0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة

علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

البحث حول حديث فيه أجوبة الإمام الرضا (عليه السلام) عن أسئلة عمران الصابئي في التوحيد

المؤلف:  السيد عبد الله شبر

المصدر:  مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار (ت: مجتبى المحمودي)

الجزء والصفحة:  ج1، ص 415 ــ 431

2026-09-28

47

+

-

20

الحديث الحادي والخمسون (1): [أجوبة الرضا ـ عليه السلام ـ عن أسئلة عمران الصابي في التوحيد]

ما رويناه عن الصدوق في العيون (2) في باب ذكر مجلس الرضا (عليه السلام) مع أهل الأديان وأصحاب المقامات في التوحيد عند المأمون، بإسناده عن الرضا (عليه السلام) في جملة حديث طويل أنّه (عليه السلام) بعد أن ألزمهم وأعجزهم بالبراهين البيّنات والحجج الواضحات وانقطعوا عن الكلام، قال (عليه السلام): «يا قوم، إن كان فيكم أحد يخالف الإسلام وأراد أن يسأل فليسأل غير محتشم» أي غير مستحي ولا منقبض.

فقام إليه عمران الصابي - وكان واحداً من المتكلّمين - فقال: يا عالم الناس، لولا أنّك دعوت إلى مسألتك لم أقدم عليك بالمسائل، ولقد دخلت الكوفة والبصرة والشام والجزيرة ولقيت المتكلّمين، فلم أقع على أحد يثبت لي واحداً فرداً ليس غيره، لا شريك ولا ندّ، قائماً بوحدانيّته، (أي وحدانيّة مستندة إلى ذاته وهو اللَّه تعالى)، أفتأذن لي أن أسألك؟ قال الرضا (عليه السلام): «إن كان في الجماعة عمران الصابي فأنت هو». قال: أنا هو. قال: «سل يا عمران، وعليك بالنصفة» بالتحريك: الإنصاف، وهو أن تعطي من الحقّ كما تستحقّه لنفسك، «وإيّاك والخطل» بالتحريك، وهو النطق الفاسد المضطرب، «والجور» وهو الميل عن القصد أو عن طريق الهدى، أو الظلم في البحث والكلام. فقال: واللَّه يا سيّدي، ما أريد إلّا أن تثبت لي شيئاً أتعلّق به فلا أجوزه. قال: «سل عمّا بدا لك». فازدحم الناس وانضمّ بعضهم إلى بعض من كثرة الازدحام، فقال عمران الصابي: أخبرني عن الكائن الأوّل (أي عن كنهه وحقيقته) وأخبرني عمّا خلق (أي عن أيّ شيء خلق المخلوقات وأوجدها). قال (عليه السلام): «سألت عن ذلك فافهم الجواب: أمّا الواحد» الذي هو اللَّه سبحانه وتعالى «فلم يزل واحداً» في صنعه لا شريك له ولا وزير ولا نظير، «كائناً لا شيء معه»؛ إذ لو كان معه غيره لكان قديماً أيضاً، وبطلانه تقدّم من برهان التمانع «بلا حدود» من طول وعرض وعمق، أو بلا ابتداء وانتهاء «ولا أعراض»؛ إذ هو تعالى يجلّ عن الأعراض، إذ هو الذي أوجدها واخترعها، «ولا يزال كذلك» أبداً دائماً. 

«ثمّ خلق خلقاً مبتدعَا» بصيغة اسم المفعول صفة للخلق، أي من غير مثال سبق، أو بصيغة اسم الفاعل حال من فاعل خلق، أي أوجدهم حال كونه مبتدعاً لهم، «مختلفاً بأعراض وحدود مختلفة» فيهم الأجسام والأعراض، والجواهر والأعيان، والروحانيّون والجسمانيّون، والناريّون والطيّبون، والناطقون والصامتون، والطويل والقصير، والأسود والأبيض وغيرهم، ومن الحكم في اختلاف المخلوقات عدم توهّم كونه تعالى موجباً.

«لا في شيء أقامه» يحتمل أن تكون «في» بمعنى «من» فإنّ حروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض، أي أوجد الخلق لا من شيء أقامه، أي لم يقم خلق مصنوعاته من مادّة قديمة كما زعمه الفلاسفة.

«ولا في شيء حدّه» لعلّ المراد: أنّه تعالى لم يخلقهم في شيء محدود ألّا يتجاوزونه، بأن يكونوا مسلمين أو كافرين، مطيعين أو عاصين، بل خلقهم مختارين غير مكرهين.

«ولا على شيء احتذاه» أي لم يخلق الخلق على محاذاة مثال وصورة سابقة كانت مصنوعة لغيره تعالى «ومثّله له» أي مثّل الغير ذلك وصوّره، واللَّه تعالى صوّر مخلوقاته على ذلك المثال. ويحتمل أن يكون ضمير الفاعل راجعاً إليه تعالى، أي لم يخلق خلقه على مثال أوجده غيره ليصوّر الخلق على ذلك المثال.

«فجعل الخلق من بعد ذلك صفوة» كالأنبياء والرسل والأئمّة «وغير صفوة» كغيرهم «واختلافاً» في الأمزجة والألوان والأخلاق «وائتلافاً» في ذلك، والمصدران حالان، أي مختلفين ومؤتلفين، «وألواناً وذوقاً وطعماً» أي مختلفين في اللون والذوق والطعم.

«فخلقهم لا لحاجة كانت منه إلى ذلك» الخلق «ولا لفضل منزلة لم يبلغها إلّا به ولا رأى لنفسه فيما خلق زيادة» في علوّ مرتبته وعظم شأنه، «ولا نقصاناً، تعقل هذا يا عمران؟» قال: نعم، واللَّه يا سيّدي. قال: «واعلم يا عمران، أنّه لو كان خلق ما خلق لحاجة لم يخلق إلّا مَن يستعين به على حاجته» من الأنبياء والرسل والمؤمنين والصالحين والعابدين، «ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق؛ لأنّ الأعوان كلّما كثروا كان صاحبهم أقوى وأشدّ سلطنة، والحاجة - يا عمران - لا يسعها» ضمير «لا يسعها» يرجع إلى الخلق، أي الخلائق لا يسعون الحاجة ولا يدفعونها عنه سبحانه، وذلك أنّهم أهل حاجة إليه وتتجدّد حاجتهم إليه آناً فآناً، ومثل هؤلاء لا يستعان بهم في رفع حاجة مثله بأن يعينوه على خلق أحد أو ترتيبه أو نحو ذلك، وإلى ذلك أشار بقوله (عليه السلام): «لأنّه لم يحدث من الخلق شيئاً إلّا حدثت فيه حاجة أخرى»؛ لأنّهم في كلّ زمان لهم نهاية الاحتياج إلى بارئهم وخالقهم. «ولذلك أقول: لم يخلق الخلق لحاجة إليهم»؛ إذ كانوا هم المحتاجين إليه، «ولكن نقل بالخلق الحوائج» بأن أحوج «بعضهم إلى بعض، وفضّل بعضهم على بعض بلا حاجة منه إلى من فضّل، ولا نقمة منه على من أذلّ منهم؛ فلهذا خلق».

قال عمران: يا سيّدي، هل كان الكائن (أي الصانع) معلوماً في نفسه عند نفسه؟

قال الرضا (عليه السلام): «إنّما تكون المعْلمة بالشيء لنفي خلافه وليكون الشيء نفسه بما نفى عنه موجوداً».

قيل: لعلّ حاصل السؤال والجواب: أنّ الصانع هل كان معلوماً عند نفسه بصورة حاصلة في ذاته؟ ومن ثمّ قال: في نفسه.

والجواب: أنّ الصورة الحاصلة إنّما تكون بشيء يشترك مع غيره في شيء من الذاتيّات، فلا يحتاج لمعرفة نفسه إلى حصول صورة، بل هو حاضر بذاته عند ذاته، فقوله (عليه السلام): «ولم يكن هناك شيء يخالفه» أي شيء يخالفه في بعض الذاتيّات، «فتدعو الحاجة إلى نفي ذلك الشيء عن نفسه بتحديد ما علم منها» أي من ذاته بجنس وفصل وتشخيص، «أفهمت يا عمران؟».

قال: نعم واللَّه يا سيّدي، فأخبرني بأيّ شيء علم ما علم، أبضمير أم بغير ذلك؟ ولعلّ المراد بالصورة الذهنيّة يعني أنّه تعالى يعلم معلوماً بصورة ذهنيّة حصلت في الذهن أم بغيرها؟ وقال الرضا (عليه السلام) مجيباً له: «أرأيت إذا علم بضمير هل تجد بدّاً من أن تجعل (3) لذلك الضمير حدّاً ينتهي إليه المعرفة»، يعني أنّ العلم لو لم يكن إلّا بحصول تلك الصورة، فالعلم بالمعلوم لا بدّ أن يكون موقوفاً على العلم بالصورة التي هي ملاحظة المعلوم وتحديدها وتصويرها. قال عمران: لا بدّ من ذلك. قال الرضا (عليه السلام): «فما ذلك الضمير؟» فانقطع ولم يحر جواباً.

قال الرضا (عليه السلام): «لا بأس أن نسألك عن الضمير نفسه تعرفه بضمير آخر، فإن قلت: نعم، أفسدت عليك قولك ودعواك» أي أنّه على قولك أنّه لا بدّ لكلّ معلوم أن يعرف بصورة، فالصورة أيضاً معلوم، فلا بدّ وأن تعرف بصورة أخرى، وهكذا إلى ما لا نهاية له، فإن قلت: إنّ الصورة تعرف بنفسها بالعلم الحضوريّ من غير حاجة إلى صورة أخرى، فلِمَ لا يجوز أن يكون علمه تعالى بأصل الأشياء على وجه لا يحتاج إلى صورة وضمير؟

قال الرضا (عليه السلام): «يا عمران، أليس ينبغي أن تعلم أنّ الواحد ليس يوصف بضمير، وليس يقال له أكثر من فعل وعمل وصنع» بصيغة الماضي، «وليس يتوهّم منه مذاهب وتجزية كمذاهب المخلوقين وتجزيتهم، فاعقل ذلك وابْنِ عليه ما علمت منه صوابه». فلمّا أفسد (عليه السلام) عليه الأصل الذي هو مبنى كلام السائل أقام البرهان على امتناع حلول الصورة فيه واتّصافه بالضمير؛ لمنافاته لوحدته الحقيقيّة واستلزامه التجزّي والتبعيض، وكونه متّصفاً بالصفات الزائدة، وكلّ ذلك ينافي وجوب الوجود، وحينئذٍ فليس فيه تعالى عند إيجاد المخلوقين سوى التأثير من غير عمل ورويّة وتفكُّر وتصوير وخطور وذهاب الفكر إلى المذاهب وسائر ما يكون في الناقصين العاجزين من الممكنات.

قال عمران: يا سيّدي، ألا تخبرني عن حدود خلقه، كيف هي؟ وما معانيها؟ وعلى كم نوع تكون؟

قال (عليه السلام): «قد سألت فافهم، إنّ حدود خلقه على ستّة أنواع: ملموس، وموزون، ومنظور إليه، وما لا ذوق له (4) وهو الروح، ومنها: منظور إليه وليس له وزن ولا لمس ولا حسّ ولا لون ولا ذوق، والتقدير والأعراض والصور والطول والعرض، ومنها: العمل والحركات التي تصنع الأشياء وتعملها وتغيّرها من حال إلى حال وتزيدها وتنقصها، فأمّا الأعمال والحركات فإنّها تنطلق؛ لأنّه لا وقت لها أكثر من قدر ما يحتاج إليه، فإذا فرغ من الشيء انطلق بالحركة وبقي الأثر ويجري مجرى الكلام الذي يذهب ويبقى أثره».

قال بعض الفضلاء في بيان هذه الستّة أنواع:

لعلّ النوع الأوّل ما يكون ملموساً وموزوناً ومنظوراً إليه.

والثاني ما لا يكون له تلك الأوصاف كالروح، وإنّما عبّر عنه بما لا ذوق له اكتفاءً ببعض صفاته، وفي بعض النسخ: «وما لا لون له وهو الروح»، وهذا أظهر للمقابلة.

والثالث ما يكون منظوراً إليه، أي أنّه يظهر للنظر بآثاره أو قد يرى ولا لون له بالذات، أو يراد به الملك والجنّ وأشباههما، والظاهر أنّ قوله: «ولا لون» من زيادات النسّاخ.

والرابع: التقدير ويدخل فيه التصوير والطول والعرض.

والخامس: الأعراض القارّة المدركة بالحواسّ، كاللون والضوء، وهو الذي عبّر عنه بالأعراض.

والسادس: الأعراض غير القارّة كالأعمال والحركات التي تذهب هي وتبقى آثارها.

قال له عمران: يا سيّدي، ألا تخبرني عن الخالق إذا كان واحداً لا شيء غيره ولا شيء معه، أليس قد تغيّر بخلقه الخلق، حيث إنّه لم يكن خالقاً فصار خالقاً؟

قال له الرضا (عليه السلام): «هو قديم لم يتغيّر بخلقه الخلق، ولكن الخلق يتغيّر بتغييره إيّاه» حيث إنّهم صاروا موجودين بعد أن كانوا معدومين، ويمرضون ويصحّون ويغتنون ويفقرون ويطولون ويقصرون، وهكذا.

قال عمران: [يا سيّدي] (5) فبأيّ شيء عرفناه؟

قال (عليه السلام): «بغيره».

قال: فأيّ شيء غيره؟

قال الرضا (عليه السلام): «مشيّته واسمه وصفته وما أشبه ذلك».

وسيأتي في كلامه (عليه السلام) إنّ المشيّة والإرادة بمعنى واحد، وفسّر (عليه السلام) الإرادة بالإبداع والإحداث، فيكون المعنى: أنّا نعرفه بأفعاله وإبداعه وآثاره وأسمائه وصفاته التي تعتبرها عقولنا وتثبتها له.

«وكلّ ذلك» الذي ندركه بأذهاننا ونتصوّره بقلوبنا من الأفعال والآثار والأسماء «محدث مخلوق مدبّر» واللَّه سبحانه وتعالى غيره.

قال عمران: يا سيّدي، فأيّ شيء هو؟

قال (عليه السلام): «هو نور» كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: 35] بمعنى أنّه هاد لخلقه من أهل السماء وأهل الأرض وليس لك عليّ أكثر من توحيدي إيّاه» يعني: إنّه لا يمكنني أن ابيّن لك من ذات الصانع وصفاته إلّا ما يرجع إلى توحيده.

قال عمران: يا سيّدي، أليس قد كان ساكناً قبل الخلق لا ينطق ثمّ نطق (فيكون قد لحقه التغيير)؟

قال الرضا (عليه السلام): «لا يكون السكوت إلّا عن نطق قبله»؛ لأنّ السكوت هو عدم النطق عمّا من شأنه النطق، «والمثل في ذلك إنّه لا يقال للسراج هو ساكت لا ينطق»؛ لأنّ السراج ليس من شأنه النطق، «ولا يقال إنّ السراج ليضيء فيما يريد أن يفعل بنا» الإضاءة «لأنّ الضوء من السراج ليس يفعل بعقل (6) منه ولا كون» هذا من تمام الكلام الأوّل ويشتمل على تشبيه آخر بالسراج.

وحاصله: أنّ السراج لا يقال إنّه أراد بنا الإضاءة، لأنّه لا يتّصف بإرادة عدمها؛ إذ لا فعل له ولا شعور ولا إرادة، والشيء إنّما يتّصف بشيء إذا جاز اتّصافه بنقيض ذلك الشيء، ولهذا لا يقال للجدار أعمى، وإنّما هو شيء ليس غيره، يعني أنّ السراج ليس إلّا السراج من غير أن يكون معه إرادة ولا فعل ولا مزاولة عمل، «فلمّا استضاء لنا قلنا: قد أضاء لنا حتّى استضأنا به، فبهذا تستبصر أمرك».

قال عمران: يا سيّدي، فإنّ الذي كان عندي أنّ الكائن قد تغيّر في فعله، (أي كالخلق والرزق) عن حاله بخلقه الخلق (إذ لم يكن خالقاً، فكان خالقاً، ولم يكن رازقاً فكان رازقاً ولم يكن معه غيره، وبعد أن أوجد خلقه حصل غيره).

قال الرضا (عليه السلام): «أحلت» أي قلت محالًا «يا عمران في قولك: إنّ الكائن يتغيّر في وجه من الوجوه حتّى يصيب الذات منه ما يغيّره» فإنّ الخلق ونحوه من صفات الأفعال، والذات لا تتغيّر بتغيّرها. «يا عمران، هل تجد النار بغيرها تغيّر نفسها؟ (7) وهل تجد الحرارة تحرق نفسها؟ أو هل رأيت بصراً قطّ رأى بصره؟»

قال عمران: لم أرَ هذا.

حاصل ذلك: أنّ الفاعل لا يدخله تغيّر بسبب فعله، نعم، يدخل من فعل غيره، كالنار فإنّها لا تحدث تغيّراً بسبب ما توجد منها من التأثيرات، نعم تنفعل عن الغير كما إذا صبّ عليها ماء، وكذلك الحرارة لا تحرق نفسها عند إحراقها غيرها، وكذلك البصر إذا أثّر في غيره بانطباع تلك الصورة لا يؤثّر في نفسه، بأن تنطبع الحدقة في نفسها دائماً، وإنّما تنطبع في بصر آخر يغايرها، فكذلك هو سبحانه - وله المثل الأعلى - لا يدخل عليه تغيير في ذاته بإيجاد الممكنات وإنّما يتأثّر من غيره (8) وليس هناك غير يؤثّر فيه لأنّه مبدأ الأغيار.

لا يقال: الإنسان إذا ضرب عضواً منه على آخر يتأثّر، فيكون متأثّراً من نفسه.

قلنا: أحد العضوين مؤثّر والآخر متأثّر.

فيقال: الإنسان أثّر في نفسه بواسطة غيره وهو عضوه، واللَّه تعالى جلّ شأنه واحد حقيقيّ لا يدخل التركيب فيه، فلا يعقل تغيّره بفعل نفسه.

ثمّ قال عمران: ألا تخبرني يا سيّدي أهو في الخلق أم الخلق فيه؟

قال الرضا (عليه السلام): «جلّ هو - يا عمران - ربّنا عن ذلك، ليس هو في الخلق ولا الخلق فيه، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً، وسأعلمك يا عمران ما تعرفه به» من الأمثلة وتعلم أنّه ليس في الخلق ولا الخلق فيه.

«ولا قوّة إلّا باللَّه» رفع إيهام ما في نسبة التعليم إلى نفسه القدسيّة، ثمّ نسب ذلك إلى اللَّه تعالى لبيان أنّ الطاعات والخيرات لا تكون إلّا بفضله وإعانته وتوفيقه وهدايته.

«أخبرني عن المرآة أنت فيها أم هي فيك؟ فإن كان ليس واحد منكما في صاحبه فبأيّ شيء استدللت بها على نفسك يا عمران؟». قال عمران: بضوء بيني وبينها.

قال الرضا (عليه السلام): «هل ترى من ذلك الضوء في المرآة أكثر ممّا تراه في عينك؟» قال: بلى. قال الرضا (عليه السلام): «فأرناه»، فلم يحر جواباً. قال الرضا (عليه السلام): «لا أرى النور إلّا وقد دلّك ودلّ المرآة على أنفسكما من غير أن يكون في واحد منكما، ولهذا أمثال كثيرة غير هذا لا يجد الجاهل فيها مقالًا، وللَّه المثل الأعلى».

لمّا توهّم عمران أنّ الخلق والتأثير لا يكونان إلّا بحلول الأثر في المؤثّر أو بالعكس فأجابه (عليه السلام) بالتنظير، فمثّل بالمرآة حيث إنّه يشترط انطباع صورة البصر فيها وانطباع صورتها في البصر بوجود ضوء قائم بالهواء المتوسّط بينهما، فالضوء علّة لتأثير البصر والمرآة، مع عدم حصوله في شيء منهما وعدم حصول شيء منهما فيه.

نعم، لا يجوز تأثير الصانع في العالم مع عدم حصول العالم فيه ولا حصوله في العالم.

ثمّ التفت (عليه السلام) إلى المأمون فقال: «الصلاة قد حضرت».

فقال عمران: يا سيّدي، لا تقطع عليّ مسألتي فقد رقّ قلبي.

قال الرضا عليه السلام: «نصلّي ونعود»، فنهض ونهض المأمون، فصلّى الرضا (عليه السلام) داخلًا، وصلّى الناس خارجاً خلف محمّد بن جعفر، ثمّ خرجا فعاد الرضا (عليه السلام) إلى مجلسه ودعا بعمران، فقال: «سل يا عمران».

قال: يا سيّدي، ألا تخبرني عن اللَّه (عزّ وجلّ) هل يوجد بحقيقة أو يوجد بوصف؟

(أي هل يعرف بالاطّلاع على كنه حقيقته، أو كنه صفاته).

قال الرضا (عليه السلام): «إنّ اللَّه» النور «المبدئ» المعيد، «الواحد الكائن الأوّل، لم يزل واحداً لا شيء معه، فرداً لا ثاني معه» ولا شيء غيره؛ «لا معلوماً ولا مجهولًا، ولا محكماً ولا متشابهاً، ولا مذكوراً ولا منسيّاً». هذا تفصيل لقوله (عليه السلام): لا ثاني معه، أي ليس معه غيره؛ لا معلوماً ذلك لغير ولا مجهولًا ولا محكماً ولا متشابهاً.

والمراد بالمحكم: ما يعرف حقيقته، وبالمتشابه: ما هو ضدّه. وقيل: إنّه إشارة إلى نفي قول من قال بقِدم القرآن، فإنّ المحكم والمتشابه يطلقان على آياته.

«ولا شيئاً يقع عليه اسم شيء من الأشياء غيره» تعالى.

«ولا من وقت كان» أي ليس وجوده تعالى ناشئاً من وقت بأن يكون الوقت سابقاً عليه؛ إذ هو الموقّت للأوقات، الموجد لها، فهو سابق عليها، «ولا إلى وقت يكون»، بل يعدم الأوقات ويبقى بعدها.

«ولا بشيء قام ولا إلى شيء يقوم» كما قال بعض الكفرة: إنّه تعالى قام بعيسى أو بمريم (عليهما السلام) ولعلّ التكرار بالنسبة إلى الماضي والحال والاستقبال.

«ولا إلى شيء استند» واعتمد، «ولا في شيء استكنّ» واستقرّ من سماء أو عرش كما قال بعض الكفرة به.

«وذلك كلّه» أي ما تقدّم من وصفه تعالى بأنّه المبدئ المعيد الواحد الكائن الأوّل «قبل خلقه الخلق، إذ لا شيء غيره» حتّى يكون معه «وما أوقعت عليه من» لفظ «الكلّ» ونحوه من كان ويكون من الألفاظ المشعرة بالحدوث «فهي صفات محدثة»، وإنّما ذكرت في وصفه تعالى «وترجمة يفهم بها من فهم».

وبالجملة، فالألفاظ قاصرة عن بيان كنه ذاته وحقيقة صفاته، ولكنْ لا بدّ من الإتيان بها للترجمة والإفهام.

«واعلم أنّ الإبداع والمشيّة والإرادة معناها واحد وأسماؤها ثلاثة» وفيه تصريح - كما في غيره من الأخبار - بأنّ الإرادة من جملة صفات الفعل الحادثة، لا أنّها عين الإبداع، وهو من صفات الفعل الحادثة، وجمهور المتكلّمين على أنّها من صفات الذات القديمة، والظاهر أنّ النزاع لفظيّ، فإنّ من فسّرها بالإبداع والإيجاد قال بأنّها حادثة ولا خلاف في ذلك، ومن قال بقدمها فسّرها بالعلم بالأصلح، ولا ريب أنّه من جملة صفات الذات القديمة.

«وكان أوّل إبداعه وإرادته ومشيّته: الحروف التي جعلها أصلًا لكلّ شيء» من اللغات والأسماء والصفات «ودليلًا على كلّ مدرَك» - بفتح الراء - أي كلّ ما يمكن إدراكه، فالحروف دليلة عليه «وفاصلة (9) لكلّ مشكل»؛ إذ لا يمكن بيان المشكل وعلمه إلّا بالألفاظ المركّبة من الحروف «وبتلك الحروف تفريق كلّ شيء من اسم حقّ وباطل، أو فعل (10) أو مفعول أو معنى، أو غير معنى»؛ إذ لا يعرف ذلك كلّه ولا يتميّز إلّا بالكلام المشتمل عليها، «وعليها اجتمعت الأمور كلّها»؛ إذ بيان كلّ شيء وإبانته إنّما تتحقّق بها «ولم يجعل اللَّه تعالى للحروف في إبداعه لها معنى غير أنفسها تتناهى، ولا وجود لها؛ لأنّها مبدعة بالإبداع».

لعلّ المراد: أنّ اللَّه سبحانه خلق الحروف المفردة وليس لها موضوع غير أنفسها، ولم يجعل لها وصفاً ولا معنى تنتهي إليه ويوجد ويعرف بتلك الحروف، وحينئذٍ فما تقدّم من الإشارة إلى معاني الحروف لا يكون من باب الوضع لها، بل يكون دلالتها عليه بالالتزام والإشارة، فيكون معنى شرعيّاً لا معنى وضعيّاً.

«والنور في هذا الموضع» لعلّ المراد بالإشارة: الإبداع «أوّل فعل اللَّه الذي هو نور السماوات والأرض» ولعلّ المراد من النور هنا: الوجود؛ لأنّه به تظهر المحسوسات بالنور، فالإبداع هو الإيجاد، وبالإيجاد تصير الأشياء موجودة؛ فالإبداع هو التأثير، «والحروف هي المفعول بذلك الفعل»، أي هي الأثر الموجود بذلك التأثير، «وهي الحروف التي عليها مدار الكلام والعبارات كلّها»، أي تعليمها أو إعطاء آلاتها من اللَّه (عزّ وجلّ)، «علّمها خلقه وهي ثلاثة وثلاثون حرفاً»، الثمانية والعشرون المعروفة وخمس حروف أخرى ضمّت إليها يأتي بيانها.

«فمنها ثمانية وعشرون حرفاً تدلُّ على لغات العربيّة، ومن الثمانية والعشرين اثنان وعشرون حرفاً تدلُّ على لغات السريانيّة والعبرانيّة، ومنها خمسة أحرف متحرّفة في سائر اللغات من العجم» وهم ما عدى العرب «لأقاليم اللغات كلّها، وهي خمسة أحرف تحرّفت من الثمانية والعشرين حرفاً من اللغات، فصارت الحروف ثلاثة وثلاثين حرفاً».

والمراد بالخمسة (11) المشار إليها: الكاف الفارسيّة في قولهم: «بگو» بمعنى: تكلّم، والجيم الفارسيّة المنقوطة بثلاث نقاط في قولهم: «يعنى چه»، والزاء الفارسيّة المنقوطة بثلاث نقاط كما يقولون: «ژاله»، والباء المنقوطة ثلاث نقاط كما في: «پياله» و«پياده».

«فأمّا الخمسة المختلفة (ف ي ج ح خ)» (12) [و] في بعض النسخ: حجج جمع حجّة، يعني: أنّ الاختلاف لعلل وأسباب أوجبته كاختلاف لهجات الناس واختلاف منطقهم.

وقيل: الأظهر أنّه (عليه السلام) كان قد ذكر تلك الحروف فاشتبهت على الرواة وصحّفوها.

«لا يجوز ذكرها» أي لا يتجاوز ذكر الحروف وعددها «أكثر ممّا ذكرنا» (13) من بيانها، «ثمّ جعل الحروف بعد إحصائها وإحكام عدّتها فعلًا منه» أي من جملة أفعاله التي يوجدها في بعض الأجسام «كقوله (عزّ وجلّ): ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117] و«كن» منه تعالى: صنع، وما يكون به: المنصوع».

«فالخلق الأوّل من اللَّه (عزّ وجلّ): الإبداع» وهو الإيجاد لا عن مثال سبق و«لا وزن له ولا حركة ولا سمع ولا لون ولا حسّ، والخلق الثاني: الحروف، لا وزن لها ولا لون وهي مسموعة موصوفة غير منظور إليها، والخلق الثالث: ما كان من الأنواع كلّها محسوساً ملموساً ذا ذوق منظور إليه، واللَّه تبارك وتعالى سابق الإبداع (14)؛ لأنّه ليس قبله (عزّ وجلّ) شيء ولا كان معه شيء. والإبداع سابق للحروف، والحروف لا تدلّ على غير نفسها». قال المأمون: وكيف لا تدلّ على غير نفسها؟

قال الرضا (عليه السلام): «لأنّ اللَّه تبارك وتعالى لا يجمع منها شيئاً لغير معنى أبداً، فإذا ألّف منها أحرفاً أربعة أو خمسة أو ستّة أو أكثر من ذلك أو أقلّ لم يؤلّفها لغير معنى ولم يكن إلّا بمعنى محدَث لم يكن قبل ذلك شيئاً».

قيل: ظاهره إنّ كلّ معنى تدلّ عليه الحروف بعد تأليفها لا يكون ذلك المعنى إلّا حادثاً، وأمّا الأسماء الدالّة على الذات المقدّسة فإنّما وضعت لمعان محدثة ذهنيّة، وهي دالّة عليه تعالى، ولم توضع تلك الحروف أوّلًا لكنّه حقيقته المقدّسة، ولا لكُنْه صفاته الحقيقيّة؛ لأنّها إنّما وضعت لتعريف الخلق ودعائهم بها، ولا يتمكّنون من الوصول إلى كنه الذات والصفات، ولذا قال (عليه السلام): «لم يكن إلّا لمعنى لم يكن قبل ذلك شيئاً» على أنّه يجوز أن يكون المراد منها غير أسمائه تعالى.

قال عمران: فكيف لنا بمعرفة ذلك من أنّ الحروف لا تدلّ على غير نفسها وإذا ألّفت دلّت على معنى محدث؟

قال الرضا (عليه السلام): «أمّا المعرفة فوجه ذلك وبيانه أنّك تذكر الحروف إذا لم ترد بها غير نفسها ذكرتها فرداً من دون تأليف وضمّ بعضها إلى بعض، فقلت: أ ب ت ث ج ح خ حتّى تأتي على آخرها، فلم تجد لها معنى غير أنفسها، وإذا ألّفتها وجمعت منها أحرفاً وجعلتها اسماً وصفة لمعنى ما طلبت ووجه ما عنيت، كانت دليلة على معانيها الموصوفة لها داعية إلى الموصوف بها، أفهمته؟» قال: نعم.

قال الرضا (عليه السلام): «واعلم أنّه لا يكون صفة لغير موصوف، ولا اسم لغير معنى، ولا حدّ لغير محدود، والصفات والأسماء كلّها تدلّ على الكمال والوجود» يعني أنّ صفات اللَّه وأسماءه كلّها دالّة على وجوده وكماله لا على ما يشتمل على نقص كالإحاطة والشمول، «ولا تدلّ على الإحاطة كما لا تدلّ على الحدود» (15) بيان للمنفيّ أي كما لا تدلّ على الحدود «التي هي التربيع والتثليث والتسديس».

ويحتمل أن يكون المعنى: أنّ الإحاطة تدلُّ على أنّ المحاط مشتمل على الحدود؛ «لأنّ اللَّه جلّ جلاله وعزّ أن تدرك (16) معرفته بالصفات والأسماء، ولا تدرك بالتحديد بالطول والعرض والقلّة والكثرة واللون والوزن وما أشبه ذلك، وليس يحلّ باللَّه (عزّ وجلّ) وتقدّس شيء من ذلك حتّى يعرفه خلقه بمعرفتهم أنفسهم» أي على نحو ما يعرفون به أنفسهم أو بسبب معرفة أنفسهم «بالضرورة التي ذكرنا»، أي لأنّه ضروريّ أنّه تعالى لا يحدّ بالحدود ولا يوصف بها.

وقيل: معناه إنّه تعالى لا يعرف بالتحديد؛ لأنّ الحدود لا تحلّ فيه ولا حدّ لغير محدود بالضرورة، فلو عرّف بالحدود يلزم كونه محدوداً بها.

ولعلّ غرضه (عليه السلام) تنزيهه تعالى عن صفات تلك المعرّفات، بأنّ الحروف وإن دلّت عليه لكن ليس فيه صفاتها، والمعاني الذهنيّة وإن دلّتنا عليه لكن ليس فيه حدودها ولوازمها.

«ولكن يدلّ على اللَّه (عزّ وجلّ) بصفاته ويدرك بأسمائه، ويستدلّ عليه بخلقه حتّى لا يحتاج في ذلك الطالب المرتاد إلى رؤية عين ولا استماع أذن ولا لمس كفّ ولا إحاطة بقلب. فلو كانت صفاته جلّ ثناؤه لا تدلّ عليه وأسماؤه لا تدعو إليه» يعني أنّه لا بدّ للناس أن ينتقلوا من أسمائه وصفاته التي يعرفونها إلى ذاته تعالى بوجه من الوجوه حتّى يكون الذات هي المعبود، فالأسماء والصفات وإن كانت مغايرة لذاته تعالى لكنّها آلة لملاحظة الذات ووسيلة إلى الانتقال إليها.

وقوله: «والمعْلمة من الخلق» أي محلّ العلم من القوى والمشاعر المخلوقة، ويمكن قراءته بصيغة اسم الفاعل أي المعلّمون وأرباب العلم من الخلق.

«لا تدركه لمعناه»، الضمير راجع إلى اللَّه تعالى، فيكون بدلًا من الضمير في يدركه.

وقيل: إنّه راجع إلى الخلق أي: لقصد الخلق إليه.

«كانت العبادة من الخلق لأسمائه وصفاته دون معناه». هذا جواب «لو».

«فلولا إنّ ذلك كذلك» أي لولا أنّ المعبود الحقيقيّ غير الأسماء والصفات «لكان المعبود الموحَّد غير اللَّه؛ لأنّ صفاته وأسماءه غيره»، واللازم باطل فالملزوم مثله، «أفهمت؟» قال: نعم يا سيّدي، زدني.

قال الرضا (عليه السلام): «إيّاك وقول الجهّال من أهل العمى والضلال الذين يزعمون أنّ اللَّه جلّ وتقدّس موجود في الآخرة» أي معروف بحسّ البصر مشاهد فيه «للحساب والثواب والعقاب، وليس بموجود» أي مشاهد ومرئيّ في الدنيا «للطاعة والرجاء، ولو كان في الوجود» أي الرؤية والمشاهدة «للَّه (عزّ وجلّ) نقص واهتضام» في الدنيا «لم يوجد في الآخرة أبداً» أي لم يشاهد ولم يرَ فيها - ولو كان - كما لا يحصل في الدنيا.

«ولكنّ القوم» الذاهبين إلى هذه المذاهب الفاسدة «تاهوا وعموا وصمّوا عن الحقّ من حيث لا يعلمون، وذلك قوله (عزّ وجلّ):

﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 72] يعني أعمى عن الحقائق الموجودة، وقد علم ذووا الألباب أنّ الاستدلال على ما هنالك لا يكون إلّا بما هاهنا» يعني أنّ الاستدلال على أحوال الآخرة لا يكون إلّا بما في الدنيا وما يكون فيها.

وقيل: المراد بقوله «ما هناك» صفاته تعالى و«بما هاهنا» الوحي والرسل، يعني: أنّه لا يمكن الاستبداد في معرفته تعالى بالعقل، بل لا بدّ من الرجوع إلى السفراء بينه وبين الخلق بقرينة قوله (عليه السلام): «ومن أخذ علم ذلك» أي علم ذاته وصفاته «برأيه، فطلب وجوده وإدراكه عن معرفة نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك إلّا بُعداً؛ لأنّ اللَّه (عزّ وجلّ) علم ذلك خاصّة» كما ورد: «يا من لا يعلم ما هو إلّا هو (17)».

وقال سيّد الأنبياء: «سبحانك ما عرفناك حقّ معرفتك (18)» فاختصاص ذلك به تعالى معلوم «عند قوم يعلمون ويعقلون ويفهمون» حيث اعترفوا بالعجز عن معرفته.

قال عمران: يا سيّدي، ألا تخبرني عن الإبداع خلق هو أم غير خلق؟

قد تقدّم أنّ الإبداع هو الإرادة، ويجوز إرادتهما هنا، إلّا أنّ إرادة الإيجاد هو الأظهر وهو أحد معاني الإرادة.

قال له الرضا (عليه السلام): «بل خلق ساكن». قيل: أي: نسبة وإضافة بين العلّة والمعلول، فكأنّه ساكن فيهما، أو عرض قائم بمحلّ لا يمكن مفارقته، ويجوز أن يكون معناه: أنّه غير موجود في الخارج «لا يدرك بالسكون» أي أنّه أمر اعتباريّ إضافيّ ينتزعه العقل ولا يشار إليه في الخارج، «وإنّما صار» الإبداع «خلقاً لأنّه شيء محدث»، أي لأنّ هذه النسبة والتأثير غيره تعالى وهو محدث، وكلّ محدَث معلول، فلا يتوهّم أنّه خلق يحتاج إلى تأثير آخر، وهكذا حتّى يتسلسل، «واللَّه الذي أحدثه فصار خلقاً له، وإنّما هو اللَّه (عزّ وجلّ) وخلقه لا ثالث بينهما ولا ثالث غيرهما، فما خلق اللَّه (عزّ وجلّ) لم يعد» أي لم يتجاوز «أن يكون خلقه، وقد يكون الخلق ساكناً ومتحرّكاً ومختلفاً ومؤتلفاً ومعلوماً ومتشابهاً، وكلّما وقع عليه حدّ فهو خلق اللَّه (عزّ وجلّ)» يعني: أنّ الإبداع ممّا يقع عليه الحدود ويعرف بالتعريفات الكاشفة عنه فيكون مخلوقاً.

واعلم أنّ كلّ ما أوجدته الحواس فهو معنى مدرك للحواس، وكلّ حاسّة تدلّ على ما جعل اللَّه (عزّ وجلّ) لها في إدراكها من مسموع أو مبصَر أو مشموم أو مذوق أو ملموس «والفهم من القلب يجمع ذلك» الذي أدركته الحواس «كلّه».

واعلم أنّ الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد خَلَقَ خلقاً مقدَّراً بتحديد وتقدير «وكان الذي خلق» أي الذي خلقه تعالى «خلقين» خبر كان «اثنين»: التقدير والمقدّر، وليس في واحد منهما لون ولا وزن ولا ذوق.

قيل: يجوز أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى ما ورد في الأخبار من أنّ التقدير والمقدَّرات الواقع عليها التقدير داخلة في عالم التكوين، والذي يدخل تحت مقولة التكوين هو القضاء والإمضاء، فيكون التقدير عبارة عن إرادة الخلق والمشيّة الواردة عليه، وتلك الإرادة من صفات الأفعال الحادثة، وكلّ حادث مخلوق إلّا أنّ الإرادة حادثة بنفسها لا بإرادة أخرى، وإلّا لزم التسلسل.

وأمّا المقدّر فهو عبارة عن نقش الصور والحدود والأشكال في عالم التقدير في اللوح المحفوظ أو غيره.

ويجوز أن يكون إشارة إلى ما نصّ عليه طائفة من الحكماء والمتكلّمين من أنّ الجواهر والأعراض المقدّرة بالنسبة إلى حقيقتها لا توصف بلون ولا ذوق ولا وزن ولا طول ولا عرض، وإنّما تلزمها هذه الأمور بالنظر إلى وجودها الخارجيّ.

ألا ترى أنّك تعرّف الإنسان بأنّه حيوان ناطق، فهذه الحقيقة لا تتّصف بالنظر إلى ذاتها بشيء من الأمور المذكورة. نعم، إذا وجد الإنسان في الخارج قارنه الشكل ونحوه.

فيكون قوله: «خلقين اثنين» عبارة عن جميع المخلوقات، «فجعل أحدهما يدرك بالآخر»؛ لأنّ التقدير والمقدّر من الأمور الإضافيّة التي لا تحتاج في التعريف إلى أمر ثالث «وجعلهما مدركين بنفسهما» أمّا المقدّر فيدرك بالتقدير، وأمّا التقدير فمدرك بنفسه.

«ولم يخلق شيئاً فرداً (19) قائماً بنفسه دون غيره» يعني أنّه تعالى لم يخلق شيئاً يشابهه في الوحدانيّة وعدم التركيب، ويكون قائماً بنفسه «للذي» أي لأجل الذي «أراد من الدلالة على نفسه وإثبات وجوده» بأن يستدلّ من ذلك الخلق الذي هو مركّب - وأقلّه التركيب العقليّ - على أنّ له صانعاً؛ «فاللَّه تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ولا يعضده ولا يكنَه»، إلى آخر الحديث، واللَّه العالم (20).

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) لم يذكر هذا الحديث ولا شرحه في نسخة «ر» و«ث»، كما أنّ الرقم الثاني والخمسين في ترقيم الأحاديث غير موجود فيهما، فلعلّه هو هذا الحديث المثبّت في نسخة «ظ» والمطبوع، والمرقّم فيهما بالحادي والخمسين.

(2) عيون الأخبار، ج 1، ص 168 وما بعدها، ضمن ح 1؛ بحار الأنوار، ج 10، ص 310، ح 1.

(3) في المصدر: «هل يجد بُدّاً من أن يجعل...».

(4) في المصدر: «وما لا لون له».

(5) أثبتناه من المصدر.

(6) في المصدر: «ليس بفعل منه ولا كون».

(7) في المصدر: «تغيّر بغير نفسها».

(8) كذا، والجملة غير منسجمة مع ما هو بصدد توضيحه، وهو أنّ اللَّه لا يتأثّر من غيره.

(9) في المصدر: «وفاصلًا».

(10) في المصدر: «أو فاعل».

(11) كذا، والمذكور هنا أربعة لا خمسة.

(12) أثبتناها من المصدر. وفي الأصل: «فبحجج».

(13) في المصدر: «ممّا ذكرناه».

(14) في المصدر: «للإبداع».

(15) في المصدر: «كما تدلّ الحدود التي هي التربيع و...».

(16) في المصدر: «لأنّ اللَّه (عزّ وجلّ) تدرك معرفته بالصفات و...».

(17) بحار الأنوار، ج 10، ص 316.

(18) عوالي اللآلي، ج 4، ص 132، ح 227.

(19) في المصدر: ولم يخلق خلقاً فرداً.

(20) مقاطع كثيرة من هذا الشرح مأخوذة بألفاظها عن لوامع الأنوار للمحدّث الجزائري، الورقة 144 - 151 (مخطوط).

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

الاكثر قراءة في أحاديث وروايات مختارة

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد