كرنفالُ الحزنِ بين الأرضِ والسماءِ (11)
حينَ انحنى الثرى هيبةً للدمِ المقدّس
بقلم: أحمد السراي
ثمةَ أيامٌ لا تمرُّ على الزمنِ، بل تمرُّ على القلوبِ… فتورثها ندوباً لا يطويها النسيانُ...
وثمةَ مصائبُ لا تكتفي بأن تُبكي العيونَ، بل تعصفُ بأركانِ الروحِ حتى يصبحَ الحزنُ فيها وطناً مقيماً، وكانَ يومُ دفنِ الأجسادِ الطاهرةِ من تلكَ الأيامِ التي وقفَتْ عندها الساعاتُ واجمةً، وانحنَتْ لها الأعوامُ خاشعةً، وكأنَّ الكونَ كلّهُ قد ارتدى حدادَهُ الأبدي وهو يرقبُ آخرَ فصولِ المأساةِ الحسينيةِ…
لقد أسدلَ الليلُ ستارَهُ على كربلاء، غيرَ أنَّ ظلامَهُ لم يكن أشدَّ سواداً من ذلك الحزنِ المتمدّدِ فوقَ الرمالِ، كانَتِ الأرضُ ما تزالُ تحتفظُ بحرارةِ الدماءِ الزكيةِ، والريحُ تمرُّ على مصرعِ الشهداءِ كأنَّها تتهجى أسماءهم شهقةً شهقةً، فيما بقيَتِ الأجسادُ المطهرةُ مضرجةً بأوجاعها، شاهدةً على جريمةٍ لم تعرف الإنسانيةُ لها نظيراً في القسوةِ والوحشيةِ.
وفي ذلكَ اليومِ المهيبِ، أقبلَ الإمامُ زين العابدين (عليه السلام) نحو الطفوفِ، لا يمشي على أرضٍ من ترابٍ، بل فوقَ بحرٍ من الأحزانِ المتلاطمةِ، كانَ يحملُ في صدرِهِ إرثَ المصيبةِ كلها، وفي عينيه بقايا المشاهدِ التي لم تغادرْ ذاكرتَهُ منذُ أن أُضرمَتِ النارُ في الخيامِ، وسُبيَتِ الحرائرُ، وخضَّبَتِ الدماءُ وجهَ الصحراءِ…
ساعدَ الله قلبه، ذاك الذي استطاعَ أن يقفَ أمامَ جسدِ أبيه الحسين (عليه السلام)، أيُّ روحٍ تطيقُ أن تجمعَ أشلاءَ النورِ المبعثرةِ على رمضاء كربلاء؟
كانتِ الجروحُ أكثرَ من أن تُعدَّ!
لقد تناوبَتِ الطعناتُ على الجسدِ الشريفِ حتى كأنَّها أرادَتْ أن تطفئ شمسَ الرسالةِ، غير أنَّ الدمَ الطاهرَ كانَ يكتبُ بفيضِهِ الخالدِ سطورَ الخلودِ فوقَ جبينِ الحياةِ…
وقفَ الإمام السجاد (عليه السلام) عندَ الجسدِ المباركِ، فأطبقَتِ المأساةُ على أنفاسِهِ، وغامَتِ الدنيا في عينيه.
أخذَ يحدّقُ في ذلك الجسدِ الذي أثخنَتْهُ السهامُ والرماحُ، وكأنّهُ يبحثُ بين الجراحِ عن بقيةِ قلبِهِ!
كَانَتِ الرمالُ تضمُّ الإمام الحسين كما تضمُّ الأمُّ طفلها الأخيرَ، وكانَتِ السماءُ تنظرُ إلى المشهدِ بعينٍ دامعةٍ، إذ لم يكن في الأرضِ ما هو أعظمُ من تلك الجثةِ التي احتضنَتْ مبادئ السماءِ كلها، ثم مضى بينَ الشهداءِ، يودعُ قمراً إثرَ قمرٍ، وكوكباً إثرَ كوكبٍ، فإذا بلغَ العباس (عليه السلام) خنقَتْهُ العبرةُ، فها هو ساقي العطاشى يرقدُ على ضفةِ الوفاءِ، مقطوعٍ الكفين، نازفَ البطولةِ، وكأنَّ النهرَ نفسَهُ كانَ يبكيه، ويعتذرُ إليه لأنّهُ لم يستطع أن يبلَّ شفتيه بجرعةِ ماءٍ…
وحينَ وقفَ عندَ علي الأكبر (عليه السلام)، رأى ربيعَ الشبابِ مضرَّجاً بدمِهِ، فرأى في وجهِهِ صورةَ الحسين (عليه السلام)، وفي شهادتِهِ انكسارَ قلبِ الأب الذي قدّمَ فلذةِ روحه قرباناً لله (تعالى)…
أما القاسمُ، ذلك الغصنُ الهاشمي الندي، فقد بدا كزهرةٍ داستها سنابكُ الغدرِ قبلَ أن تكتملَ مواسمُ تفتحها…
ثم تمتدُّ المأساةُ إلى الرضيعِ عبد الله، فتخرسُ الكلماتُ، ويتوارى البيانُ خجلاً من عجزِهِ، فما الذي يمكنُ أن يقالَ أمامَ طفلٍ لم يحمل إلى الدنيا سوى براءتَهُ، فاستقبلَتْهُ يدُ الجريمةِ بسهمٍ ذبحَ الطفولةَ على صدرِ أبيه!
هناك لا يبقى للغةِ سلطانٌ، ولا للفصاحةِ مجالٌ، فالمصيبةُ أكبرُ من أن تروى، وأوجعُ من أن تُحكى...
وكانَ الإمام السجاد (عليه السلام) كلما وارى جسداً تحتَ الترابِ، أحسَّ أن جزءاً من روحِهِ يوارى معه، لم يكن يدفنُ أجساداً فحسب، بل كانَ يدفنُ ذكرياتِ الطفولةِ، وأيامَ الأنسِ، وأصواتَ الأحبةِ، وظلالَ الوجوه التي كَانَتْ تملأ حياتَهُ دفئاً وطمأنينةً...
وكلُّ حفنةِ ترابٍ كانت تهوي على صدرِ شهيدٍ، كانت تهوي معها صاعقةٌ على قلبِ الإمامِ المثقلِ بالجراحِ…
ولم تكن تلك المراسمُ الجنائزيةُ حدثاً أرضياً وحسب، بل كانت ملحمةً كونيةً مهيبةً، فالملائكةُ تحفُّ بالمكانِ، والسماءُ تنثرُ دموعها على هيئةِ أنينٍ مكتومٍ، والأرضُ ترتجفُ تحتَ وطأةِ الحزنِ، وكأنَّ الوجودَ بأسرِهِ يشاركُ في تشييعِ الصفوةِ التي ارتقَتْ إلى الله تعالى مذبوحةً عطشى…
ومنذُ ذلك اليوم، لم يعد الترابُ تراباً، بل صارَ ذاكرةً تنبضُ بالشهادةِ، ولم تعد كربلاء أرضاً كسائرِ الأرضين، بل غدت قلباً يخفقُ في ضميرِ الإنسانيةِ، ومنارةً يتوارثُ الأحرارُ نورها جيلاً بعد جيلٍ، أما ذلك المشهدُ الخالدُ، مشهد السجاد (عليه السلام) وهو يجمعُ الأجسادَ المقطعةَ ويواريها الثرى بيدٍ مرتجفةٍ وقلبٍ منكسرٍ، فقد بقيت صورةً أبديةً تختصرُ معنى الوفاءِ والصبرِ والاحتسابِ.
سلامٌ على السجادِ يومَ حملَ أثقالَ المصيبةِ وحدَهُ، وسلامٌ على الأجسادِ التي عانقَتِ الثرى لتعلّمَ الدنيا كيفَ يكونُ الخلودُ، وسلامٌ على الحسين (عليه السلام) وأهلِ بيتِهِ وأصحابه، يومَ تناثرَتْ أجسادهم على الرمالِ، ويومَ احتضنتهم كربلاءُ في ثراها، ويومَ أشرقَتْ من دمائهم شمسٌ لا يأفلُ نورها ما دامَتِ السماءُ والأرضُ.







محمد عبد السلام
منذ 22 ساعة
لبيك يا حسين
المفكرون المغاربة وفعل التثاقف.... رأي
العمامة والشعر
EN