إن الصداقة عاطفة سامية عالية القدر، واسعة الفائدة، والحديث عنها له نكهة خاصة، مشوقة ، كيف لا، والشارع المقدّس الحكيم قد أقر هذا المعنى الجميل، واسس له فقها خاصاً لمن يريد الغوص في اعماق العلاقة الإنسانية الايمانية الخالصة، فالصديق هو من يصدق في علاقاته معك ظاهراً وباطناً، فعن أبي عبد الله الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال : (لا تكون الصداقة إلا بحدودها ، فمن كانت فيه هذه الحدود أو شيء منها فانسبه إلى الصداقة ومن لم يكن فيه شيء منها فلا تنسبه إلى شيء من الصداقة فأولها أن تكون سريرته وعلانيته لك واحدة ، والثاني أن يرى زينك زينه وشينك شينه ، والثالثة أن لا تغيره عليك ولاية ولا مال ، والرابعة أن لا يمنعك شيئا تناله مقدرته ، والخامسة وهي تجمع هذه الخصال أن لا يسلمك عند النكبات) .
وهذا الارتباط الحاصل من الصداقة تكون أواصره روحية قد حلّت عليها بركات الرحمة الإلهية، ما دامت في حدود مرضاة الله تعالى (ألا وإن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) بل (لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّه لنفسه) ثم يترقي الشارع المقدس في تحفيز المؤمنين على تقوية هذه الأواصر، وجعلها جسوراً ممتدة بينهم فيقدم احدهم للآخر كل ما يملك تقرباً الى الله تبارك وتعالى:(وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) وذلك أقصى ما يفعله الصديق مع صديقه.
ويبين القرآن الكريم أحد ابرز مصاديق هذا الترابط الإيماني المعنون بالصداقة ، وان اهم الأوقات التي يجتمع فيها الناس - وقت الطعام - حيث الجلوس مشتركين على مائدة واحدة فيقول عزّ وجلّ في سورة النور المباركة : (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
فإنّ الإسلام جعل علاقات الأقرباء والأصدقاء أسمى من الأُمور المادية، وهذا يعكسه الصفاء والودّ اللذان يسودان المجتمع الإسلامي الحقيقي، خاصّة بين الأهل والأقرباء والأصدقاء، ولا شك أنّ للصداقة مفهوماً وسيعاً ، وهذه الصداقة تؤدي بالضرورة للتزاور فيما بين الأصدقاء، وتناول الطعام في الزيارات من الواجبات العرفية المشهورة ، ونفهم من ظاهر هذه الآية الكريمة أن الذي لا يسمح بمشاركة صديقه غذاءه، ولا يدخله داره، ولا يأتمنه على نفسه (اهل بيته) – كما عبّرت الآية الكريمة - من خائنة النفس والأعين لا يمكن اعتباره صديقاً، فان من يدخل داراً لصديقه او قريبه، فكأنه دخل في داره واهل ذلك الدار اهله، كونهم نفس ذلك الصديق والقريب، وقد سئل الإمام الباقر (عليه السلام) عن قول اللَّه عزّ وجلّ : ( فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ)، قال : (هو تسليم الرجل على أهل البيت حين يدخل ، ثمّ يردّون عليه فهو سلامكم على أنفسكم)، وقال تعالى: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ).
والملاحظ أنّ الله تبارك تعالى أجاز أن يأكل القريب او الصديق في بيوت أقربائه او أصدقائه من الذين يسمح له بدخول بيوتهم بالضوابط المعروفة، وعدد هذه البيوت أحد عشر بيتاً كما في الآية الكريمة، وان أكلهم هذا بلا استئذان، وبتوفر الإذن من صاحب الطعام يمكن تناول الغذاء العائد لأي شخص، وبذلك لا تبقى ميزة لهذه المجموعة المذكورة، فنفهم وجود خصوصية ما لهذه الفئات المذكورة.
والآية الكريمة لا تريد ان تناقش اعتبار الرضا القلبي او الفعلي لصاحب الطعام فالتحقق من رضاه امر بديهي، و لا يبعد انصراف الآية عن هذا المورد، بل تريد ان تجمع وتحفّز افراد المجتمع على التزاور وتعميق الصلة بين الأقارب والأرحام التي توفر حالة من التقارب المفروض ، وبالخصوص بين الأصدقاء الذين هم خارج دائرة الأرحام حيث الحاجة للتواصل وبناء أواصر الثقة والمحبة بينهم يجب ان تكون مضاعفة لزيادة تعميق تلك الصلة، فتبرز أهمية الصادقة في الشريعة الاسلامية للعيان من خلال هذه الآية الكريمة .







اسعد الدلفي
منذ 4 ايام
الفقرُ الثّقافيّ
أدباء المنصة
في رثاء العقيلة زينب (ع)
EN