في فاجعة ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة على ما يبدو، التهمت النيران مساء الأربعاء 16 يوليو 2025 مجمعًا تجاريًا حديثًا في قلب مدينة الكوت، مخلفةً وراءها أكثر من 60 ضحية بين قتيل ومتفحم، وجرحى كُثر، ومئات العوائل المنكوبة. وكما هو معتاد في العراق، يُقدَّم المواطن مرةً أخرى كقربان على مذبح الإهمال والفساد، بينما تقف الدولة متفرجة، تُصدر التعازي وتشكّل لجان التحقيق.
دولة اللجان والهروب من المحاسبة
المشهد السياسي لم يتغير منذ سنوات: كارثة جديدة، ولجنة جديدة، ووعود بمحاسبة "المقصرين"، ثم يُطوى الملف في أدراج النسيان. في حادثة الكوت، أعلنت الحكومة عن فتح "تحقيق عاجل" ومحاسبة أصحاب المجمع والمسؤولين المحليين، لكنها لم تُجب على السؤال الأهم: كيف يُفتتح مجمع تجاري ضخم دون موافقات رسمية، أو شروط سلامة، أو حتى مخرج طوارئ واحد يعمل
إن الحديث عن مساءلة مالك المبنى أو موظف محلي هو هروب مفضوح من المسؤولية السياسية المركزية. فهذه الكارثة لا تنفصل عن بنية دولة تتغذى على المحاصصة، ويُقسَّم فيها النفوذ بحسب الولاءات لا الكفاءات.
نيران الكوت تكشف احتراق مؤسسات الدولة
لم يكن حريق الكوت مجرد حادث عرضي؛ بل هو نتيجة مباشرة لفشل دولة تُدار بالمحسوبيات لا بالمؤسسات. فكيف تُمنح إجازات بناء لمجمع بهذا الحجم دون تدقيق أين كانت الجهات الرقابية والدفاع المدني ولماذا يُسمح ببيع مواد شديدة الاشتعال في طوابق مغلقة لا تحتوي على نظام إطفاء حديث
المشكلة أعمق من مجرد "مخالفات"، إنها بنيوية دولة لا تطبّق قانونًا إلا على الضعفاء، بينما يتمتع المتنفذون بحصانة كاملة. هذه البنية الفاسدة أنتجت واقعًا تصبح فيه حياة الناس مجرد تفصيل يمكن التضحية به في سبيل الربح أو المجاملة السياسية.
سياسيون تحت الرماد
لم يُسمع لأي نائب عن واسط أو مسؤول حزبي بارز أن يُحمّل نفسه جزءًا من المسؤولية، أو يعتذر صراحة لأهالي الضحايا. على العكس، تحوّلت الحادثة إلى منصة لإطلاق شعارات "الإصلاح" و"محاربة الفساد"، وكأن من تسبب بالكوارث هو كائن خفي لا نعرفه، وليس منظومة سياسية متكاملة تحكم العراق منذ سنوات.
إن ما جرى في الكوت يُظهر مرة أخرى كيف تُدار البلاد بردود الفعل، لا بسياسات وقائية. الكارثة لم تكن مفاجئة، بل كانت متوقعة في أي لحظة، في أي مدينة، لأن شروط الكارثة قائمة دومًا: منشآت عشوائية، غياب للرقابة، ودولة ضعيفة أمام النفوذ والمال.
النار تقول الحقيقة
في العراق، لا شيء يُعرّي النظام السياسي مثل النار. فقد احترقت المستشفيات من قبل، وقاعات الأعراس، ومراكز الاحتجاز، والآن المراكز التجارية. وكلما اشتعلت النيران، ظهر الوجه الحقيقي للدولة: غائب، مرتبك، وعاجز عن حماية الناس.
حريق الكوت ليس آخر المآسي، بل هو تذكير صارخ بأن ما يُحترق فعليًا هو ما تبقّى من ثقة المواطنين بمؤسساتهم. أما الدولة، فهي تنجو مرة أخرى مؤقتًا.







وائل الوائلي
منذ يومين
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN