الرجلُ الذي سحبَ أمةً كاملةً منَ الهاويةِ الى نورِ الهدايةِ ، الأمَّةُ التي كانتْ تدفنُ الطفلةَ حيةً تحتَ التُرابِ ، صارتْ تُقبِّلُ رأسَ اليتيمِ وتحتضنهُ وتفرشُ لهُ الأرضَ بعدما سَمِعوا مِن فمِ رسولِ اللهِ (صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ) : (أنا وكافلُ اليتيمِ كهاتين في الجَنَّةِ).
رجلٌ واحدٌ غيَّرَ أمةً كاملةً ، صبرَ على أذى الناسِ ، وتحمَّلَ مشاقَ الدعوةِ ، بل إنّهُ كانَ يصبرُ حتى على مَن يرميهِ بالحجارةِ أو بالتُهَمِ كالسحرِ والجنونِ.
ولدتْ المكارمُ والفضائلُ والشمائلُ بولادتهِ في السابعِ عشرَ مِن ربيعِ الأولِ ، فاهتزَّتْ عروشُ الظَلَمَةِ وأديرةِ الكُفرِ ، عاشَ اليُتمَ ومرارةَ الفَقدِ ، إذ نشأَ يتيماً وحيداً لا والدَ يرعاهُ ولا والدةً تحتضنهُ ، ربّتهُ السماءُ وحفظتهُ مِن كُلِّ شرٍّ وسوءٍ ، ورافقتهُ العنايةُ الإلهيةُ في كلِّ محطاتِهِ ، عُرِفَ بالصدقِ والأمانةِ والثِقةِ قبلَ أنْ يُعرفَ بالنبوّةِ والرسالةِ.
أعلنَ دعوتَهُ يومَ كانتْ الناسُ تعكِفُ على الشركِ والكُفرِ ، ثُمَّ أخذَ يشرحُ رسالتَهُ الطاهرةَ الى الناسِ ، يُفرِّقُ بينَ الحقِّ والباطلِ ويُثبِّتُ المفاهيمَ الأخلاقيةَ وينتزعُ الغِلَّ والحِقدَ مِن قلوبِ الناسِ يقولُ فيهِ القرآنُ الكريمُ: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ).
بدَّدَ الجهلَ وجعلَ الناسَ تُحِبُّ العِلمَ ، وراحَ يُعلِّمُ الناسَ بنفسِهِ ويرفعُ من وعيهم وفِكرِهم ، يصفهُ أميرُ المؤمنينَ (عليهِ السلامُ) : (طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ وَأَحْمَى مَوَاسِمَهُ يَضَعُ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ).
إنَّ أصعبَ ما يجدهُ المُصلحُ هوَ غيابُ الوعيِّ عَن الأمَّةِ ، واختلاطُ المفاهيمِ وضربُ القيمِ النبيلةِ ومِن ذلكَ ظهورُ حركةِ الإزدواجيةِ التي يُعبِّرُ عنها القرآنُ بالنفاقِ ، فقد ارتكبَ تلكَ الموجةَ مجموعةٌ مِنَ الناسِ يشتتونَ المؤمنينَ ويوقظونَ الفِتنَ، وهُم في كُلِّ عصرٍ ينشَطونَ بوسوسةِ إبليسَ ومكرهِ ، فعانى الرسولُ الأكرمُ (صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ) مِنهم كثيراً ، كما عانى من المشركينَ، إلا أنَّ أولئكَ كانَ تأثيرُهم أكبرَ لازدواجيتِهم وحيلتِهم بينَ الناسِ ، لكنّهم لم يمنعوا رسولَ الإنسانيةِ مِن تبليغِ دعوتِه بكاملِها ، وإرساءِ معالمِ الدينِ والعدالةِ في مجتمعِ مكّةِ والمدينةِ ، وصارتْ دعوتُهُ الطيبةُ مثالَ الدعواتِ الحَسَنةِ ، بما يملِكُ مِن حكمةٍ إلهيةٍ ، وبصيرةٍ نافذةٍ وعِصمةٍ مُطلقةٍ.
إنَّ الرسولَ الكريمَ يُعَدُّ شخصيةً عظيمةً جِداً في نظرِ العديدِ مِنَ العُلماءِ والمفكرينَ على مختلفِ توجهاتِهم ومشاربِهم ، إذ يقولُ (مايكل هارت) عالِمُ الفَلَكِ والمؤرخُ الأمريكيّ في كتابهِ (الخالدونَ مائةٌ أعظمُهم مُحمّد) : "مُحمّدٌ هوَ الإنسانٌ الوحيدُ في التأريخِ الذي نجحَ نجاحاً مُطلقاً على المُستوى الدينيِّ والدُنيويِّ ، وبعدَ ثلاثةَ عشرَ قِرناً مِن وفاتِهِ فإنَّ أثرَ مُحمّدٍ ما يزالُ قوياً مُتجدّداً" .
ويقولُ (غاندي) أثناءَ حديثِهِ لجريدةِ (ينج إنديا) : "أردتُ أنْ أعرِفَ صفاتُ الرجلِ الذي يملكُ -بدونَ نزاعٍ- قلوبَ ملايينَ البشرِ ".
ويقولُ المؤرخُ والفليسوفُ الأسكتلندي في كتابهِ (البطولةُ وتقديسُ الأبطالِ) : " مُحمّدٌ هوَ قطعةٌ من الحياةِ قد تفطّرَ عنها قلبُ الطبيعةِ، فإذا هيَ شهابٌ قد أضاءَ العالمَ أجمع".
لقد عاشَ الرسولُ (صلَّى اللهُ عليهِ وآلهِ) الألمَ ومرارةَ الحياةِ والزُهدَ ، وصبرَ على قومهِ طويلاً وتحمَّلَ المشاقَ في تثبيتِ رسالةِ اللهِ في قلوبِ المؤمنينَ ، لقد صَمَدَ ولم ينكسرْ حتى أواخرَ حياتِهِ الكريمةِ ، رحلَ عن الدنيا ورحلتْ معهُ الأنوار ُ وعوالمُ القداسةِ والجمالِ عن عمرٍ بلغَ ثلاثةً وستين عاماً في الثامِنِ والعشرينَ من صَفَر سنةَ إحدى عشرةَ للهجرةِ .







محمد عبد السلام
منذ 16 ساعة
إستعراض موجز لحياة السيدة زينب الكبرى
المكياج بلا حدود.. ظاهرة متنامية تُقلق القيم وتُنهك الذات
جيل التسعينات الشعري وصراع الأشكال
EN