يعد التفسير بالاعتماد على الروايات الشريفة الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) والصحابة هو منهج من مناهج التفسير للقرآن الكريم، والذي يُعرف بـ(التفسير بالمأثور)، ويمكننا أنْ نتعرف على ذلك بإيجاز من خلال بيان معنى (التفسير، والأثر) كما ذكره العلماء في مؤلفاتهم، فالتفسير هو: ((كشفُ المرادِ عن اللفظِ المشكلِ)) ( )، أو هو: ((علمٌ يُعرفُ به فهمُ كتابِ اللهِ المنزلِ على نبيه محمد "صلى الله عليه [وآله] وسلم"، وبينُ معانيهِ، وٱستخراجُ أحكامهِ وحُكْمِهِ)) ( )، والأثر فهو: ((أعَمُّ من الخبرِ والحديثِ، وقيل: مساوٍ للخبرِ)) ( )، فيكون هذا التفسير ٱستناده إلى الروايات فقط، وهو تفسير مهم ويجب على المفسر للقرآن الكريم أنْ يكون على ٱطلاع واسع بالروايات التفسيرية للآيات الشريفة، قال السيد "الطباطبائي" في بيان ذلك: ((إنَّ واجبَ المفسِّرِ هو ملاحظةُ الأحاديثِ الواردةِ في التفسيرِ عن النبيِّ "صلى الله عليه وآله وسلم" وأئمة أهل البيت "عليهم السلام"، والغورُ فيها؛ ليعرفَ طريقَتَهم، ثم يفسِّرَ القرآنَ الكريمَ بالمنهجِ الذي يستفادُ من الكتابِ والسنةِ، ويأخذَ بالأحاديثِ التي توافقُ الكتابَ، ويطرحُ ما عداها)). ( )
بعد هذه النبذة الموجزة عن التفسير بالمأثور ( ) نبيِّن تلك الروايات الشريفة للإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) في تفسير بعض آيات القرآن الكريم، ٱعتمادًا على مصادر الحديث الشريف، والتفاسير بالمأثور، مع بيان مدلول تلك الروايات، وما ورد من أقوال المفسرين في تفسير الآية الشريفة.
- الآية الأولى/ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ ٱسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ﴾. ( )
* عن علي بن أسباط، عن موسى بن بكير، قال: سألت أبا الحسن [الكاظم] (عليه السلام) عن الكفرِ والشركِ، أيهما أقدم؟
قال: فقال (عليه السلام) لي: ما عهدي بك تخاصم الناس.
قلت: أمرني هشام بن سالم ( ) أنْ أسألك عن ذلك.
فقال لي: الكفر أقدم وهو الجحود، قال الله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الكَافِرِينَ﴾. ( )
إنَّ الرواية التفسيرية الشريفة تبحث عن موضوعين مهمين من الموضوعات التي تحدث عنها علماء الكلام في مؤلفاتهم بتفصيلٍ، فضلاً عن المفسرين، وهما: (الكفر، والشرك)، فـ(الكفر) يطلق على من ((يجحدُ بالوحدانيةِ، أو النبوةِ، أو الشريعةِ، أو ثلاثتها)) ( ) و(الشرك) يطلق على من ((أثبتَ شريكًا لله تعالى)).( )
وقد وردت رواية في الموضوع نفسه عن الإمام الباقر (عليه السلام) قوله: ((واللهِ إنَّ الكفرَ لأقدمُ من الشركِ، وأخبثُ، وأعظمُ)). ( )
وينقسم الكفر على أقسام خمسة كما ورد في الرواية الشريفة عن الإمام الصادق (عليه السلام):
1- كفر الجحود مطلقًا بالربوبية. وهو قول من يقول: لا رب ولا جنة ولا نار وهو قول صنفين من الزنادقة يقال لهم: الدهرية وهم الذين يقولون: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾. ( )
2- كفر الجحود مع المعرفة. وهو أنْ يجحد الجاحد وهو يعلم أنه حق، قد ٱستقر عنده، كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾. ( )
3- كفر النعم. كما قال تعالى يحكي قول سليمان (عليه السلام): ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾. ( )
4- كفر ترك ما أمر الله عز وجل به. وهو قول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ-إلى قوله- أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. ( )
5- كفر البراءة. كما قال تعالى يحكي قول إبراهيم (عليه السلام): ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾. ( ) يعني: تبرأنا منكم. ( )
من خلال هذه الأقسام الخمسة للكفر في القرآن الكريم يتبين أنَّ كفر "إبليس" كان من القسم الرابع في معصية الله عز وجل كما واضح من سيرته وٱعتراضه على السجود لما أمره الله تعالى لآدم (عليه السلام)، قال السيد "عبد الأعلى السبزواري" (ت1414ﻫ/1993م) تعقيبًا على رواية الإمام الكاظم (عليه السلام): ((والمراد من قوله: "وهو الجحود" لابد وأنْ يحمل على جحود الطاعة، لا جحود أصل الذات)).( )
وهناك روايات كثيرة قد أكدت على بيان الكفر وأقسامه، وما يتعلق به، نذكر منها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: ((إنَّ الله عز وجل فرض فرائض موجبات على العباد، فمن ترك فريضة من الموجبات فلم يعمل بها وجحدها كان كافرًا)). ( )
وأما الشرك فينقسم على قسمين كما ذكر العلماء، وهما: الشرك الجلي، والشرك الخفي، قال "الراغب الأصفهاني": ((وشرك الإنسان في الدين ضربان: أحدهما: الشرك العظيم، وهو إثبات شريك لله تعالى، يقال أشرك فلان بالله وذلك أعظم كفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ ٱفْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ ( )، والثاني: الشرك الصغير، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء والنفاق المشار إليه بقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾( ))).( )
ومما ورد من الروايات الشريفة في التحذير منه ... إلى آخره







زيد علي كريم الكفلي
منذ 3 ايام
قضيّةُ الامامِ الحُسَينِ ... رحلةُ البحثِ عنْ المعنى
أم البنين .. صانعة الوفاء وراعية الفضيلة
الإصلاح الثقافي .. من أين نبدأ ؟
EN