Logo

بمختلف الألوان
يُعَدُّ يومُ عاشوراءَ مِنَ الأيّامِ الحزينَةِ التي يستَذكِرُ المؤمنونَ فيهِ الفاجِعَةَ الكُبرى والمُصيبَةَ العَظيمةَ في الإسلامِ، ألا وهِيَ قَتلُ الإمامِ السِّبطِ الحُسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ وثُلّةٍ مِنْ أهلِهِ وأصحابِهِ، وسَبي حرائرِ النبوّةِ ووَدائعِ الإمامَةِ ، هذهِ المُصيبةُ التي بَكى... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
حِلْية أسواق المسلمين: هل تسقط بظهور بعض المحرّمات؟

منذ 12 ساعة
في 2026/09/18م
عدد المشاهدات :80

حسن الهاشمي
الأصل في السوق المسلم أن يكون فضاءً للمعاملة المباحة والرزق الحلال، فظهور بعض المحرّمات فيه لا يعني سقوط هذه الصفة عن السوق كله، وإنما يُنظر إلى المحرّم بحسب موضعه ومنشئه وانتشاره وقدرة المسلم على إنكاره أو تجنّبه.
السوق في المنظور الإسلامي ليس مجرد مكانٍ لتبادل السلع والأموال، وإنما هو ميدانٌ تظهر فيه أخلاق المجتمع، وصدق معاملاته، ونظافة كسبه، وأمانته في البيع والشراء، ولذلك كانت الأسواق في المجتمع المسلم جزءًا من الحياة العامة التي ينبغي أن تسودها المعاملات المحللة، وتُصان فيها الحقوق، ويأمن فيها الناس على أموالهم ومعاملاتهم.
ومن هنا يُطرح السؤال: هل تسقط حِلْية أسواق المسلمين بظهور بعض المحرّمات فيها؟ والجواب أن ظهور بعض المحرّمات في السوق لا يجعل جميع ما فيه محرّمًا، ولا يرفع عنه أصل الإباحة في المعاملات المباحة؛ فالحكم الشرعي يتعلّق بالفعل المحرّم وموضعه وآثاره، ولا يصح أن يتحول وجود المخالفة في جزء من السوق إلى حكمٍ شامل على السوق كله، فكما أن وجود الغش في بعض المتاجر لا يجعل كل التجار غاشّين، ووجود الربا في معاملة لا يجعل كل البيوع ربوية، كذلك وجود بعض المحرّمات لا يعني أن أبواب الرزق الحلال قد أُغلقت.
لقد أقام الإسلام الحياة الاقتصادية على قاعدة واضحة: الحلال بيّن والحرام بيّن، وأراد للمسلم أن يطلب رزقه من الطريق الطيب، وأن يبتعد عن الظلم والغش والربا والخيانة والتدليس، قال تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا) البقرة: 275. فالآية تضع أمام الإنسان حدًّا فاصلًا بين أصل التجارة المشروعة وبين المعاملة المحرّمة، ولذلك لا يصح أن يقال: إن وجود بعض المعاملات المحرّمة في الأسواق يجعل التجارة كلها موضع شبهة أو حرمة، إنما الواجب أن يُعرف الحلال فيُؤخذ به، ويُعرف الحرام فيُجتنب.
ظهور المنكر لا يعني الاستسلام له
لكن عدم سقوط حِلْية السوق بظهور بعض المحرّمات لا يعني السكوت عنها أو تطبيعها، فالمجتمع المسلم مسؤول عن صيانة فضائه العام من المنكرات بحسب الضوابط الشرعية والقدرة والاستطاعة، قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ) آل عمران: 104. فوجود المخالفة يستدعي الإصلاح لا اليأس، والإنكار لا الانسحاب، والوعي لا التعميم.
قد يكون في السوق متجرٌ يبيع ما لا يحل، أو تاجرٌ يمارس الغش، أو معاملةٌ تشتمل على محرّم؛ لكن العلاج ليس في إغلاق باب التجارة الحلال على الناس، وإنما في إزالة المخالفة، وحماية المستهلك، ونشر ثقافة المعاملة الشرعية.
لا تُحرم الحلالَ بجريرة الحرام
ومن الأخطاء المنهجية أن يرى الإنسان بعض مظاهر الفساد في الأسواق، فيحكم على السوق كله بالفساد، أو يرى بعض التجار لا يلتزمون بالضوابط الشرعية فيتهم جميع التجار، والعدل يقتضي التفريق بين الفعل وصاحبه، وبين المعاملة وغيرها، وبين الجزء والكل.
فليس من الحكمة أن تُترك التجارة الحلال لأن بعض الناس يمارسون الحرام، كما لا يصح أن يُرفض التعامل مع أهل السوق جميعًا لمجرد وجود مخالفات في بعض معاملاتهم، بل إن من أعظم الإصلاح أن يبقى الحلال حاضرًا وقويًا في السوق؛ لأن البديل الحلال هو الذي يحاصر الحرام ويضيّق مساحته.
حِلْية السوق مسؤولية مشتركة
حِلْية السوق ليست مسؤولية التاجر وحده؛ فالمشتري شريكٌ في صناعة السوق، حين يرفض الغش، ولا يطلب السلعة المحرمة، ولا يشجع التاجر على التدليس، فإنه يساهم في تنظيف السوق.
والتاجر حين يصدق في وصف سلعته، ويؤدي الأمانة، ويبتعد عن الربا والغش والاحتكار المحرّم، يجعل من متجره موضعًا من مواضع العبادة؛ لأن طلب الرزق الحلال مع الصدق والأمانة يمكن أن يكون من أبواب الطاعة، والجهات المسؤولة كذلك تتحمل مسؤولية الرقابة ومنع الغش وحماية حقوق الناس، حتى يبقى السوق فضاءً للرزق المشروع لا ميدانًا للاستغلال.
إن حِلْية أسواق المسلمين لا تسقط لمجرد ظهور بعض المحرّمات فيها؛ فالحكم لا يُعمّم بلا دليل، والحلال لا يتحول إلى حرام بوجود الحرام إلى جانبه، لكن ظهور المحرّمات ليس أمرًا يُستهان به؛ بل هو جرس إنذار يدعو إلى الإصلاح والتوعية والرقابة وإنكار المنكر بالطرق المشروعة.
فالسوق المسلم الذي تتجاور فيه بعض المخالفات مع المعاملات المباحة لا يحتاج إلى هدم مفهوم السوق الحلال، وإنما يحتاج إلى تقوية الحلال، ومحاصرة الحرام، وحماية الناس من الغش والاستغلال، وترسيخ أخلاق التاجر والمستهلك، فليس المطلوب أن نغادر الأسواق حين يظهر فيها المنكر، بل أن نعمل على أن يكون الحلال فيها هو الأصل الظاهر، والصدق عنوانًا، والأمانة خلقًا، والرزق الطيب غايةً.
أسواق المسلمين في الروايات
وردت عدة روايات في الباب، منها ما رواه الفضيل وزرارة ومحمد بن مسلم عن الإمام الباقر (عليه السلام)، في شراء اللحوم من الأسواق، فقال: (كلوا ما كان في أسواق المسلمين، ولا تسألوا عنه) وسائل الشيعة، كتاب الأطعمة والأشربة، أبواب الذبائح، باب 29، في الأحاديث المتعلقة بأخذ اللحم من سوق المسلمين، وردت روايات أخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام) في الجلود والفراء، منها الأمر بالشراء والصلاة فيها حتى يعلم أنها ميتة بعينها.
وهنا تظهر دقة الفقه الإسلامي: لا يُعمَّم الحكم بالحرمة بسبب وجود بعض المحرمات، كما لا يُعمَّم الحكم بالحلية بسبب عنوان السوق، فإذا كان اللحم في سوق المسلمين وشُكَّ في تذكيته، جرت القاعدة عند هؤلاء المراجع بالشروط المذكورة، أما إذا عُلم أن هذا اللحم بالذات ميتة، فلا يصح القول: هو في سوق المسلمين، إذن هو حلال.
رأي مراجع التقليد في ذلك
هل أن "حِلْية أسواق المسلمين" تجري طبقا للقاعدة الفقهية المعروفة بـ "سوق المسلمين أمارة على التذكية"؟ موقف فقهاء الإمامية واضح في أن وجود بعض المحرّمات أو المخالفات في السوق لا يسقط أصل اعتبار سوق المسلمين، ما لم تتحقق حالةٌ تزيل موضوع القاعدة أو يثبت خلاف الأمارة في مورد معيّن.
رأي السيد السيستاني ينصّ صراحةً على أن سوق المسلمين من أمارات التذكية، فيقول: (لا فرق في الحكم بتذكية ما قامت عليه احدى الأمارات المتقدمة بين صورة العلم بسبق يد الكافر أو سوقه عليه وغيرها إذا احتمل ان ذا اليد المسلم أو المأخوذ منه في سوق المسلمين أو المتصدي لصنعه في بلد الإسلام قد أحرز تذكيته على الوجه الشرعي) وفي منهاج الصالحين يقرر كذلك: (سوق المسلمين، فان ما يوجد فيها من اللحوم والشحوم والجلود محكوم بالتذكية ظاهراً سواء أكان بيد المسلم أم مجهول الحال) منهاج الصالحين للسيد السيستاني ج: 3 ص: 287. وهذا مهم جدًا في محل السؤال: ليس شرطًا أن يكون كل فرد في السوق ملتزمًا، ولا أن تخلو السوق من المخالفات؛ بل المدار على تحقق عنوان سوق المسلمين عرفًا.
وهل وجود الحرام في السوق يسقط اعتبارها؟ كلا، فمجرد وجود بعض المحرمات لا يسقط قاعدة سوق المسلمين، فالمرجع يفرّق بين أمرين: حجية السوق كأمارة في مورد الشك، كالحكم بتذكية اللحم والجلد الموجود في سوق المسلمين، وحرمة بعض المعاملات بعينها، كبيع الخمر، أو لحم الخنزير، أو الميتة، أو آلات القمار، أو المعاملة الربوية، أو الغش، وقد عدّ السيد السيستاني من المعاملات المحرمة: بيع المسكر، والميتة، والمال المغصوب، وما تنحصر منفعته في الحرام، والمعاملة الربوية، والغش.
إذن وجود معاملة محرمة لا يعني أن كل معاملات السوق أصبحت محرمة، كما لا يعني سقوط عنوان سوق المسلمين، بل إن الفقهاء يفسرون اعتبار "سوق المسلمين" بأنه ناشئ من كون السوق بيئةً يغلب فيها المسلمون، فيكون ذلك كاشفًا عن يد المسلم، ويد المسلم أمارة على التذكية.
وهذا هو الاتجاه المنسوب إلى السيد الخوئي؛ فقد نُقل عنه (لا ينبغي الاشكال في أن يد المسلم من الأمارات الحاكمة على أصالة عدم التذكية وتدل على اعتبارها جميع ما ورد في اعتبار سوق المسلمين، لأنه وإن كان أمارة على التذكية إلاّ أن أمّاريته ليست في عرض أمّارية يد المسلم، وإنما هي في طولها بمعنى أن السوق جعلت أمارة كاشفة عن يد المسلم وهي الأمارة على التذكية حقيقة والسوق أمارة على الأمارة، وذلك لأن الغالب في أسواق المسلمين إنما هم المسلمون وقد جعل الشارع الغلبة معتبرة في خصوص المقام) التنقيح في شرح العروة الوثقى للسيد الخوئي، الجزء الثاني، باب الطهارة. كما نُقل هذا التحليل في أبحاث الشيخ الفياض، حيث يقرر (إذا كان بيد المسلم وهو يتصرف فيه بما يلائم التذكية، مثل تعريضه للبيع والاستعمال باللبس والفرش ونحوهما يحكم بأنه مذكّى، على أساس أن يده في هذه الحالة أمارة عليها) منهاج الصالحين للشيخ الفياض، ج3، مسألة 467.
يمكن أن نصوغ المسألة بهذه العبارة: "لا تسقط حُجّية سوق المسلمين بوجود بعض المحرّمات فيه؛ لأن الأمارة لا تتوقف على عصمة أفراد السوق من المخالفة، وإنما المدار على صدق عنوان سوق المسلمين، ما لم يعلم خلاف مقتضى الأمارة في مورد خاص" وهذا ينسجم مع القاعدة الأوسع في الفقه: "لا يُرفع الحكم الثابت في جميع أفراد الموضوع بسبب وجود مخالفات في بعض أفراده".
والخلاصة إن ظهور بعض المحرّمات في سوق المسلمين لا يُسقط عنوان السوق ولا يُبطل أماريته في مواردها؛ لأن اعتبار سوق المسلمين قائم على كونه كاشفًا نوعيًا عن يد المسلم، لا على افتراض عصمة جميع المتعاملين فيه من المخالفة، وإنما تسقط الأمارة في المورد الذي يُعلم أو يُطمأن فيه بخلاف مقتضاها.
حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر،... المزيد
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ... المزيد
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ... المزيد
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام... المزيد
تشير كتابات ومقالات الدكتور فاضل حسن شريف (التي تناول فيها الألفاظ القرآنية والفروق اللغوية...
في تلك المساحة الرمادية الشاسعة التي نطلق عليها تارةً "الحب" وتارةً "الصداقة"، غرسنا معاً...
تطرق الدكتور فاضل حسن شريف في مقالاته ودراساته القرآنية ولغويات المعاجم إلى التمييز بين...
ثمة تواريخُ لا تكتفي بالمرور في تقويم العمر، بل تعسكر في الذاكرة كجيشٍ مدججٍ بالغياب. يوم...


منذ 5 ايام
2026/09/14
عندما ننظر إلى قطعة من الحديد، تبدو لنا كتلة صلبة ساكنة لا يتغير فيها شيء. لكن على...
منذ 6 ايام
2026/09/13
يتناول الدكتور فاضل حسن شريف concept التناسب الهندسي والتناسق الدقيق في كتابات بكونه...
منذ 6 ايام
2026/09/13
مضيق باب المندب هو ممر مائي طبيعي يقع في جنوب البحر الأحمر، ويمثل حلقة وصل مهمة...