سلسلة مفاهيم في الفيزياء
الجزء الثامن والتسعون: كيف نبني نظام إحداثيات لورنتز في زمكان مينكوفسكي؟
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
17/03/2026
الآن، إذا قمنا بمقارنة إحداثيات الزمن الأصلية الناتجة عن استخدام الساعة الرئيسية في طريقتنا مع إحداثيات الزمن الأخرى الناتجة عن اختيار الساعة الهدف 2 كساعة مرجعية، تظهر أمامنا ظاهرة لافتة للنظر. فعندما تكون الساعة الرئيسية والساعة الهدف 2 متجاورتين وتشيران معًا إلى الساعة 12:00، تكونان في تلك اللحظة متزامنتين تمامًا وفق النظامين. غير أن تتبع تطور قراءاتهما لاحقًا يكشف اختلافًا مهمًا في كيفية وصف الزمن داخل كل نظام إحداثي.
ففي النظام الإحداثي المبني على الساعة الرئيسية، نلاحظ أن الساعة الهدف 2 تشير إلى 12:02 عند نقطة تقع فوق سطح التساوي الزمني 12:02 في ذلك النظام. وبصياغة مألوفة في لغة النسبية، يمكن القول إن الساعة الهدف 2 تبدو — وفق إحداثيات الساعة الرئيسية — وكأنها «تدق ببطء» .
غير أن الصورة تنقلب تمامًا عندما ننظر إلى المسألة من النظام الإحداثي الآخر. ففي النظام الذي تتخذ فيه الساعة الهدف 2 مرجعًا زمنيًا، نجد أن الساعة الرئيسية هي التي تشير إلى 12:02 فوق سطح التساوي الزمني 12:02 الخاص بذلك النظام. ومن ثم يبدو — ضمن هذا الوصف — أن الساعة الرئيسية هي التي «تدق ببطء» .
وهنا تتضح حقيقة أساسية: لا توجد حقيقة موضوعية تحدد أي ساعة هي التي «تدق ببطء فعلاً». فالوصف يعتمد بالكامل على نظام الإحداثيات الذي اخترناه لبناء شبكة الزمن في الزمكان. وما يظهر كتمدد زمني في أحد الأنظمة يمكن أن يظهر بصورة معاكسة في نظام آخر.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بدقة بين هذا النوع من الظواهر المرتبطة بالإحداثيات وبين الظواهر الفيزيائية الحقيقية. فهناك بالفعل حقيقة موضوعية تمامًا بشأن أيٍّ من التوأمين يخرج أصغر سنًا بعد الرحلة. وهذه الحقيقة لا تعتمد على اختيار نظام إحداثي معين، بل تنبع مباشرة من البنية الهندسية للمسارات التي يسلكها كل منهما في الزمكان. إن الخلط بين هذا التأثير الفيزيائي الموضوعي وبين ما يسمى بالتمدد الزمني المعتمد على الإحداثيات يعد مصدرًا شائعًا للارتباك في فهم النسبية.
حتى هذه المرحلة، كنا قد وصفنا طريقة فيزيائية واضحة لتعيين الإحداثيات الزمنية لجميع الأحداث في فضاء منكوفسكي باستخدام ساعة مرجعية تتحرك على مسار عطالي يُختار بصورة اعتباطية. لكن بناء نظام إحداثي كامل يتطلب خطوة إضافية: يجب أيضًا إسناد إحداثيات مكانية إلى الأحداث، بحيث نحصل على شبكة كاملة من الإحداثيات الزمكانية.
ولتحقيق ذلك، يمكن اختيار ثلاثة محاور مكانية متعامدة على الطريقة المألوفة في الهندسة الإقليدية. ويمكن تخيّل أن الساعة الرئيسية تحمل ثلاثة أسهم متعامدة مثبتة عليها، بحيث يحدد كل سهم اتجاه أحد المحاور المكانية. ومن المهم في هذا السياق أن تكون الساعة الرئيسية غير دوّارة، أي أنها لا تخضع لدوران بالنسبة إلى الفضاء المحيط بها. وقد أشار اسحاق نيوتن إلى أن مثل هذا الدوران يمكن التحقق منه تجريبيًا من خلال آثاره الفيزيائية.
في هذا البناء تعمل الساعة الرئيسية كنقطة الأصل المكاني لنظام الإحداثيات، ولذلك تكون إحداثياتها معروفة مسبقًا. لكن علينا أيضًا أن نُسنِد إحداثيات مكانية لكل ساعة أخرى من الساعات المشتركة في الحركة.
ولتوضيح الفكرة، يمكننا أن نركز أولًا على أحد المحاور المكانية فقط، على أن تُطبَّق الطريقة نفسها لاحقًا على المحورين الآخرين. فإذا كانت الساعة الرئيسية مزودة بسهم يشير في اتجاه محور معين، يمكنها إرسال إشارات ضوئية في ذلك الاتجاه. ولن تستقبل هذه الإشارات إلا الساعات المشتركة في الحركة التي تقع على امتداد ذلك المحور. وهكذا تتحدد الساعات التي تشغل الاتجاه الموجب للمحور المختار، بينما تكون إحداثياتها على المحورين الآخرين مساوية للصفر. أما إرسال الضوء في الاتجاه المعاكس فيحدد الاتجاه السالب للمحور نفسه.
يبقى السؤال الأساسي: ما القيمة العددية التي ينبغي إسنادها كإحداثي مكاني لكل ساعة من هذه الساعات؟
المعلومة الوحيدة التي يمكن الحصول عليها مباشرة من الساعة الرئيسية هي زمن الذهاب والإياب الذي يستغرقه الضوء للوصول إلى ساعة مشتركة في الحركة ثم العودة منها. ولأن هذه الساعات تتحرك عطاليًا بالنسبة للساعة الرئيسية، فإن زمن الذهاب والإياب يبقى ثابتًا.
فإذا استغرق الضوء دقيقتين في رحلته الكاملة ذهابًا وإيابًا، فإن الخطوة الطبيعية هي تفسير نصف هذا الزمن على أنه زمن الرحلة في اتجاه واحد. وبما أن الضوء يحدد المقياس الطبيعي للسرعة في النسبية، فإن هذا الزمن يمكن تحويله مباشرة إلى مسافة مكانية.
وبهذا المعنى، فإن ساعة مشتركة في الحركة يستغرق الضوء دقيقتين للوصول إليها والعودة منها تكون على بعد دقيقة ضوئية واحدة من الساعة الرئيسية. ولذلك يمكن إسناد الإحداثي المكاني x=+1 لتلك الساعة إذا كانت تقع في الاتجاه الموجب للمحور المختار. أما الساعة التي تقع على المسافة نفسها في الاتجاه المعاكس، فتُسند لها القيمة x=-1 .
وباستخدام هذا المبدأ نفسه، يمكن تحديد الإحداثي المكاني لكل ساعة مشتركة في الحركة تقع على امتداد ذلك المحور. ثم تُطبَّق الطريقة ذاتها على المحورين الآخرين، بحيث يحصل كل مسار من مسارات الساعات المشتركة في الحركة على ثلاث قيم إحداثية مكانية.
وعند تكرار هذا الإجراء لجميع الساعات في الشبكة، تصبح لكل ساعة مشتركة في الحركة إحداثيات مكانية ثلاثية (x,y,z)، إلى جانب إحداثيها الزمني. وهكذا نحصل في النهاية على نظام إحداثيات كامل في الزمكان، وهو ما يُعرف بنظام احداثيات لورنتز في فضاء مينكوفسكي .
وبذلك نكون قد أنشأنا بصورة عملية نظام إحداثيات كامل في الزمكان اعتمادًا فقط على الضوء والساعات العطالية، وهو ما يكشف مرة أخرى كيف يمكن للبنية الهندسية للنسبية أن تنبثق مباشرة من أدوات فيزيائية قابلة للرصد.
يتبع في الجزء 99…







اسعد الدلفي
منذ 1 يوم
وخدشت الثقافة العراقية
إعمار البصرة
المرجعية صرح شاهق
EN