قال الله تعالى عن رتقا و فتقا "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ" ﴿الأنبياء 30﴾ رتقا اسم، فَفَتَقْنَاهُمَا: فَ حرف استئنافية، فَتَقْ فعل، نَا ضمير، هُمَا ضمير، رتقاً: ملتصقتين ملتئمتين بلا فاصل، أو منضَّمتَين لا فُرجةَ بينهما، رَتْقًا: ملتصقتين، كانتا رتقا: كانتا مُلتصِقتين بلا فصْـلٍ، أن السماوات والأرض كانتا رَتقاً: سدا بمعنى مسدودة، ففتقناهما: جعلنا السماء سبعاً والأرض من سبعاً، أو فتق السماء أن كانت لا تمطر فأمطرت، وفتق الأرض أن كانت لا تنبت فأنبتت، أولم يعلم هؤلاء الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين لا فاصل بينهما، فلا مطر من السماء ولا نبات من الأرض، ففصلناهما بقدرتنا، وأنزلنا المطر من السماء، وأخرجنا النبات من الأرض، وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمن هؤلاء الجاحدون فيصدقوا بما يشاهدونه، ويخصُّوا الله بالعبادة؟
جاء في معاني القرآن الكريم: رتق الرتق: الضمن والالتحام، خلقة كان أم صنعة، قال تعالى: "كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا" (الانبياء 30)، أي: منضمتين، والرتقاء: الجارية المنضمة الشفرين، وفلان راتق وفاتق في كذا، أي: هو عاقد وحال. فتق الفتق: الفصل بين المتصلين، وهو ضد الرتق، قال تعالى: "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا " (الانبياء 30)، والفتق والفتيق: الصبح، وأفتق القمر: صادف فتقا فطلع منه، ونصل فتيق الشفرتين: إذا كان له شعبتان كأن إحداهما فتقت من الأخرى، وجمل فتيق: تفتق سمنا، وقد فتق فتقا (قال أبو عثمان السرقسطي: فتقت الشيء فتقا: خرقته. انظر: الأفعال 4/14).
وعن تفسير غريب القرآن لفخر الدين الطريحي النجفي: (رتق) "كانتا رتقا ففتقناهما" (الانبياء 30) قيل: كانت السماوات سماء واحدة والأرضون أرضا واحدة ففتقهما الله عز وجل وجعلهما سبع سماوات، وسبع أرضين، وقيل: كانت السماء مع الأرض جميعا ففتقهما الله تعالى بالهواء الذي جعل بينهما ويقال: فتقت السماء بالمطر، والأرض بالنبات. ومن الفتق "فروج" (ق 6) فتوق وشقوق، ومنه قوله تعالى: "وإذا السماء فرجت" (المرسلات 9) أي انشقت. و "النخل ذات الأكمام" (الرحمن 11) أي ذات الكم قبل ان يفتق.
جاء في الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: قوله تعالى "أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ" (الانبياء 30) قد ذكر المفسّرون أقوالا كثيرة فيما هو المراد من (الرتق) و (الفتق) المذكورين هنا في شأن السماوات و الأرض؟ و يبدو أنّ الأقرب من بينها ثلاثة تفاسير، و يحتمل أن تكون جميعا داخلة في مفهوم الآية. 1- إنّ رتق السّماء و الأرض إشارة إلى بداية الخلقة، حيث يرى العلماء أنّ كلّ هذا العالم كان كتلة واحدة عظيمة من البخار المحترق، و تجزّأ تدريجيّا نتيجة الإنفجارات الداخلية و الحركة، فتولّدت الكواكب و النجوم، و من جملتها المنظومة الشمسية و الكرة الأرضية، و لا يزال العالم في توسّع دائب. 2- المراد من الرتق هو كون مواد العالم متّحدة، بحيث تداخلت فيما بينها و كانت تبدو و كأنّها مادّة واحدة، إلّا أنّها انفصلت عن بعضها بمرور الزمان، فأوجدت تركيبات جديدة، و ظهرت أنواع مختلفة من النباتات و الحيوانات و الموجودات الأخرى في السّماء و الأرض، موجودات كلّ منها نظام خاص و آثار و خواص تختص بها، و كلّ منها آية على عظمة اللّه و علمه و قدرته غير المتناهية. 3- إنّ المراد من رتق السّماء هو أنّها لم تكن تمطر في البداية، و المراد من رتق الأرض أنّها لم تكن تنبت النبات في ذلك الزمان، إلّا أنّ اللّه سبحانه فتق الإثنين، فأنزل من السّماء المطر، و أخرج من الأرض أنواع النباتات. و الرّوايات المتعدّدة الواردة عن طرق أهل البيت عليهم السّلام تشير إلى المعنى الأخير، و بعضها يشير إلى التّفسير الأوّل. لا شكّ أنّ التّفسير الأخير شيء يمكن رؤيته بالعين، و كيف أنّ المطر ينزل من السّماء، و كيف تنفتق الأرض و تنمو النباتات، و هو يناسب تماما قوله تعالى: "أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا" (الانبياء 30) و كذلك ينسجم و قوله تعالى: "وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ" (الانبياء 30). إلّا أنّ التّفسيرين الأوّل و الثّاني أيضا لا يخالفان المعنى الواسع لهذه الآية، لأنّ الرؤية تأتي أحيانا بمعنى العلم. صحيح أنّ هذا العلم و الوعي ليس للجميع، بل إنّ العلماء وحدهم الذين يستطيعون أن يكتسبوا العلوم حول ماضي الأرض و السّماء، و اتّصالهما ثمّ انفصالهما، إلّا أنّنا نعلم أنّ القرآن ليس كتابا مختصا بعصر و زمان معيّن، بل هو مرشد و دليل للبشر في كلّ القرون و الأعصار. من هذا يظهر أنّ له محتوى عميقا يستفيد منه كلّ قوم و في كلّ زمان، و لهذا نعتقد أنّه لا مانع من أن تجتمع للآية التفاسير الثلاثة، فكلّ في محلّه كامل و صحيح و قد قلنا مرارا: إنّ استعمال لفظ واحد في أكثر من معنى ليس جائزا فحسب، بل قد يكون أحيانا دليلا على كمال الفصاحة، و إنّ ما نقرؤه في الرّوايات من أنّ للقرآن بطونا مختلفة يمكن أن يكون إشارة إلى هذا المعنى.
وعن کتاب التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده للسيد محمد تقي المدرسي: كان الله ولم يكن معه شيء، ثم قدر الأشياء بعلمه، ثم أفاض عليها بقدرته الواسعة نور الوجود فخلقها خلقاً بعد خلق، وتجلت ربوبيته في خلقها، إذ جعل خلقه لها في أيام. كما خلق الانسان من نطفة تمنى، ثم جعلها علقة فمضغة، ثم سواها رجلًا. كذلك خلق السماوات والأرض في ستة أيام، حيث كانتا رتقاً ففتقها "أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَ جَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَ فَلا يُؤْمِنُونَ" (الانبياء 30)، وقدّر فيها أقواتها في أربعة أيام، وجعل من الماء كل شيء حي. وهكذا تحقق نموها بفضله تعالى، وتجلّت هيمنته فيها، واستواءه سبحانه على عرش القدرة فيها. حاء في الفتق: العلم علمان، علم نافع (فيه مصلحة الناس من إيلافهم، ورتق ما فتق من علاقاتهم)، وعلم ضار (فيه التفريق بين الزوجين او ضرر البشر). وقد نهى القرآن من العلم الضار (كالسحر). وقال الامام أمير المؤمنين عليه السلام: (السيف فاتق، والدين راتق. فالدين يأمر بالمعروف، والسيف ينهى عن المنكر). وعن عمربن يزيد قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: (إذا أحسن المؤمن عمله، ضاعف الله عمله لكل حسنة سبعمائة، وذلك قول الله تبارك وتعالى "والله يضاعف لمن يشاء" (البقرة 261) فأحسنوا أعمالكم التي تعملونها لثواب الله فقلت له: وماالاحسان؟ قال فقال: إذا صليت فأحسن ركوعك وسجودك، وإذا صمت فتوق كل مافيه فساد صومك، وإذا حججت فتوق مايحرم عليك في حجك وعمرتك، قال: وكل عمل تعمله فليكن نقيا من الدنس).







اسعد الدلفي
منذ 1 يوم
مذكرات مواطن !!
صراع حضارات أم حوار حضارات ؟
قضيّةُ الامامِ الحُسَينِ ... رحلةُ البحثِ عنْ المعنى
EN