بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة على عباده الذين اصطفى محمد وآله طاهرين..
أما بعد..
تقديم:
من الأمور الملفتة للنظر في هذه الأيام أن بعض الناس لا يتدبرون في كتاب الله عز وجل، فإن البعض ومن خلال بعض الكتابات أو التعليقات التي تظهر وتبدي حبهم لأهل بيت النبوة صلوات الله عليهم أجمعين، إلا أن بعض الشبهات قد أثرت عليهم، وصاروا في أمرهم حيارى، فكيف يوفقون بين حبهم وموالتهم لأهل البيت «عليهم السلام» وبين تلك الشبهات التي تعرض عليهم؟! والتي تشوش على اعتقادهم ومحبتهم وموالتهم!!
فصار البعض يقول: «أن الوحي قد انقضى وانتهى بعد استشهاد النبي «صلى الله عليه وآله» وليس هناك أي اتصال فيما بين الأرض والسماء، وإنما علوم أئمة أهل البيت «عليهم السلام» هي منتهية إلى النبي «صلى الله عليه وآله» دون غيره، وإن دور الأئمة «عليهم السلام» هو نقل معارفهم عن جدهم فقط، وكيف لنا أن نعرف بأن الإمام متصل بوحي من السماء ورسوله الأكرم «صلى الله عليه وآله» قد ترك هذه الدنيا؟!»
ونقول:
لقد أجملت هذه الشبهات والتي تدور في أذهان البعض والتي أثرت عليهم سلباً، وللإجابة عليها في ما يلي، ولكي نضع النقاط على الحروف، ولا أدعي أنني أول من بحث في تلك الشبهات ولكن إن تكرار وتكرار هذه الشبهات في محاولة مغرضة من الحانقين على التشيع، وبهدف هز عقائد الموالين المرتبطين بمذهب أهل البيت «عليهم السلام» ويأملون من وراء ذلك التأثير على هذه الشريحة من الناس، ونحن بدورنا سنرد على تلك الشبهات مراراً وتكراراً دفعاً عن الحق وأهله، فإلى ما هو آتي نحيل القارئ الكريم:
الشبهة الأولى: هل انقطع الوحي بوفاة النبي «صلى الله عليه وآله»؟!:
ونجيب: الكل يعرف أن رسول الله «صلى الله عليه وآله» حاله كحال أنبياء الله ورسله أجمعين يرتبطون كلهم بخبر السماء من خلال الوحي، فإن أفعالهم وأقوالهم وتقريرهم ما هو إلا بتأييد وموافقة إلهية، والسبب في ذلك هو إرساء القيم الدينية، والأخلاقية، والاجتماعية، على ما يحبه الله للبشر أجمعين، فلا بد للقدوة وهو النبي أو الرسول أن يمثل كل تلك الأمور على أكمل وجه.. ومن أتم الأدلة على ذلك قوله تعالى: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى}(1).
ولا يمكن للنبي أو للرسول أن تصدر عنه أقوال مخالفة لما يريده الله سبحانه وتعالى منه، وذلك في قوله تعالى: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ}(2) .
إنطلاقاً من هنا فإن الأنبياء والرسل هم مسددين ومؤيدين بالوحي الإلهي وقد خاطب الله عز وجل أنبيائه ورسله بعدة طرق ووسائل، منها كما عبر عنه أمير المؤمنين «عليه السلام» عن قوله تعالى: «{وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ}(3)، كذلك قال الله تعالى قد كان الرسول يوحي إليه رسل من السماء(4)، فتبلغ رسل السماء إلى رسل الأرض. وقد كان الكلام بين رسل أهل الأرض وبينه من غير أن يُرْسَل بالكلام مع رسل أهل السماء(5). [إلى أن قال] فهذا وحي، وهو كلام الله عز وجل، وكلام الله ليس بنحو واحد، منه ما كلم الله به الرسل، ومنه ما قذفه في قلوبهم، ومنه رؤيا يريها الرسل، ومنه وحي وتنزيل يتلى ويقرأ، فهو كلام الله»(6).
ومن خلال شرح الإمام علي «عليه السلام» يتبين لنا أمران مهمان:
الأول: أن الله عز وجل إذا أراد مخاطبة البشر ومنهم: (الرسل والأنبياء) فذلك من خلال أوجه قد بينتها الآية الكريمة، وهي:
أ: من خلال الوحي، والذي له عدة أوجه منها: كالوحي بواسطة الرؤيا والإلهام، ويدخل في قوله تعالى: {إِلاَ وَحْياً}(7)، وهو إلقاءٌ للمعاني في قلب المخاطب، وهذه الأوجه سنقوم بتبيانها فيما بعد في هذا البحث.
ب: أو من وراء حجاب، ولهذه الطريقة أوجه أيضاً، ومنها على سبيل المثال لا حصر:
1 ـ حين خاطب الله عز وجل رسول الله «صلى الله عليه وآله»، عند وصوله إلى سدرة المنتهى. وهذا المكان الذي لم يستطع جبرائيل «عليه السلام» أن يتقدم إليه، وقال لرسول الله «صلى الله عليه وآله»: «لو تقدمت على هذا الموضع قيد أنملة لاحترقت»(8).
2 ـ وتكليم الله سبحانه لموسى «عليه السلام»، بواسطة الشجرة هو تكليم له من وراء حجاب.
ج: أو يرسل رسولاً، فالرسول الذي يلقي بالإذن، هو الوحي بواسطة الملك، وهو جبرائيل الذي يتنزل على الأنبياء والرسل.
وبعد أن عرضنا إلى طرق الوحي للأنبياء والرسل، نذهب إلى التساؤل التي يدور في أذهان بعض الناس؟!
نجيب:
هناك عدة أدلة تدل على أن الوحي دام واستمر بعد وفاة النبي «صلى الله عليه وآله» منها في كتاب الله عز وجل ومنها ما ورد في الروايات:
أولاً: في كتاب الله:
أ: جاء في سورة القدر المباركة قوله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.
وكما هو ظاهر من السورة المباركة أن ليلة القدر هي تتكرر في كل سنة في شهر رمضان المبارك، وكما هو واضح وجلي أيضاً من سياق الآيات بأن الملائكة والروح ما زالت تتنزل في كل ليلة القدر. وكما ورد في الروايات أن «الروح» هو ملك أعظم من جبرائيل أيد الله به نبيه، ويكون مع الأئمة «عليهم السلام» أيضاً. وذلك مستمر ودائم إلى زماننا هذا، حيث أن الإمام المهدي «عجل الله تعالى فرجه الشريف» هو الإمام الثاني عشر.
ثانياً: ما ورد في الروايات:
ينقل الشيخ المجلسي «قدس سره» في كتابه بحار الأنوار أنه في ليلة ضرب أبن ملجم «لعنه الله» لأمير المؤمنين «عليه السلام» حيث قال: «ونادى جبرئيل «عليه السلام» بين السماء والأرض بصوت يسمعه كل مستيقظ: «تهدمت والله أركان الهدى، وانطمست والله نجوم السماء وأعلام التقى، وانفصمت والله العروة الوثقى، قتل ابن عم محمد المصطفى، قتل الوصي المجتبى، قتل علي المرتضى، قتل والله سيد الأوصياء، قتله أشقى الأشقياء»»(9).
وهذا دليل آخر على أن جبرائيل وهو ملك الوحي ظل يتنول إلى السماء الدنيا وينادي بصوت مسموع لكل الناس، وهذه الحادثة طبعاً حصلت بعد وفاة النبي «صلى الله عليه وآله».
الشبهة الثانية: وقد يقال: هل أن الملائكة تظهر فقط على الأنبياء، وخاصة جبرئيل؟
ونجيب:
1 ـ قال تعالى عن مريم «عليها السلام»: {فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا}(10). وهذا الروح هو جبريل، كما يقال (11).
ومن المعلوم للجميع أن السيدة مريم «عليها السلام» لم تكن من الأنبياء، أو من الرسل، بل سيدة نساء العالمين في عصرها، وقد تنزل عليها ملك الوحي وهو جبرائيل «عليه السلام»، فما الذي يمنع أن ملك الوحي وهو جبرائيل «عليه السلام» أن يتنزل على الأئمة «عليهم السلام» وهم ليسوا أنبياء، بل معصومين.
وقال الإمام الصادق «عليه السلام» في انتقال الروح من النبي «صلى الله عليه وآله» إلى الأئمة «عليهم السلام»: «وروح القدس فيه حمل النبوة، فإذا قبض النبي «صلى الله عليه وآله» انتقل روح القدس، فصار في الإمام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يسهو»(12).
2 ـ قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}(13).
وروي: أن ملك الروم كتب إلى عمر بن الخطاب بأسئلة لم يجد جوابها إلا عند علي «عليه السلام».. فتولى «عليه السلام» الإجابة عنها.. ومن ضمن هذه الأسئلة: «وأخبرونا عمّا أوحى الله إليه، لا من الجنّ، ولا من الإنس، ولا من الملائكة؟! [فجاء في جواب أمير المؤمنين «عليه السلام»] وأمّا سؤالك عن شيء أوحى الله إليه، لا من الجنّ، ولا من الإنس، ولا من الملائكة: فذلك النحل، قال الله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ}»(14).
وخلاصة القول: إن نفي البعض لتنزل جبرائيل على غير الأنبياء والرسل قد ظهر بطلانه، وكذلك الحال أنحصاره بالأنبياء والرسل كذلك هو باطل، وأن الكلام بأن الأئمة «عليهم السلام» لا يوحى لهم أو يلهمون فهذا أيضاً باطل وتسديد الأئمّة «عليهم السلام» بروح القدس لا يجعلهم أنبياء، فلا دلالة على أنّ روح القدس مختص بالأنبياء، فإن الروح كان مع النبي «صلّى الله عليه وآله»، ثمّ بعد ذلك انتقل روح القدس إلى الإمام، فلا يفهم من تلك العبارة أنّ كلّ من سدّد بروح القدس كان نبيّاً.
ومن هنا، جاءت التفرقة بين الوحي والإلهام، فقالوا: أن الوحي هو مختص بالأنبياء والرسل، وتنزلاً فإن الوحي لغير الأنبياء والرسل قد سُمي: إلهاماً.. وهذا لا يفسد في الود قضية، فإن كان وحياً أو إلهاماً، ولكن فإن نفس ارتباط واتصال الأئمة «عليهم السلام» مع ملك الوحي والملائكة هو ممكن ولا شيء يمنعه ولا يحده.. وهو لحكمة إلهية لاستمرار الهدي الرباني لعباده..
السيد يوسف البيومي/ الرضوي.
لبنان/ صيدا: في 13/1/2017م.
__________________________________
(1): الآيتان 3 و 4 من سورة النجم.
(2): الآيات من 44 ـ 46 من سورة الحاقة.
(3): الآية 51 من سورة الشورى.
(4): أي: أن الوحي كان يصل إلى رسل الأرض بواسطة رسل من السماء.
(5): أي أنه إذا أراد رسل الأرض أن يطلبوا من الله شيئاً، أو أن يكلموه حول أي موضوع، فإنهم كانوا لا يستعينون برسل السماء، بل كانوا يكلمون الله تعالى مباشرة.
(6): بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج90 ص103 وتفسير البرهان للسيد البحراني ج5 ص825.
(7): الآية 51 من سورة الشورى.
(8): مناقب آل أبي طالب ج1 ص187 ـ 189 و (ط المكتبة الحيدرية) ج1 ص154 و 155 وبحار الأنوار ج18 ص382 ومستدرك سفينة البحار ج2 ص23 وج10 ص154 وتفسير الرازي ج2 ص234 وج25 ص161 وج28 ص291 وتفسير ابن عربي ج2 ص148 و 233 و 276 والدر النظيم ص104.
(9): بحار الأنوار للمجلسي ج42 ص282 وج109 ص63 ومنهاج البراعة في شرح نهج البلاغة للهاشمي الخوئي ج5 ص151 ومفتاح السعادة للخراساني ج7 ص325 ووفيات الأئمة «عليهم السلام» ص57 والمجالس الفاخرة للسيد عبد الحسين شرف الدين ص328.
(10): الآية 17 من سورة مريم.
(11): راجع: تفسير البرهان ج5 ص112 والتفاسير مجمع البيان، وتفسير الميزان، وغير ذلك.
(12): الكافي ج1 ص272 وبحار الأنوار ج17 ص106.
(13): الآية 68 من سورة النحل.
(14): العسل المصفّى في تهذيب زين الفتى ج1 ص287 ـ 293 وراجع رواية ابن عباس عن أن أخوين يهوديين سألا أمير المؤمنين «عليه السلام» هذه الأسئلة عن الواحد إلى المئة. فأجاب عنها بما لا يقرب مما ذكره في بحار الأنوار ج10 ص86 و 87 عن مناقب آل أبي طالب ج1 ص511 و 512.







محسن حسنين مرتضى السندي
منذ يومين
لماذا كان الزلزال في تركيا وسوريا من أقوى الزلازل في التاريخ؟
من أدب الدفاع المقدس.. ( لا تكتملُ البهجة إلا بحزن )
حبوبتي كنداكة
EN