بين مضيق باب المندب جنوباً ومضيق هرمز شرقاً، يقف شعبان كأنهما سدان منيعان في وجه العواصف، لا يفصل بينهما إلا الجغرافيا، ولا يجمعهما إلا تاريخ طويل من الصمود والثبات. إنهما أهل اليمن وأهل فارس، قومان جمعت بينهما نبوءات وأحاديث تحدثت عن دورهما في نصرة الحق كلما اشتدت الفتن، وسجّل التاريخ صمودهم الأسطوري في وجه حصار تلو حصار، وعدوان تلو عدوان، حتى غدا كل منهما حصناً لا يُقهر ورقماً صعباً في معادلات القوة.
فأهل اليمن، الذين وصفهم النبي صلى الله عليه وآله بأنهم "ألين قلوباً وأرق أفئدة"وأن "الإيمان يمان والحكمة يمانية" يجمعون بين رقة القلب وصلابة المعدن
عُرف اليمن تاريخياً بأنه "مقبرة الغزاة"، فقد تواترت عليه حملات الغزو منذ الرومان عام 25 قبل الميلاد، مروراً بالعثمانيين والبريطانيين، وكلهم ذاقوا بأس اليمانيين وخرجوا منها مهزومين. وكما وصفهم القرآن على لسان ملكة سبأ: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾، فهم لا يُتربّون على الرفاهية بل على الكفاح والصبر، وتكيّفوا مع أقسى الظروف. وفي روايات أهل البيت، يحمل أهل اليمن راية الهدى والولاء الخالص للإمام علي، إذ دخلت قبائل همدان واليمن بكاملها في الإسلام طوعاً في يوم واحد، ومن هذه الأرض خرج أويس القرني، وخرجت رايات المناصرة التي حملت همّ الهدى، ويُعدّون في الصلابة كزبر الحديد في نصر القائم.
وفي المقابل، يضرب أهل فارس المثل في الصلابة والعلم. قال رسول الله صلى الله عليه وآله: "لو كان العلم بالثريا لتناوله قوم من أبناء فارس". ويُروى أن النبي ﷺ وضع يده على سلمان الفارسي عند قوله "لناله رجال من هؤلاء"، في إشارة إلى أن الإيمان قد يتراجع عند العرب فيأتي من يحمله من أبناء فارس. وقد تحقق هذا الوعد تاريخياً حين صمدت إيران أمام أقسى أنواع الحصار؛ ففي مواجهة حصار بحري أمريكي خانق، انهارت صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر تقريباً، وارتفعت أسعار الوقود، وتدهورت العملة بشكل حاد، ومع ذلك لم تركع طهران، بل حوّلت استراتيجيتها إلى نقل كلفة الحصار إلى الاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز، فانخفضت حركة السفن بنسبة 50%، وتجمّد نحو 10 ملايين برميل يومياً من الإمدادات. بهذا صار هرمز ورقة ضغط استراتيجية بيد طهران، تماماً كما كان صمود فارس عبر التاريخ سيفاً بتاراً في وجه كل من حاول إخضاعها.
واليوم، يتحول المضيقان إلى نقطتي ارتكاز في صراع الإرادات. في باب المندب، كسرت القوات اليمنية مخططات عدة للسيطرة على المضيق، وأحبطت هجمات واسعة حاولت التقدم نحوه. وفي هرمز، أعلنت طهران أن عهد "الردود المتناسبة" انتهى، وهددت بفرض "منطقة محظورة" على الملاحة تتجاوز هرمز نفسه. وما يجمع أهل اليمن وأهل فارس هو أن كليهما لم يسقط بالحصار، بل تحوّل الحصار عندهما إلى دافع للاعتماد على الذات وتحويل المحنة إلى منحة. هم من وصفهم التاريخ بأنهم "زبر الحديد" في الصلابة، يتحملون ما لا يتحمله غيرهم، ويقاومون بما لا يملكه سواهم. فبين المضيقين، تظل راية الهدى مرفوعة في صنعاء، والإيمان راسخاً في فارس، حتى يأتي وعد الله.







وائل الوائلي
منذ 48 دقيقة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN