حسن الجوار». ومع ذلك، يرى كثير من المختصين بالشأن الأمريكي أن جوهر العقيدة لم يُهجر، بل أُعيد تغليفه بلغة أكثر دبلوماسية.
عاد هذا الجوهر إلى الظهور بوضوح خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، حين استحضر الرئيس جون إف. كينيدي عقيدة مونرو لتبرير فرض حصار بحري وجوي على كوبا بعد شروع الاتحاد السوفيتي في نشر منصات صواريخ على بعد نحو تسعين ميلًا من السواحل الأمريكية. وعلى مدى ثلاثة عشر يومًا، عاش العالم على حافة مواجهة نووية بين القوتين العظميين، قبل أن تُجنّب الكارثة إثر اتفاق قضى بإزالة الصواريخ السوفيتية مقابل تعهّد واشنطن بعدم غزو كوبا، وتفكيك قواعد صاروخية أمريكية في تركيا.
وقد عادت المقارنة بين تلك الأزمة والتوترات الدولية إلى الواجهة مع تفاقم الصراع بين روسيا وأوكرانيا، حيث رأى مراقبون أن جوهر الأزمتين واحد: خشية قوة كبرى من اقتراب خصمها من مجال نفوذها الحيوي، وهو ما أعاد إلى الأذهان اعتراض روسيا على توسّع حلف الناتو شرقًا، والمنطق الذي استندت إليه الولايات المتحدة تاريخيًا في تفعيل عقيدة مونرو.
وفي ثمانينيات القرن العشرين، منح الرئيس رونالد ريغان العقيدة تفسيرًا جديدًا في إطار الحرب الباردة، فيما عُرف بـ «عقيدة ريغان»، حين أعلن في خطاب حالة الاتحاد عام 1985 التزام بلاده بدعم الحلفاء «الديمقراطيين» في مواجهة النفوذ السوفيتي، من أفغانستان إلى نيكاراغوا. وباسم هذا التفسير، دعمت واشنطن حركة «الكونترا» ضد حكومة الساندينيستا، وقدّمت دعمًا واسعًا للمجاهدين الأفغان.
وبعد انتهاء الحرب الباردة، ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، خفّضت الولايات المتحدة من تدخلاتها العسكرية المباشرة في أمريكا اللاتينية، لكنها حافظت على نفوذ سياسي واقتصادي واسع في نصف الكرة الغربي. وفي عام 2013، أعلن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، في خطاب أمام منظمة الدول الأمريكية، «انتهاء حقبة عقيدة مونرو»، غير أن هذا الإعلان قوبل بتشكّك واسع في أمريكا اللاتينية، حيث عُدّ مجرد تصريح رمزي.
وسرعان ما عادت العقيدة إلى الواجهة مع تغيّر الإدارات، إذ وصفها ريكس تيلرسون عام 2018 بأنها «لا تزال ملائمة تمامًا»، فيما أعلن جون بولتون أنها «على قيد الحياة وبخير»، قبل أن يؤكد الرئيس دونالد ترامب في الأمم المتحدة أن سياسة بلاده منذ مونرو تقوم على رفض أي تدخل أجنبي في هذا النصف من الكرة الأرضية، في رسالة تحذير واضحة لروسيا والصين من الاقتراب مما تعتبره واشنطن مجالها الحيوي.
وحتى في السنوات الأخيرة، لا تزال عقيدة مونرو تُمثل مرجعًا في عقلية السياسة الأمريكية تجاه أمريكا اللاتينية. فقد أشار بعض المسؤولين في إدارة الرئيس ترامب مطلع عام 2026 إلى العقيدة صراحةً عند مناقشة الوضع في فنزويلا، معتبرين أن الولايات المتحدة تحتفظ بحق التدخل لحماية ما اعتبروه مصالحها الحيوية في نصف الكرة الغربي، بما يعكس استمرار التفسيرات التوسعية للعقيدة التي بدأت مع روزفلت، واستُخدمت لاحقًا خلال القرن العشرين، سواء في سياسات «العصا الغليظة» أو في دعم حركات معارضة للحكومات الاشتراكية في المنطقة. وقد ربط مراقبون تلك التصريحات بسياق طويل من استخدام العقيدة كغطاء لتبرير التدخل المباشر أو الضغط السياسي على دول المنطقة.
وكان هذا التاريخ الطويل من الاستناد إلى عقيدة مونرو في السياسة الأمريكية هو ما دفع السيناتور بيرني ساندرز إلى طرح سؤال استنكاري خلال نقاش في الكونغرس حول الأزمة الأوكرانية، مطالبًا بتفادي "حرب تحمل في طياتها دمارًا موسعًا" بكل الوسائل الممكنة.
ورغم تأكيده على أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو المسؤول الرئيسي عن الأزمة، تساءل ساندرز: «هل يظن أحد أن الولايات المتحدة كانت لتلتزم الصمت لو قامت دولة مثل المكسيك أو كوبا أو غيرها من دول أمريكا الوسطى أو أمريكا اللاتينية بالدخول في تحالف عسكري مع خصم للولايات المتحدة؟ هل كان أعضاء الكونغرس سيقرّون بأن هذه الدول مستقلة ولها الحق في التصرف كما تشاء؟ أشك كثيرًا في ذلك».
وجاء تحذير ساندرز متسقًا مع موقفه السياسي المعروف منذ صعود نجمه في ثمانينيات القرن الماضي، حيث عمل كناشط سياسي بأفكار اشتراكية وانخرط في المؤسسة السياسية الأمريكية بوصفه عضوًا في الكونغرس، معارضًا العديد من سياسات واشنطن، مثل الحرب على العراق وحرب التحالف في اليمن، فضلًا عن انتقاده لاعتماد عقيدة مونرو كمرجعية دائمة للسياسة الأمريكية.
وقد قوبل موقفه بالرفض من قبل السيناتور الديمقراطي ديك ديربين، الذي رأى أن تصرفات أمريكا في الماضي لا تعطي مبررًا لتجاوز المسؤولية الروسية، مضيفًا: «لا أتفهم هذه النظرية التي تقول إن من حق بوتين أن يفرض نفوذه أو هيمنته. بالنسبة لي، هذا غير مقبول ولا يتوافق مع سيادة أوكرانيا على أراضيها».
ومع بدء الغزو الروسي، دعا ساندرز العالم إلى الدفاع عن الديمقراطية، واعتبر العدوان الروسي غير مقبول، مؤكدًا وجوب الرد الدولي. ومع ذلك، أثار حديثه عن عقيدة مونرو موجة من المقارنات بين السياسة الأمريكية التاريخية تجاه نصف الكرة الغربي، والسياسة الروسية تجاه محيطها الإقليمي، بما يوضح أن مفهوم النفوذ الإقليمي والدفاع عن مصالح الأمن القومي يظل محورًا دائمًا في الاستراتيجية العالمية، سواء من جانب الولايات المتحدة أو روسيا.
واليوم، بينما يقف العالم على مشارف العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تظل عقيدة مونرو حية في ذهن صانعي القرار الأمريكيين، يظهر ذلك جليًا في تصرفات الرئيس الحالي دونالد ترامب، الذي لم يتردد في تهديد دول العالم وتجاوز القيادة الفنزويلية، بما في ذلك التلويح بعمليات تدخل مباشر، كما حصل في فنزويلا مطلع العام الحالي، وربط هذه التحركات رسميًا بعقيدة مونرو تحت ذريعة مكافحة المخدرات. هذه التحركات أعادت إلى الأذهان مشاهد ما قبل الحرب العالمية الثانية، وسلوكيات وتصريحات الديكتاتوريين الذين سعوا لتوسيع نفوذهم بالتهديد العسكري والضغط السياسي، على غرار هتلر، حيث كان استخدام القوة والتلويح بها وسيلة لإعادة رسم الخرائط السياسية وفرض الهيمنة على جيرانهم.
إن قراءة هذا التاريخ الطويل والمعقد للعقيدة تُظهر كيف يمكن للمبادئ التي وُضعت في بدايات القرن التاسع عشر كأدوات دفاعية أن تتحوّل إلى إطار دائم للتوسع والنفوذ، وأن تُستخدم كغطاء لتبرير التدخل المباشر أو الضغط على الدول الأصغر، سواء في أمريكا اللاتينية أو في أي منطقة تُعدّها الولايات المتحدة مجالًا حيويًا لمصالحها.
وهنا تكمن الدروس العميقة: فالتاريخ لا يُكرر نفسه حرفيًا، لكنه يقدم إشارات واضحة عن كيفية تصرّف القوى العظمى حين تشعر بتهديد مصالحها أو بمجال نفوذها. والسياسات الأمريكية، من مونرو إلى روزفلت، وصولًا إلى ترامب، توضح أن العقلية الاستراتيجية الأمريكية تجاه نصف الكرة الغربي تعتمد دائمًا على مزيج من القوة العسكرية، النفوذ السياسي، والمبررات الأخلاقية أو الحضارية، مع ميل مستمر لإعادة تفسير المبادئ التاريخية بما يخدم مصالح الدولة العظمى في أي زمن.
وبهذا، نجد أن عقيدة مونرو ليست مجرد جزء من تاريخ السياسة الأمريكية، بل هي مرآة لرؤية الدولة الأمريكية لنفسها، وللعالم، وللنظام الدولي: قوة عظمى ترى في نصف الكرة الغربي امتدادًا طبيعيًا لمصالحها، ومستعدة—في أوقات السلم والحرب—لاستخدام كل الوسائل لإدارة هذه المنطقة وفقًا لمصالحها الاستراتيجية.
إن متابعة ما يحدث اليوم من تجاوزات وتهديدات، سواء في فنزويلا أو في المكسيك أو نيكاراغوا، تؤكد أن إرث العقيدة مستمر، وأن التاريخ السياسي نصف الكرة الغربي لا يزال متأثرًا بمبادئ بدأت قبل أكثر من مئتي عام، لكنها، للأسف، لم تفقد فعاليتها في صناعة النفوذ، وصوغ السياسة، وحتى في إشعال التوترات الدولية، مما يجعل العالم أمام تحدٍ دائم للتوازن بين القوة، القانون الدولي، وحق السيادة الوطنية.
الظواهر الاجتماعية السلبية: التسول (ح 1)
بقلم الكاتب : د.فاضل حسن شريف
جاء في موقع كل العرب عن الظواهر الاجتماعية المقلقة في السنوات العشر الأخيرة للكاتب مرعي حيادري: في السنوات العشر الأخيرة وربما أكثر طرأ في مجتمعنا العربي عامة وبكل أماكن تواجده مظاهر مقلقة تحمل في طياتها الكثير من السلبيات، وانعكاسا على مجتمعنا وعزائمنا نتيجة التربية البيتية ومن خلال المدارس... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

جاء في منتدى انما المؤمنون أخوة عن ظاهرة التكرار في القرآن الكريم للكاتب أحمد... المزيد
نداء الفرج في مرافئ الرحيل م. طارق صاحب الغانمي يا سيدة الرزايا ومجمع الشجون.. إن... المزيد
يا أميرا أنت أمين * رب الأرض والسماء يا أميرا نفسك نفس * ابن عمك أبو الزهراء يا... المزيد
كان هناك رجل يُدعى سامر، يعمل موظفًا في دائرة الأراضي. كان سامر معروفًا بنزاهته... المزيد
لغة العرب لسان * أبنائك تميز بالضاد لغة العرب نشيدك غنى * حتى البلبل الغراد لغة... المزيد
في زاوية خافتة من بيت بسيط، جلس يوسف يحدق في شجرة الليمون التي غرستها يداه قبل... المزيد
يا هادي الخير لقبت أنت * وأبنك بالعسكرين النجباء يا هادي الخير نشأت على * مائدة قرآن رب...
الْتَّضَارِيْسُ إِنَّ الْـعُـيُوْنَ الَّـتِـيْ سَـالَـتْ تُـوَدِّعُـكُمْ جُـزْءٌ مِ...
كان اسمها (زينب)  ويقال إن للإنسان نصيبا من اسمه،وهي كذلك،ترتدي الخُلق وتنطق الهيبة،وتشكو...
ونحنُ في المشتاةِ ندعو الجَفَلَىٰ لا تُرى الآدِبَ فينا يُنتَقَرُ طرفة بن العبد يصف قومه...


منذ 1 اسبوع
2026/01/02
بين ضجيج التوقعات القاتمة وسقف المخاطر المرتفع، دخل الاقتصاد العالمي العام 2025...
منذ 1 اسبوع
2026/01/02
هي ظاهرة جغرافية وهيدرولوجية تحدث عندما تقوم المياه الجارية، سواء كانت أنهارًا...
منذ 1 اسبوع
2026/01/01
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء الثامن والثمانون: الفاصل الزمني في النسبية الخاصة:...
 شعار المرجع الالكتروني للمعلوماتية




البريد الألكتروني :
info@almerja.com
الدعم الفني :
9647733339172+