بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة واتم التسليم على محمد وال محمد.
إن الله سبحانه وتعالى لا يفعل شيئًا عبثًا، وكل شيء في دينه قائم على الحكمة والغاية العميقة، ومن هنا نفهم أن تخصيص بعض الشهور بأسماء الأوصياء والأولياء، مثل شهر رجب الموصوف بشهر أمير المؤمنين عليه السلام، وشهر شعبان المرتبط برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشهر رمضان الذي هو ربيع القرآن، ليس أمرًا اعتباطيًا بل يحمل سرًا عظيمًا من أسرار التكوين والتربية الإلهية للإنسان.
كل عام يُمنح الإنسان فرصة لتجديد روحه وتصفية ذاته من أدران الذنوب التي تثقله عن الطيران في آفاق القرب من الله، هذه الفترة المباركة تُجسد ثلاث مراحل متتابعة، تبدأ بشهر رجب، ثم شعبان، ثم رمضان، وكل منها يشكل محطة لتطهير النفس والاستعداد للفيض الإلهي.
شهر رجب، شهر أمير المؤمنين عليه السلام، هو شهر الرحمة الإلهية الواسعة، وفيه تُفتح أبواب التوبة على مصاريعها، وكأنما يقول الله لعباده: "هنا البداية، هنا الرحمة التي تُزيل ثقل الماضي وتعيد الإنسان إلى فطرته النقية".
شهر شعبان، شهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يمثل مرحلة التهيئة الروحية والاستعداد للدخول في أجواء القرب الإلهي، فهو شهر التجمل بالنور المحمدي، شهر الدعاء والصلاة على النبي وأهل بيته، حيث تصقل القلوب وتتجمل بالفضائل.
شهر رمضان، ربيع القرآن، هو شهر اللقاء والفيض الأعظم، فيه تنفتح أبواب السماء ويُتاح للإنسان أن يرتقي في مدارج الكمال الروحي من خلال الصيام وتلاوة القرآن وإحياء الليالي، إنه شهر الوصول إلى الله.
وهكذا، فإن هذه الشهور الثلاثة هي بمثابة "فلترة" سنوية تجعل الإنسان يعود صافيًا خاليًا من شوائب الذنوب، مهيئًا للرحمات والبركات الإلهية، لكن من أصر على البقاء في قوقعة ذنوبه ولم يغتنم الفرصة، فإنه قد يُحرم من فيض الميزانية الإلهية التي يوزعها الإمام المعصوم عليه السلام في كل عام على الخلق من رزق وحياة وصحة وسعادة.
فكما أن الدول تقر ميزانياتها السنوية لتيسير شؤونها، فإن هذه الأشهر الثلاثة تمثل ميزانية الروح، حيث توزع الأقدار على البشر وفق استعدادهم ونقائهم، ومن لم يغتنم فرصة شهر رجب للتوبة، فله شهر شعبان كفرصة أخرى، ومن قصر في شعبان، فله شهر رمضان كآخر محطة للتجديد.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من العاملين في هذه المواسم المباركة، ومن المستفيدين من هذه الفترة التجديدية، لنخرج من هذه الأشهر وقد تطهرنا من ذنوبنا، وأصبحنا أهلاً لاستقبال البركات والرحمات الإلهية.







اسعد الدلفي
منذ 21 ساعة
السجن والسجين والسجان
الريفُ العراقيّ .. إضطهادٌ مستمرّ
المفكرون المغاربة وفعل التثاقف.... رأي
EN