كانَ زيدٌ رجلاً بسيطاً، يعيشُ في قريةٍ صغيرةٍ بينَ الحقولِ والجبالِ، اشتهرَ بينَ الناسِ بحكمتهِ وهدوئهِ، وكانَ يردِّدُ دائماً: الصبُر زينةُ المؤمنِ، والسَّترُ تاجُ الكرامةِ. لم يكنْ زيدٌ يشتكي منْ همٍّ ولا يشكو ضعفَهُ لأحدٍ، حتّى عندما كانتِ الرياحُ العاتيةُ تَهُبُّ على بيتهِ المتواضعِ وتكادُ تقتلعُ سقفَهُ.
ذاتَ ليلةٍ، ضربتِ القريةَ عاصفةٌ عاتيةٌ، واقتلعتِ الزروعَ وهدّمتِ المنازلَ. عادَ أهلُ القريةِ يهرعونَ إلى زيدٍ، الذي كانَ بيتُهُ قد تضرَّرَ مثلَ بيوتِهِم. سألوهُ:
"كيفَ حالُكَ يا زيدُ كيفَ أثّرتْ عليكَ العاصفةُ"
ابتَسَمَ زيدٌ وقالَ: "الحمدُ للهِ، الخيرُ في ما يختارُهُ اللهُ. سقفُ بيتي قد تَعِبَ قليلاً، لكنّهُ صامِدٌ."
إلا أنّهُ كان يعلمُ في داخلهِ أنَّ الأمرَ أشدُّ من ذلكَ. في تلكَ الليلةِ، وقفَ زيدٌ في بيتِهِ المتهالكِ، والمطرُ يتساقطُ عليهِ منَ الثقوبِ التي أحدثتْها العاصفةُ في السقفِ. تأمَّلَ السماءَ عبرَ تلكَ الفجواتِ، وقالَ في نفسهِ: "اللهُ هوَ السَّترُ، وما لي إلا صِبري."
لم يخبرْ أحداً بمحنتِهِ. جمعَ بقايا القشِّ والطينِ بيديهِ وأعادَ ترميمَ سقفِهِ، متحمّلاً بردَ الليلِ ومشقّةَ العملِ.
على الجانبِ الآخرِ منَ القريةِ، كانَ هناكَ رجلٌ يُدعى (نعيم). لم يكنْ يُطيقُ صبراً على شيءٍ، وكانَ يحبُّ الشكوى. عندَما أصابتِ العاصفةُ منزلَهُ، أسرعَ إلى ساحةِ القريةِ وصاحَ بأعلى صوتِهِ:
"يا قومِ، انظروا بَيتي قَد تهدَّمَ، وأنا لا أملِكُ شيئاً أنقذوني"
تجمَّعَ الناسُ حولَهُ، وأحضروا لهُ الأخشابَ والطينَ، وساعدوهُ في بناءِ سقفٍ جديدٍ. لكنَّ نظراتِهِم كانتْ تُخفي شيئاً منَ الشَّفقةِ، بلْ وربَّما شيئاً منَ الاستهانَةِ.
مرّتِ الأيامُ، وزارَ بعضُ أهلِ القريةِ زيداً في بيتِهِ. ذُهلُوا عندَما رأوا سقفَهُ مُصَلَّحاً بإتقانٍ رغمَ العاصفةِ. سألَهُ أحدُهُم:
"لماذا لم تُخبرْنا عنْ حالِكَ كُنّا سنُساعِدُكَ."
أجابَ زيدٌ بهدوءٍ:
"الشكوى تفضحُ القلبَ، وتُثقِلُ اليدَ التي تمتدُّ للعَونِ. فضّلتُ أنْ أحتَفِظَ بقُوَّتي لعَمَلي، وأتركَ أمري للهِ".
حينَها أدركَ أهلُ القريةِ الفَرقَ بينَ زيدٍ ونَعيمٍ. زيدٌ حافظَ على كرامتِهِ بالصَّبرِ والعَملِ، بينَما فقَدَ نعيمٌ احترامَهُم عندما بسطَ حاجَتَهُ أمامَ الجميعِ.
وهكذا، بَقِيَ زيدٌ رمزاً للكرامَةِ والصَّبرِ في قريتِهِ، يردِّدُ دوماً قولَ أميرِ المؤمنينَ عليٍّ (عليهِ السَّلامُ):
(وَرَضِيَ بِالذُّلِّ مَنْ كَشَفَ ضُرَّهُ).







وائل الوائلي
منذ 1 يوم
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN