انحرف العديد من بني البشر عن الخط التوحيدي الذي أسسته الأديان السماوية وعرّف حدودها الأنبياء والمرسلون، فوقع الكثير من الناس في شباك وفخاخ الخرافات والأديان المبتدعة الزائفة أو المحرفة من الأديان الحقّة التي أدت إلى شلل العقول وانحطاط الأفكار.
ورسالة التوحيد التي دعا إليها الأنبياء والرسل تمتاز بمبدأ نبذ الآلهة المتعددة، وهداية البشرية نحو الإله الواحد الأحد، وإنطلاقاً من هذه المنطلق المهم سعى القران الكريم لتنزيه الأفكار والعقول من الفكرة المشوهة التي تتبنى الاعتقاد بالآلهة المتعددة أو ما يصطلح عليه قرآنياً (الإشراك) أو ( الشرك) . ولا معنى للشرك إلاَّ أن يتَّخذ الإنسانُ مع الله معبوداً , يقول السيد الخوئي (قد): «أن الشرك إنما هو الخضوع لغير الله بما أن الخاضع عبد والمخضوع له رب »(1) ، قال تعالى : ﴿ وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾(2).
قال تعالى ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾(3)، يقول الراغب في مفرداته: (أن النجاسة التامة هي حاصلة للمختص بالشرك)(4) ، فإنّ النجاسة والنجس يطلقان على كل قذارة، (والنجس بفتح الجيم ، عين النجاسة وبكسرها ما لا يكون طاهراً كالثوب النجس هذا في اصطلاح الفقهاء )(5) ، فتتوسع حسب التعريف دائرة شمول بعض الناس بكونهم عين النجاسة كما بيّنت الآية الكريمة ذلك وخصت المشركين بوصفهم (نجَس)
والنجاسة على نوعين: حسّية، وباطنية. وربَّ قائل يقول أن الآية الكريمة لم يثبت منها أن المراد من (النَجَس) النجاسة الشرعية الحسية الاعتبارية لعدم الجزم بتشريعها بالمعنى المذكور ، وأيضاً قد يقال أن المراد من (نجس ) هو المعنى المرتكز في ذهن المتشرعة أي النجاسة في قبال الطهارة ، مما يكشف أنه نفس المعنى المراد في زمن نزول الآية الذي تناقله اللاحق من السابق حتى وصل لزماننا ؛ وقد يقال ، أن المعنى المذكور وان كان مرتكز في ذهن المتشرعة ولكنه لم يثبت كونه المقصود والمراد من الآية الكريمة، بل المعنى هو النجاسة والقذارة المعنوية المناسب لإبعادهم ومنعهم من دخول المسجد الحرام ، فلا يمكن الحكم بأنّ إطلاق كلمة نجس على المشركين تعني أن أجسامهم قذرة كقذارة البول والدم والخمر وما إلى ذلك ، فهي قذارة باطنية سببها إشراكهم بالله وكفرهم، ومن هنا لا يمكن الاستدلال بهذه الآية على نجاسة المشركين، بل ينبغي البحث عن أدلة أُخرى والأمر متروك للفقهاء .
ويرد القطب الراوندي بضده ما يقوله في (فقه القرآن) في خصوص النجس المذكور في الآية ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾(6) : «وليس لاحد أن يقول المراد به نجاسة الحكم لا نجاسة العين ، لان حقيقة هذه اللفظة تقتضي نجاسة العين في الشرع ، وإنما يحمل على الحكم تشبيها ومجازاً ، والحقيقة أولى من المجاز باللفظ . على إنا نحمله على الأمرين ، لأنه لا مانع من ذلك »(7)، وعلى كل الأحوال سواء كانت النجاسة حسية أو باطنية روحية وبأي من المعاني التي تشير الآية الكريمة لها ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ والكلام في أهل الكتاب من النصارى واليهود هل هم من المشركين ؟ وهل يحكم عليهم بالنجاسة أم لا ؟. وللإجابة نقول : أطلقت في الآيات والأخبار لفظة الإشراك عليهما : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾(8).
«أن ( المشرك ) في الآية المباركة لا يعم أهل الكتاب فإنه وإن يعمهم ببعض الاعتبار إلاّ أن المعروف منه مقابل أهل الكتاب ، وبتعبير آخر أهل الكتاب وإن يكونوا من المشركين حقيقة إلاّ أن ظاهره مقابل أهل الكتاب ; ولذا لا يمكن القول بأن المراد من المشرك مجرد من يعبد غير اللّه سبحانه أيضاً فإن هذا المعنى يعم المرائي في عبادته ، كما ورد أنه مشرك »(9) ، روي عن أبي عبدالله الصادق (عليه السلام): «كل رياء شرك»(10). والخلاصة أن الآية الكريمة لا دلالة لها على انهم من المشركين بالمعنى الأخص، فلا جزم بنجاسة المشركين العينية في الآيتين الكريمتين فضلاً عن نجاسة أهل الكتاب، فنحتاج لأثبات نجاسة الكتابي دليل آخر.
نعم، إن اليهود والنصارى قالوا بان ﴿ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾ وبأن ﴿ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ﴾ بل قالت النصارى بالثالوث ﴿ قَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ﴾(11)، وكل هذا كفر ووعد الله القائلين بذلك بسوء العقاب ﴿ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(12)، حيث انهم حاكوا المشركين و ضاهوهم أو (ضَاهئوهم) و والمضاهاة المُضاهَأَةُ المُشاكَلَةُ وقال صاحب العين ضَاهَأْتُ الرجل وضَاهَيْتُه أَي شابَهْتُه(13)، قال تعالى : ﴿ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ﴾(14)، وقال تعالى : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾(15) ، يقول الفيض الكاشاني(رحمه الله) : ( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباًباً من دون الله بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله. وفي الكافي: عن الإمام الصادق (عليه السلام) : « أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم لما أجابوهم، ولكن أحلوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً فعبدوهم من حيث لا يشعرون »(16).
ومن المعروف أنّ اليهود والنصارى لم يقولوا بالخالقية لأحبارهم ورهبانهم، ولم يصلّوا ولم يصوموا لهم ، لكن لما كانوا مغالين لهم بالطاعة ، بحيث كانوا يعتقدون بوجوب تنفيذ كل الأحكام التي تصدر منهم والانقياد والانصياع التام خاص بالله وبما يحكم به ، وليس لأحد أن يحلل أو يحرم للناس إلّا عن طريق الله تبارك وتعالى، وإيكال هذه المهمة لشخص آخر غير الله تعالى هو نوع من أنواع الشرك العملي وهذا النوع من الإشراك هو نجاسة فكرية، وتبقى النجاسة الجسدية الخارجية تحتاج إلى دليل آخر.
والنتيجة المبتغاة من هذا السطور التعريف بان البحث في نجاسة الكتابي أو طهارته موكول الى ادلة اخرى غير الآية الكريمة ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ .
___________________
1- البيان في تفسير القرآن : 1 / 323.
2- سورة النحل :51.
3- التوبة : 28.
4- مفردات ألفاظ القران - للراغب الاصفهاني : 1 / 51.
5- أنيس الفقهاء – القونوي : 1 / 48.
6- التوبة : 28.
7- فقه القران – قطب الدين الراوندي : 1 / 85.
8- التوبة :31.
9- تنقيح مباني العروة (كتاب الطهارة ) : 2 / 177.
10- الكافي : 2 / 414.
11- سورة المائدة : 73.
12- سورة المائدة : 73.
13- لسان العرب : 4 / 2615.
14- سورة التوبة 30.
15- سورة التوبة :31.
16- الكافي : 1 / 70.







اسعد الدلفي
منذ 4 ايام
الاحتباس النفسي وكورونا
أبناؤنا بينَ الواقعِ والمواقع
وعي الاستذكار وضرورة الاعتبار
EN