رغم ان الغربة لها وجهان ومعنيان ، الا ان المتعارف عليه انها السكن والمكوث في دار وبلد غير بلادك ، وان كان المفكرون والفلاسفة لهم كلام في غربة خاصة لاتتعلق بالوطن بل بالفكر والاعتقاد والرأي ، فمهما يكن الوطن عزيزاً وهو عزيز قطعاً وبلا ادنى شك ، فإن من ابسط متطلبات التصاق الفرد بوطنه وحبه له يتولد مما يمنحه الوطن لك من اجواء صحية ونفسية لممارسة حياتك بكل حرية وامان بل باعتزاز قد يصل للغرور ، فالوطن عز وجاه وكرامة لابأس عليك ان تفخر وتنفج جناح غرورك متعالياً متصابياً وليس لذلك علاقة بالغطرسة او التعجرف ، فالاوطان هي بلسم ومرهم وجدوى ومنبع ومآل ، الوطن هو عش الروح التي لاتحلق الا في فضاءاته ولاتمرح الا في مروجه ، ومن هنا لابد من اليقين ان الكثير من الاحرار والوطنيين يعيشون في اوطانهم اجساداً لاارواح ، وهذا الذي يقول ( وطني حيث اقرأ واتحدث وافكر بحرية ...)
ولعل السياب كان يدرك جيداً ذلك عندما يغترب في وطنه ( ياغربة الروح في دنيا من الحجر )
والامام علي له واقعية اكثر من غيره حيث يربط مفهوم المواطنة والغربة بالاقتصاد ، فالفقر بغيض ويحول الاوطان الى مجرد تجمعات سكانية لارابط بينها سوى القوة والتجاذب السلبي للتعايش ، يقول ( الفقر في الوطن غربة ، والمال في الغربة وطن ) ، في بلادنا حيث تتدهور الاوضاع وتنهار مفاهيم واسس ادارة الدولة ، تتحول المواطنة الى أرصدة (غبية )من مال وسلطة وانحدار عشائري وحميات ( مسخ ) تتداخل فيما بينها لتختصر الوطن بالجغرافية فقط ، وتتناسل منها مفاهيم وقيم تصنع في مخيال العشيرة ، والعصبية الجاهلة والتي وجدت الارض الخصبة لنموها في ظل تدهور الادارة وتراجع سلطة الدولة والقضاء .
في مفهوم الامام علي (ع ) فإن الاقتصاد لا ينحصر بالمال وانما يتعلق بمفاهيم وتولدات عميقة تغوص في ضمير الامة ، فالوطن ليس الرفاه والنعيم ولكنه التوزيع العادل للثروات والذي هو العتبة الاساسية والاولى لبناء المواطنة التي يحددها الامام ، وله موقف واضح من رجل وجده يستعطي الناس وسأل مرافقيه لماذا هذا فقير فقيل له انه يهودي ، فقال الامام عليه السلام ( ما انصفتموه ، إستعملتموه حتى إذا كبر وعجز تركتموه ، إجروا له من بيت المال راتباً ) ، نعم من هنا تبدأ اسس المواطنة في فكر وممارسة الامام للسلطة ، فالسلطة بيدها زمام الامور وتتحكم بمجريات الحياة وتفصيلاتها ، ولعل نظرته عليه السلام هنا سبقت نظرية ( من كل حسب قدرته الى كل حسب حاجته ) والذي اقيمت عليها امبراطورية ماركس وادخلت العالم في سبعين سنة من الصراع والاقتتال ...
والغربة النفسية مرض تعاني منه شعوب العالم الثالث والتي ترزح تحت حكم الادارات العشوائية والفاشلة ، فلا نندهش عندما نسمع عراقي يتغنى بحضارة واخلاق الغرب ، ليس ذلك انه معجب بتلك الحضارة بل لانه يعيش حالة غربة نفسية في وطنه ...
وقد انتشرت في الفضائيات افلام ومقاطع فيديو ومسلسلات تتحدث عن قيم الغرب وافكارهم وتنظيمهم لحياتهم ، وهذه الافلام تنتج ليس بدافع الترويج للحضارة الغربية او هي منتجات مدفوعة الثمن وانما تنتج لان لها سوق تصريف وهي منتجات تدر ارباحاً على المنتجين ، بمعنى ان المستهلك هو الذي يحدد قيمة البضاعة ..
ان اندفاع العراقيين والعرب وشعوب افريقيا الى حرق سفنهم والاتجاه الى شواطئ القارة العجوز سببه الاغتراب الذي يعانونه في بلدانهم وليس تدهور الاوضاع او البطالة ، فالغرب فيه بطالة واوضاع الكثيرين مزرية ومعظم الذين وصلوا الى اوروبا عانوا معاناة قاسية وعملوا اعمالاً ماكان يخطر ببالهم انهم سيعملونها يوماً ما ، ناهيك عن فشل الكثيرين وعودتهم الى اوطانهم التي هجروها ...
حياة الانسان في الدنيا قصيرة ، وبحسابات بيلوجية فإن الانسان ليس له من لذة وانتعاش وتحقيق الذات والحلم في حياته الا بنسبة النصف من عمره اذا مااستثنينا سنوات الطفولة والهرم والشيخوخة ، فلم يبق له الا شرخ الشباب وعنفوان اللذة والصحة والاندفاع والتي ان زادت او قصرت فلا تتعدى في افضل الاحوال عند البعض نصف عمرهم ، وعند منكودي الحظ بضع سنوات قليلة سريعاً مايدهمهم الهرم والمرض والشيخوخة ان لم يكن القدر قد رتَّبَ وضعاً ما لإنهاء كل شئ على حين غفلة ، من هنا فإنه من الغبن بمكان انك تضيع العمر والشباب في بلد يرزح تحت ادارة فاشلة تضيع المقدرات والامكانات بحروب وتطاحن وسوء ادارة ...
وبذلك يهرع الاحرار الى بلاد غير بلادهم تاركين خلفهم مشاكل لاحل لها ، وازمات لايلوح في الافق غياب لشمسها ، فالغربة كما ذكرنا غربتين ، والشباب قد يحسبونها افضل مما يفعله حكماء الازمات والمشاكل...







د.أمل الأسدي
منذ اسبوعين
الإصلاح الثقافي .. من أين نبدأ ؟
هويتنا الثقافية وحصان طروادة الجديد
صراع حضارات أم حوار حضارات ؟
EN