تزدحم المقبرةُ بالوافدين عليها مع طلوع شمس يوم العيد ، لاعتقاد يسود الأذهان ، بأن عيون الموتى تترقبُ قدوم أهليهم في العيد ، لأن أهل العيد - الموتى- تحت التراب ، فلابد من إحياء أول يوم عند الأحباب الذين ناموا في الوادي وتركوا الحياة ، فإذن لا فرح ولا حياة مع غياب الذين أخذوا العيد معهم واختاروا القبور بدلاً ، وارتضوا الغياب بعيداً عن البيوت التي بقيت موحشةً وهي تخلو من أهلها قليلي الحظ.
جميلٌ هذا النعيُ الذي مرَّ في كلماتي السابقة ، وهو يمثل إلى حدٍّ كبير أنين أهلنا ، وهم يستعدون لسماع خبر هلال عيد الفطر ، فيصنعون الكليجة ، ويرتبون سفرة الصباح ، للإفطار في المقبرة ، فهناك يكون الإفطار شهياً مع صيحات الفاقدين ، ودموع النادبين ، حين يختلط الأكل بالرمل ، وحين تضيعُ الموعظة الحسنة من زيارة الموتى ، بتقشير البرتقال ، ورمي علب العصائر ، بين القبور ، في يوم احتفالي يجمع بين المتناقضات ، بين عيد وفقد.
لقد اعتاد كثيرون ، إن لم نقل الكل ، على نبذ العيد ، نفسياً ووجدانيا ، ليحوِّل السعادة إلى مأساة استذكار ، وحسرة فراق ، يطلقها قبل حلول العيد ، وكأن الفرح الذي جعله الله ختاماً لشهر رمضان المبارك هو فرحٌ محرَّم ، لأن الموت قد حرم الأحباب من شمِّ الهواء العذب.
ها أنا أعيد الندب كل مرة ، حتى وأنا أكتب عن تسابق أهلنا لإحياء الوجع ، وصبِّ الألم ، مع انقضاء الشهر الكريم ، إذ يبادر المساكينُ إلى مقاطعة العيد ، وتبادل الرسائل المذكِّرة بالمفقودين ، إيلاماً بالجراح التي لايريد لها الجريحُ أن تبرد أبدا.
غريبةٌ هذه الطبائع التي نشأت في حياتنا ، مثل نشأة المقابر بين مدننا ، حتى لم نعد نبصر من الفرح شيئا ، وحتى رحنا نفتِّشُ عن كل مايهيج المشاعر ، بالاستماع لناعٍ ، أو اصطحاب الملاية مع القاصدين قبور الأحباب ، من الأبناء والأحفاد ، كباراً وصغارا ، في حضور عائلي ، يلبي واجب المودة ، افتراشاً فوق التراب ، في مشاركة للميت ، وهو ينام في قبره ، وبين قضمة خبز وقيمر عرب ، ورشفة شاي ، يتعالى صوت المحزونات ، ليختمها أحدهم بقراءة الفاتحة ، وجمع الأواني والفرش ، والعودة للبيوت ، لقضاء يوم العيد ، بعد خمش الخدود ، ولطم الوجوه ، عوداً لطبخ الغداء ، في أول غداء بعد شهر الصيام.
إن هذا المشهد ، ومافيه من مفارقات ، اعتدنا عليها ، ونمت في ذاكرتنا ، وكأنها جزء من أفراح العيد ، إنما هي واحدة من المتناقضات التي لاتسمح لنا بالتوزان في العيش بهذه الحياة القصيرة ، التي قلَّ فيها الفرح ، وهذا القليل ، مصادَرٌ بسوء استعماله ، وهدره في مواقف تعبِّر عن تطرُّف في الحزن ، أو مجاملة فارغة ، يخشى فيها بعض الناس من النقد ، بأنهم نسوا الموتى ، وعاشوا بعدهم ، وكأنه ذنب عظيم ، إذ لابد من المضي وراءهم ، وإن لم يكن ذلك ، فالعيش عيشاً نكدا ، يخلِّف فيه الكبارُ مواريث التناقض للأجيال القادمة.
إن هذا السلوك يفتقر لفهم الموت ، وإدراك معناه ، ومعرفة غايته ، وهو لايقيم للإيمان وزنا ، لأنه يعتمد العاطفة المسرفة ، والاعتياد الاجتماعي ، على الحضور عند الموتى في يوم هو من الله للأحياء.
إن إعادة النظر في هذا الموضوع ، تعلِّمنا أن نحمي أنفسنا وحياتنا من هذا النمط من قلب الأعياد إلى مآتم ، وأن نزور الموتى في غير العيد ، متى اقتضى الحب ، ودعانا الهوى ، وراق لنا القرب ، وأردنا الازدياد من الموعظة وجلاء القلب ، لا أن تكون الزيارة عادةً تهشِّم الحياة لصالح الموت.







د.أمل الأسدي
منذ 3 ايام
صراع حضارات أم حوار حضارات ؟
العيد في زمن كورونا
الإصلاح الثقافي .. من أين نبدأ ؟
EN