Logo

بمختلف الألوان
في وطنٍ تئنُّ روحه من ثِقل الأيام، وتتوقُّ أجياله إلى فجرٍ يمحو ظلام اليأس، انبعث نورٌ من قلب مدينة مقدسة، نورٌ يملأ الوطن ضياءً، وأيدٍ أمينة تعانق آماله واحلامه. سطع نور العتبة العباسية المقدسة، التي لطالما كانت مَوئِلاً للعلم والمعرفة، لتتجاوز دورها الديني وتصبح حاضنة حقيقية للطاقات الشابة،... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الضمير: قراءة علمية في ماهية صوت الإنسان الداخلي

منذ 3 شهور
في 2025/11/28م
عدد المشاهدات :860
الضمير: قراءة علمية في ماهية صوت الإنسان الداخلي
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
26/11/2025

لطالما وقفتُ أمام ذلك الشعور الداخلي الذي يرافق لحظات اتخاذ القرار، ذلك الإحساس الذي يتأرجح بين التأنيب حينًا والتشجيع حينًا آخر، تبعًا لطبيعة الفعل والسياق الأخلاقي الذي يحيط به. وكان هذا التقلّب يدفعني إلى التساؤل عن مصدر هذا الصوت الخفي الذي ينبثق من أعماق التجربة الإنسانية: فإذا كان العقل هو المركز المعرفي الذي يصدر عنه الحكم ويوجّه السلوك، فلماذا يعود فيسترجع قراراته بعد اتخاذها، ليبث في النفس حالة من اللوم أو الرضا، وكأنه يمارس مراجعة ذاتية تتجاوز حدود الوظائف العصبية المألوفة بدا لي هذا السؤال مفتاحًا لفهم ما يطلق عليه الناس اسم "الضمير"، ذلك المفهوم الذي لا يزال غامضًا رغم شيوعه، والذي يُستدعى في وصف السلوك البشري بوصفه قوة داخلية تُمحّص الفعل وتعيد تقييمه، وتجعل من النفس مرآة صافية لأفعالها وأحكامها الأخلاقية.
وقد لا يكون الضمير مجرد إحساس عابر أو انفعال لحظي، بل عملية مركّبة تتداخل فيها المعرفة الأخلاقية مع الانفعال والذاكرة وتكوّن الشخصية، وهو ما يجعل كل مراجعة ذاتية تجربة فريدة، تختلف بتفاوت الفرد وخبراته وقيمه. والتساؤل عن موقعه الجسدي أو آليته العصبية ليس سؤالًا بسيطًا؛ إذ إن العلوم الحديثة لم تُثبت وجود عضو معيّن يمكن نسب الضمير إليه، بل أكّدت أن التقييم الأخلاقي ينشأ من شبكة واسعة داخل الدماغ تشمل القشرة الجبهية الأمامية المسؤولة عن اتخاذ القرار والتخطيط الأخلاقي، واللوزة الدماغية التي تضطلع بتفسير الانفعالات مثل الشعور بالذنب والخوف من نتائج الأفعال، والحصين الذي يربط الحاضر بخبرات الماضي ويُمهّد لمعالجة الذكريات بما يعزز صوابية الحكم. ووفق هذا الفهم، يصبح الضمير تعبيرًا عن منظومة معرفيةعاطفية تتشكل عبر تجارب الفرد وقيمه وتربيته، ولا يمكن ردّها إلى موضع محدد أو بنية واحدة.
ومع ذلك، فقد أثارت بعض الظواهر الطبية أسئلة إضافية حول العلاقة بين القلب والمشاعر، خصوصًا لدى المرضى الذين خضعوا لعمليات زرع قلب. ففي بعض الحالات النادرة، ظهرت تغيّرات في السلوك أو في الميول العاطفية بعد العملية، مما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن القلب يحمل خصائص وجدانية أو "ذاكرة عاطفية" تنتقل مع العضو المزروع. غير أنّ الدراسات السريرية المحكمة تشير إلى أنّ هذه التغيرات يمكن تفسيرها من خلال عوامل نفسية ودوائية معروفة، مثل الصدمة المرتبطة بالعملية، أو تأثير العلاجات المثبّطة للمناعة، أو الشعور بالامتنان للمتبرّع، ولا تدلّ بأيّ وجه على انتقال السمات الأخلاقية أو الوجدانية من شخص إلى آخر عبر القلب. فالقلب، رغم امتلاكه شبكة عصبية تنظّم إيقاعه ووظائفه، لا يختزن قيَمًا أو مشاعر أو ذاكرة، ولا يشكّل مركزًا للضمير كما تُصوّره بعض القراءات الشعبية، إلا أنه يظل مشاركًا غير مباشر من خلال تأثيره على المزاج والحالة الفسيولوجية العامة التي بدورها تؤثر على الانفعال النفسي.
وقد ازداد لديّ هذا التساؤل حين لاحظت شيوع تعابير مثل "الضمير الميت" أو "الضمير اليقظ"، وهي أوصاف تُستعمل للتعبير عن اختلاف حساسية الأشخاص تجاه الأفعال الأخلاقية. ورغم طابعها المجازي، إلا أنها تشير إلى حقيقة نفسية مفادها أن الضمير ليس ظاهرة ثابتة، بل بنية قابلة للتقوية أو التبلّد بحسب السياق الاجتماعي والبيئي والتربوي. فالضمير اليقظ يرتبط بقدرة الإنسان على المراجعة النقدية لسلوكه واستحضار القيم التي آمن بها، بينما يشير "موت الضمير" إلى حالة من الانفصال بين الفعل ومعاييره الأخلاقية، أي ضعف قدرة الفرد على استشعار خطأ أفعاله أو نتائجها على الآخرين، وقد يؤدي هذا إلى تراكم القرارات الخاطئة على مستوى الفرد والمجتمع معًا.
وما زال يثير فضولي نشاط الضمير في لحظات الخلوة، عندما يهدأ ضجيج العالم الخارجي وتصبح النفس أكثر قدرة على مخاطبة ذاتها بصدق وعمق، بعيدًا عن التشتت والانحيازات اليومية. وقد بيّنت الأبحاث العصبية أن الدماغ يدخل في هذه اللحظات في نمط يُعرف باسم "شبكة الوضع الافتراضي"، وهي حالة يزداد فيها نشاط المناطق المسؤولة عن استرجاع الذاكرة وتحليل الذات وتقييم القرارات السابقة. وفي هذا السياق يبدو الضمير وكأنه يستيقظ حين يغيب التشويش الخارجي، فيبدأ الفرد بمساءلة أفعاله بطريقة أكثر شفافية وعمقًا مما لو كان غارقًا في صخب الحياة اليومية.
إن محاولة تحديد الضمير داخل عضو أو موضع معيّن تُعدّ تبسيطًا لظاهرة أكثر تعقيدًا. فالضمير لا يُختزل في نبضة، ولا في إشارة كهربائية واحدة، ولا في جزءٍ محدّد من الجسد، بل هو حصيلة تفاعل معقّد بين البنية العصبية، والتجربة الحياتية، والخبرة الروحية، والقيم الثقافية والاجتماعية التي تشكّل إطارًا عامًا للحكم الأخلاقي. إنه القدرة الإنسانية على الربط بين الفعل ومعناه، وبين الحرية ومسؤوليتها، وبين الذات وصورتها في مرآة الحقيقة، بما يجعل من كل قرار فرصة لتشكيل الشخصية وصقل الأخلاق.
وبهذا المعنى، يصبح الضمير ليس مصدرًا واحدًا، بل هو صوت تتشارك في تكوينه المعرفة والعاطفة والذاكرة، وتعيد صياغته التجارب والخيارات التي يمر بها الإنسان. وكلما اتسعت خبرة الفرد وعُمّقت قيمه، ازداد الضمير وضوحًا وحضورًا، وكلما تراكمت على النفس طبقات التبرير والمصلحة الضيقة، بهت هذا الصوت حتى يوشك أن يخفت أو يضيع. فالضمير في النهاية ليس جهازًا يكتشفه العلم بقدر ما هو ميزة إنسانية تُعرّف علاقتنا بذواتنا وبالآخرين، وتمنح للفعل البشري معناه الأخلاقي الأعمق، وتذكر الإنسان دائمًا بأن الحكم الذاتي والمساءلة الأخلاقية هما جوهر الإنسانية الحقيقي.
ما ذكر أعلاه من تفسير علمي لظاهرة الربط بين القلب والعقل يمثل ما توصلت إليه العلوم البشرية حتى الآن، ولا يعني استنتاجًا مطلقًا. فعندما ننظر إلى الموضوع من زاوية أخرى، نجد أن القرآن الكريم قد ذكر القلب في آيات عديدة بمعنى العقل، كما في قوله تعالى: "لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا" [البقرة: 7]، و*"أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا"* [الحج: 46]، و*"وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا"* [يوسف: 100]، مما يذكرنا بأن إدراك الإنسان محدود ويحتاج إلى هدى وفهم أعمق. وبغض النظر عن التفاسير المختلفة التي تفسر القلب بالعقل، وهو اجتهاد يخص المفسرين أنفسهم، يمكن القول إن هناك احتمالًا أن التطور العلمي في المستقبل قد يثبت أن خصوصية القلب فيما يتعلق بالضمير لها دور مركزي في الإنسان، بينما يقوم العقل بتحويل هذه الأحاسيس إلى أوامر تنعكس على سلوكياته.

اعضاء معجبون بهذا

الشرق الأوسط بعد موجة التصعيد: مشهد سياسي مفتوح على التحول
بقلم الكاتب : حنين ضياء عبدالوهاب الربيعي
يدخل الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية بعد جولات من التصعيد العسكري المرتبط بإيران وردود الفعل الإقليمية والدولية التي أعقبتها. ما يجري لا يمكن قراءته كحدث عابر أو اشتباك محدود، بل كحلقة ضمن مسار أوسع لإعادة رسم موازين القوة في المنطقة. فالتوتر الحالي يتجاوز البعد العسكري ليطال بنية التحالفات،... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

يا حجة رب السماء جعلك خليفة * في الأرض حتى يوم القضاء يا حجة سيقف أعداؤك * حيارى في... المزيد
على ناصية الشارع، وقف معلم الرياضيات (حسن) يرتدي بنطاله الرمادي، وجاكيته ذو... المزيد
جاء في موقع الحرة عن لغة الضاد انتشار عالمي ومحدودية على الإنترنت: يبلغ عدد... المزيد
في يومٍ من الأيّام، كنتُ أسيرُ في أحدِ الأسواق، والسوقُ يومئذٍ موجٌ من الأصوات،... المزيد
يا حجة ظهورك هو اليوم * الموعود في قرآن الكرماء يا حجة ولدت في أرض * تحيطها الأعداء... المزيد
لم يكن ميلاد الشعر الحر في العراق حدثًا عابرًا في تاريخ الشعر العربي الحديث، بل... المزيد
جاء في موقع اجابة: تكرار بعض الآيات في القرآن يأتي لأسباب عديدة، بعضها: 1- التأكيد والتوضيح:...
لمّا أرخى الليلُ ستوره، وجلس وحده حيث لا شاهد إلا الصمت، أدرك أن الكلمات التي طالما ادّخرها...
عن كتاب أسرار التكرار في القرآن للمؤلف محمود بن حمزة بن نصر الكرماني: سورة يونس: 191 - قوله ويوم...
قراءة في المجموعة القصصية (دم على ورق | قصص شهداء على طريق القدس) للقاصة أم كلثوم السبلاني...


منذ 3 ايام
2026/03/09
تُعدّ التطورات الحديثة في الكيمياء النانوية من أهم الإنجازات العلمية التي ساهمت...
منذ 4 ايام
2026/03/08
الكاتب/ اسعد الدلفي تستمر الأندية العراقية في التذبذب الفني على الساحة القارية,...
منذ 4 ايام
2026/03/08
هي إحدى الظواهر الطبيعية النادرة والفريدة في العالم، وتتميز بأنها مناطق صحراوية...