التواصل البكتيري هو عملية معقدة تمكن الكائنات الدقيقة من التنسيق والتفاعل مع بعضها البعض من خلال إرسال واستقبال إشارات كيميائية. تعتمد البكتيريا على هذه العملية للبقاء في بيئاتها المتغيرة ولتنظيم سلوكها الجماعي وهي تعتبر آلية حيوية تساعدها في البقاء والتكيف في محيطها. يقوم هذا التواصل على مبدأ بسيط وهو كلما ازداد عدد البكتيريا في البيئة ازدادت كمية الجزيئات الكيميائية التي يتم إفرازها. وعندما تصل هذه الجزيئات إلى تركيز معين يمكن للبكتيريا أن " تشعر" بوجود بعضها البعض مما يؤدي إلى تغيير سلوكها بشكل جماعي. هذا النوع من التنسيق بين البكتيريا يشمل مجموعة متنوعة من العمليات التي تشمل على سبيل المثال إفراز السموم أو تكوين الأغشية الحيوية وهي هياكل تجمع فيها البكتيريا لتتعاون معاً في شكل مستعمرات متشابكة.
تتمثل آلية التواصل البكتيري في استخدام جزيئات كيميائية تعرف بالإشارات الكيميائية وهذه الجزيئات يمكن أن تكون متنوعة حسب نوع البكتيريا. بعض الأنواع تستخدم جزيئات مثل Acyl-homoserine lactone (AHL) بينما تستخدم أنواع أخرى ببتيدات صغيرة. تختلف الأنظمة الكيميائية في البكتيريا بين الأنواع ولكن العملية الأساسية تبقى نفسها وهي عندما تفرز البكتيريا هذه الجزيئات إلى البيئة المحيطة تجمع البكتيريا المحيطة الإشارات وتستجيب لها بطريقة موحدة عندما يصل التركيز إلى حد معين. يعتبر نظام LuxI/LuxR مثالاً شائعاً على هذه الآلية حيث تقوم البكتيريا بإنتاج جزيئات معينة تُلتقط من خلال المستقبلات (LuxR) مما يتيح لها تنسيق سلوكها الجماعي.
من خلال التواصل البكتيري يمكن للبكتيريا تنظيم العديد من الأنشطة المشتركة التي تساهم في بقائها وتكاثرها. على سبيل المثال أحد أبرز التطبيقات هو تنظيم إفراز السموم. بعض البكتيريا مثل تلك المسببة للأمراض المعوية تعتمد على التواصل البكتيري لتنظيم إفراز السموم بشكل يتناسب مع عدد البكتيريا في البيئة. إذا كانت البكتيريا في بيئة تحتوي على عدد كبير منها فإنها تبدأ في إنتاج السموم بشكل أكثر فعالية لأن التركيز العالي يعزز تأثير السم على العائل. بالإضافة إلى ذلك البكتيريا قادرة على تكوين الأغشية الحيوية وهي تجمعات متماسكة من البكتيريا تغلف نفسها بمادة لزجة تحميها من العوامل البيئية أو العوامل المضادة للبكتيريا مثل المضادات الحيوية.
أصبح التواصل البكتيري محط اهتمام كبير من الناحية الطبية خصوصاً في دراسة الأمراض التي تسببها البكتيريا. بعض الأمراض المعروفة مثل التسمم الغذائي والالتهابات المزمنة يمكن أن تكون ناتجة عن القدرة العالية للبكتيريا على التواصل والتنسيق فيما بينها. على سبيل المثال البكتيريا مثل Pseudomonas aeruginosa تستخدم التواصل البكتيري لتنظيم إنتاج السموم التي تسبب التهابات الرئة في مرضى التليف الكيسي. وقد أدى هذا الفهم إلى تطوير استراتيجيات علاجية جديدة مثل الأدوية التي تمنع التواصل البكتيري والتي تهدف إلى تقليل قدرة البكتيريا على تنظيم نشاطاتها الضارة. هذه الأدوية قد تفتح آفاقاً جديدة في علاج الأمراض البكتيرية دون استخدام المضادات الحيوية التقليدية مما يساهم في الحد من مشكلة مقاومة المضادات الحيوية.
رغم الأهمية الكبيرة للتواصل البكتيري في العديد من المجالات لا يزال هناك العديد من التحديات التي تواجه الباحثين في فهم جميع تفاصيل هذه العملية. من أبرز التحديات هو تعقيد الأنظمة المختلفة التي تستخدمها البكتيريا للتواصل بالإضافة إلى عدم فهمنا الكامل لكيفية تأثير هذه الآليات في التنوع البيولوجي على المستويين الجزيئي والبيئي. ومع ذلك تفتح هذه الفجوات البحثية آفاقاً واسعة لدراسات جديدة يمكن أن تساهم في تطوير أدوية مبتكرة أو حلول بيئية مبتكرة.







وائل الوائلي
منذ يومين
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN