(لبيك)؛ هي عبارة يستخدمها العرب حينما ينادى على أحد فيجيبه بها، ومعناها -مجملاً- أنا مستجيب لطلبك ومطيع لأمرك وممتثل له (حسب ما أفادته معاجم اللّغة)، وقد تكون هذه العبارة قد اندرست في الحياة اليومية (خاصة المدنية) اللّهم إلا في تلبية الحج فهي من الواجبات ولا يصح الحج والعمرة إلا بها!
ولكن أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) حافظوا على رونق هذه العبارة؛ بترديدهم بها بكل مناسبات أهل البيت (عليهم السلام)، ويتركّز ذكرها عند ذكر الإمام الحسين (عليه السلام) وما جرى عليه في تلك الواقعة المفجعة، فصارت شعاراً سرمدياً لأتباع ومحبي أهل البيت (عليهم السلام).
هذه العبارة على بساطتها في التركيب تحمل في طيّاتها المعاني الجليلة والعظيمة، وتختزل مسير المؤمن بقضايا أهل البيت (عليهم السلام) وخاصة قضية الإمام الحسين (عليه السلام)، والمتّبع لمنهجهم الشريف.
من المعروف أن هناك عاطفة جيّاشة تختلج في نفوس الموالين عندما يتذكّرون ما وقع على الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه (عليهم السلام)، وما استتبعه من أحداث شنيعة من قطع الرؤوس وسبي النساء والأطفال.. وهذه العاطفة تعتبر الرابط الرئيس الذي يجتذب المحب والموالي لقضية الإمام الحسين (عليه السلام)، فتبقى جذوتها متّقدة في القلب ومستمرة ما استمرت الحياة!
ومن آثار هذه العاطفة أنها تجعل المؤمن يستذكر تلك المواقف وما جرى في ذلك اليوم المشؤوم، ومنها خطب الإمام الحسين (عليه السلام) أمام جيش يزيد وشرذمته، وتوصياته (عليه السلام) ومحاوراته مع أهل بيته وأصحابه، وهذه وإن كانت في ذلك المكان والزمان من تلك الواقعة الفضيعة، لكنها كانت عبارة عن رسائل يبعث بها سيد الشهداء (عليه السلام) إلى كل من يصله صوته، متجاوزة الزمكان، فحقيق على مَن يسمعها ويستذكرها أن يصرخ بأعلى صوته (لبيك يا حسين)؛ أي إنا ممّن يلبي نداءك يا حسين، وممّن يسير على نهجك ويسير على الطريق الذي مهّدته بتضحياتك، وبذلت فيه مهجتك الشريفة، فنكون بحق ممّن أطاع الله تعالى ورسوله وأهل بيته (عليهم السلام) كما أمرنا الله تعالى بقوله: {أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم} (النساء:59).
ولعلّ من أبرز نداءاته (عليه السلام) هو طلب النصرة والذب عن حرم الله بقوله (عليه السلام): «أما من مغيث يغيثنا لوجه الله، أما من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله»، هذه الصرخة المدوّية عابرة الأزمان لهي حجة على كل من يسمعها في أي وقت ما دامت الحياة؛ لأن الكتب التاريخية تذكر لنا أن الإمام (عليه السلام) نادى بهذا النداء ولم يتبق أحد من أصحابه، وهو لا يرتجي من أعدائه الإجابة بعد كل ما حدث، إذن فهي رسالة لكل من يسمعها في أي زمان!
فحري بنا ونحن ندّعي الاتّباع والموالاة أن نجيب تلك الدعوة بـ(لبيك يا حسين) قولاً وفعلاً، فلا نفع من هذه الكلمة إذا بقيت تتردّد على الشفاه فقط، بل لا بد من أن تأخذ طريقها إلى القلب والوجدان فتُترجم إلى أفعال وسلوكيات موافقة لما ضحّى من أجله أبو عبد الله (عليه السلام)، فتكون مبادئنا وقيمنا وأخلاقنا حسينية، وفي كل مناحي الحياة، وعلى طول مسيرنا، لا أن يقتصر في وقت دون آخر، وفي موقف دون آخر، بل لا بد من أن تكون أقدامنا راسخة على المبادئ الحقة حتى نترجم بحق ما نردّده في زيارة عاشوراء: «وثبت لي قدم صدق عندك مع الحسين وأصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين عليه السلام».
فيا أيها الموالي والمحب للإمام الحسين (عليه السلام) والمؤمن بقضيته تعال لنجسّد هذا الشعار (لبيك يا حسين) تلبية حقيقية على أرض الواقع فتختلط هذه العبارة بأرواحنا ونفوسنا فتكشف كوامن العلاقة الحقيقية والارتباط القوي بالإمام الحسين (عليه السلام)، فهذه العبارة العظيمة لا يمكن الوصول إليها حقيقة إلا من خلال وعينا وإيماننا والسعي الحثيث في نشر الخير والصلاح، وتطبيق ما يريده الإمام حقاً من إصلاح وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر حتى تعتلي راية الحق (راية الإمام الحسين (عليه السلام)) ضد الباطل، فبعزمنا وتصميمنا نستطيع أن نهزم تلك الشرور والتيارات التي تريد أن تُمحي تلك المبادئ والقيم الإسلامية -التي ناضل الأولياء الصالحون في سبيل تشييدها وإرساء قواعدها- بشتى السبل والطرق من مغريات وملهيات وبمختلف المسمّيات، والحليم تكفيه الإشارة!
هكذا يكون الموالي حسينياً حقيقياً وملبياً بصدق تلك العبارة السرمدية، فتصك أسماع أعداء الدين والمذهب على مدى الأعوام والدهور.







د.فاضل حسن شريف
منذ 1 يوم
في فقه الاستماع
إرهاب الميديا
واقعة الغدير.. دلالات وتأملات (1)
EN