جاء في تفسير الميزان للسيد الطباطبائي: قوله تعالى "وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" ﴿البقرة 23﴾ وقوله تعالى: " فأْتُواْ بِسورة من مثله" ﴿البقرة 23﴾ أمر تعجيزي لإِبانة إعجاز القرآن، وأنه كتاب منزل من عند الله لا ريب فيه، إعجازاً باقياً بمر الدهور وتوالي القرون، وقد تكرر في كلامه تعالى هذا التعجيز كقوله تعالى: "قل لئن اجتمعت الإِنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً" (الإسراء 88)، وقوله تعالى: "أم يقولون افتراه قل فأْتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إنْ كنتم صادقين" (هود 13). وعلى هذا فالضمير في مثله عائد إلى قوله تعالى: " مما نزلنا"، ويكون تعجيزاً بالقرآن نفسه وبداعة أسلوبه وبيانه. ويمكن أن يكون الضمير راجعاً إلى قوله: " عبدنا"، فيكون تعجيزاً بالقرآن من حيث أن الذي جاء به رجل أُمي لم يتعلم من معلم ولم يتلق شيئاً من هذه المعارف الغالية العالية والبيانات البديعة المتقنة من أحد من الناس فتكون الآية في مساق قوله تعالى: "قُل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون" (يونس 16)، وقد ورد التفسيران معاً في بعض الأخبار. واعلم: أن هذه الآية كنظائرها تعطي إعجاز أقصر سورة من القرآن كسورة الكوثر وسورة العصر مثلاً، وربما يحتمل من رجوع ضمير مثله إلى نفس السورة كسورة البقرة أو سورة يونس مثلاً يأباه الفهم المستأنس بأساليب الكلام إذ من يرمي القرآن بأنه افتراء على الله تعالى إنما يرميه جميعاً ولا يخصص قوله ذاك بسورة دون سورة، فلا معنى لرده باتحدي بسورة البقرة أو بسورة يونس لرجوع المعنى حينئذٍ إلى مثل قولنا: وإن كنتم في ريب من سورة الكوثر أو الإِخلاص مثلاً فأْتوا بسورة مثل سورة يونس وهو بيّن الاستهجان هذا. (الإِعجاز وماهيته) اعلم: أن دعوى القرآن أنها آية معجزة بهذا التحدي الذى أبدته هذه الآية تنحل بحسب الحقيقة إلى دعويين، وهما دعوى ثبوت أصل الإِعجاز وخرق العادة الجارية، ودعوى أن القران مصداق من مصاديق الإِعجاز، ومعلوم أن الدعوى الثانية تثبت بثبوتها الدعوى الأولى، والقرآن أيضاً يكتفي بهذا النمط من البيان ويتحدى بنفسه فيستنتج به كلتا النتيجتين، غير أنه يبقى الكلام على كيفية تحقق الإِعجاز مع اشتماله على ما لا تصدقه العادة الجارية في الطبيعة من استناد المسببات إلى أسبابها المعهودة المشخصة من غير استثناء في حكم السببية أو تخلف، واختلاف في قانون العلية، والقرآن يبين حقيقة الأمر ويزيل الشبهة فيه. فالقرآن يشدق في بيان الأمر من جهتين. الأولى: أن الإِعجاز ثابت ومن مصاديقه القران المثبت لأصل الإِعجاز ولكون منه بالتحدي. الثانية: أنه ما هو حقيقة الإِعجاز؟ وكيف يقع في الطبيعة أمر يخرق عادتها وينقض كلّيتها.
(إِعجاز القرآن) لا ريب في أن القرآن يتحدى بالإِعجاز في آيات كثيرة مختلفة، مكية ومدنية، تدل جميعها على أن القرآن آية معجزة خارقة، حتى أن الآية السابقة أعني قوله تعالى: " وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأْتوا بسورة من مثله" الآية، أي من مثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم استدلال على كون القرآن معجزة بالتحدي على إتيان سورة نظيرة سورة من مثل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لا أنه استدلال على النبوة مستقيماً وبلا واسطة، والدليل عليه قوله تعالى في أولها: " وإن كنتم في ريب مما نزَّلنا على عبدنا" ولم يقل وإن كنتم في ريب من رسالة عبدنا، فجميع التحديات الواقعة في القرآن نحو استدلال على كون القرآن معجزة خارقة من عند الله، والآيات المشتملة على التحدي مختلفة في العموم والخصوص، ومن أعمها تحدياً قوله تعالى: "قل لئن اجتمعت الإِنس والجن على أنْ يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً" (الإسراء: 88)، والآية مكية وفيها من عموم التحدي ما لا يرتاب فيه ذو مسكة. فلو كان التحدي ببلاغة بيان القرآن وجزالة أسلوبه فقط لم يتعد التحدي قوماً خاصاً، وهم العرب العرباء من الجاهليين والمخضرمين قبل اختلاط اللسان وفساده، وقد قرع بالآية أسماع الإِنس والجن. وكذا غير البلاغة والجزالة من كل صفة خاصة اشتمل عليها القرآن كالمعارف الحقيقية والأخلاق الفاضلة والأحكام التشريعية والأخبار المغيبة ومعارف أُخرى لم يكشف البشر حين النزول عن وجهها النقاب إلى غير ذلك، كل واحد منها مما يعرفه بعض الثقلين دون جميعهم، فإطلاق التحدي على الثقلين ليس إلاَّ في جميع ما يمكن فيه التفاضل في الصفات. فالقرآن آية للبليغ في بلاغته وفصاحته، وللحكيم في حكمته، وللعالم في علمه، وللاجتماعي في اجتماعه، وللمقننين في تقنينهم، وللسياسيين في سياستهم، وللحكام في حكومتهم، ولجميع العالمين فيما لا ينالونه جميعاً كالغيب والاختلاف في الحكم والعلم والبيان.
ومن هنا يظهر أن القرآن يدعي عموم إعجازه من جميع الجهات من حيث كونه إعجازاً لكل فرد من الإِنس والجن من عامة أو خاصة أو عالم أو جاهل أو رجل أو امرأة أو فاضل بارع في فضله أو مفضول إذا كان ذا لب يشعر بالقول، فإن الإِنسان مفطور على الشعور بالفضيلة وإدراك الزيادة والنقيصة فيها، فلكل إنسان أن يتأمل ما يعرفه من الفضيلة في نفسه أو في غيره من أهله ثم يقيس ما أدركه منها إلى ما يشتمل عليه القرآن فيقضي بالحق والنصفة، فهل يتأتى القوة البشرية أن تختلف معارف إلهية مبرهنة تقابل ما أتى به القرآن وتماثله في الحقيقة؟ وهل يمكنها أن تأتي بأخلاق مبنية على أساس الحقائق تعادل ما أتى به القرآن في الصفاء والفضيلة؟ وهل يمكنها أن يشرّع أحكاماً تامّة فقهية تحصي جميع أعمال البشر من غير اختلاف يؤدي إلى التناقض مع حفظ روح التوحيد وكلمة التقوى في كل حكم ونتيجته، وسريان الطهارة في أصله وفرعه؟ وهل يمكن أن يصدر هذا الإِحصاء العجيب والإِتقان الغريب من رجل أُمي لم يتربَ إِلاَّ في حجر قوم حظهم من الإِنسانية على مزاياها التي لا تحصى وكمالاتها التي لا تغيّا أن يرتزقوا بالغارات والغزوات ونهب الأموال وأن يئدوا البنات ويقتلوا الأولاد خشية إملاق ويفتخروا بالآباء وينكحوا الأمهات ويتباهوا بالفجور ويذموا العلم ويظاهروا بالجهل وهم على أنفتهم وحميتهم الكاذبة أذلاء لكل مستذل وخطفة لكل خاطف فيوماً لليمن ويوماً للحبشة ويوماً للروم ويوماً للفرس؟ فهذا حال عرب الحجاز في الجاهلية. وهل يجترئ عاقل على أن يأتي بكتاب يدعيه هدىً للعالمين ثم يودعه أخباراً في الغيب مما مضى ويستقبل وفيمن خلت من الأمم وفيمن سيقدم منهم لا بالواحد والاثنين في أبواب مختلفة من القصص والملاحم والمغيبات المستقبلة ثم لا يتخلف شيء منها عن صراط الصدق؟. وهل يتمكن إنسان وهو أحد أجزاء نشأة الطبيعة المادية، والدار دار التحول والتكامل، أن يداخل في كل شأن من شؤون العالم الإِنساني ويلقي إلى الدنيا معارف وعلوماً وقوانين وحكماً ومواعظ وأمثالاً وقصصاً في كل ما دقّ وجل ثم لا يختلف حاله في شيء منها في الكمال والنقص وهي متدرجة الوجود متفرقة الإِلقاء وفيها ما ظهر ثم تكرر وفيها فروع متفرعة على أصولها؟ هذا مع ما نراه أن كل إنسان لا يبقى من حيث كمال العمل ونقصه على حال واحدة.







اسعد الدلفي
منذ 1 يوم
لغتنا المحتضرة
العالَم يُكرِّم بابل الحَضارة والتَّاريخ، نَحْنُ والتَّاريخ والوَاقِع
الإصلاح الثقافي .. من أين نبدأ ؟
EN