حين تختل المعايير: الزواج بين المظهر والمسؤولية
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
هذا المقال محاولة لتسليط الضوء على مشكلة معاصرة بدأت تُهدّد البنية النفسية والاجتماعية للأسرة العربية، خصوصًا في العراق، حيث تتقاطع ظواهر مثل الطلاق السريع والعنوسة المتفاقمة مع أنماط تفكير غير ناضجة في اختيار شريك الحياة، في ظل غياب أي تدخل جاد من المؤسسات المعنية.
تشير الدراسات السوسيولوجية إلى أن الأسرة هي اللبنة الأساسية في بناء المجتمع، وأن استقرارها النفسي والاجتماعي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بنضج قرار الارتباط، وتوازن معايير الاختيار بين الطرفين.
عندما تطغى المظاهر المادية في مرحلة الاختيار، تتحول العلاقة الزوجية إلى مشروع هشّ، قابل للانهيار عند أول اختبار.
من جهة أخرى، تُعد العنوسة ظاهرة اجتماعية مركبة، تتجاوز بعدها الشخصي إلى آثارها على مستويات التعليم، الإنتاجية، الأمن المجتمعي، والعلاقات البينية بين الأجيال.
وحين لا تتعامل الدولة والمجتمع مع هذه الظواهر كجزء من السياسات التنموية، تُهدر طاقات بشرية ضخمة وتُنتج أزمات خفية تتفاقم ببطء.
من هنا، فإن التعامل مع الزواج بوصفه "مشروع مسؤولية"، لا "فرصة استهلاكية"، يُعد من أساسيات التصحيح المجتمعي المستدام.
عندما يبدأ الإنسان رحلة البحث عن شريكة حياته، عليه أن يُدرك أن هذه الخطوة ليست مجرد ارتباط، بل هي نواة لبناء أسرة، واختيار أم مستقبلية لأطفاله، كما أرادها الله تكريمًا للحياة.
من هنا، ينبغي الحذر من اختزال الزواج في مظاهره السطحية. فعندما تتركز اهتمامات الطرف الآخر على تفاصيل مثل قيمة المهر، نوع القاعة، الماركات، الذهب، ومكان شهر العسل، أكثر مما تنشغل بجوهر العلاقة وبناء الأسرة، فذلك مؤشّر خطير على اختلال الأولويات.
مثل هذا النموذج من العلاقات يُنذر بفشل مُبكر، لأن ما بُني على المظاهر قلّما يصمد في وجه مسؤوليات الزواج وتحدياته.
وفي هذا السياق، تبرز حالات الطلاق المتزايدة في مجتمعاتنا العربية، خصوصًا في العراق، بوصفها نتيجة مباشرة لسوء الاختيار منذ البداية.
بل إن البحث عن "زوجة تُجيد دور الأم" أصبح مهمة صعبة في ظل غلبة القيم الاستهلاكية والمفاهيم المغلوطة عن الزواج، وهو ما يُفسّر ارتفاع نسب العزوف عن الزواج من جهة، وتزايد حالات الانفصال السريع من جهة أخرى.
مطلوب من الأهل أن يربوا أبناءهم ليكونوا مؤهلين أن يصبحوا أمهات أو آباء مستقبلاً،
وعدم تقديم الشكليات على أساسيات بناء الأسرة.
كثير من حالات السعي للزواج قد فشلت بسبب الاختلاف على الشكليات بين العوائل،
بسبب العقليات المتحجرة، وكانت نتيجتها أن الفتاة بقيت بلا زواج، ومضى العمر لتجد نفسها قد جاوزت الأربعين عامًا،
وقتها تندم كثيرًا على الفرص التي كانت في متناول يدها ورفضتها بسبب شكليات تافهة.
واليوم يُعاني المجتمع العربي كثيرًا من حالات العنوسة بين الرجال والنساء،
كما أن الحكومات لا تتخذ أية خطوات لمعالجة هذه الظاهرة السلبية،
أما منظمات المجتمع المدني، وعلى كثرتها، فإن هذه المشكلة المجتمعية تكاد لا تعنيها،
بينما لو دققنا فيها، نجد أن مشكلة العنوسة تكاد تكون من أكثر المشاكل المجتمعية التي لها انعكاساتها السلبية على كل مفاصل التنمية المجتمعية والانفتاح والتقدم.
فمتى تلتفت الدول لمعالجة هذه المشكلة
إن من مسؤوليات الأسرة أن تُربّي أبناءها وبناتها على أساس أن يكونوا مؤهّلين نفسيًا واجتماعيًا لدور الأبوة أو الأمومة في المستقبل، لا أن تُغذّي فيهم التصورات الاستهلاكية أو الانشغال بالمظاهر.
فكثير من محاولات الارتباط فشلت لا بسبب اختلافات جوهرية، بل بسبب الخلاف على أمور شكلية بين العوائل، نتيجة أنماط تفكير جامدة لا تميّز بين الأساس والثانوي.
وقد كانت نتيجة ذلك أن فتيات كثيرات وجدن أنفسهن وقد تجاوزن سنّ الأربعين دون أن يُمنحن فرصة تأسيس أسرة، بعدما ضيّعن فرصًا كانت حقيقية، لكن تم رفضها لأسباب لم تكن تستحق.
وفي ظل هذا الواقع، تُعاني المجتمعات العربية من ارتفاع معدلات العنوسة لدى الجنسين، دون أن تبدي الجهات الرسمية أو منظمات المجتمع المدني اهتمامًا جادًا بهذه المشكلة، رغم ما تحمله من تداعيات سلبية واسعة.
فالعنوسة ليست مجرد ظاهرة فردية، بل تُلقي بظلالها على الاستقرار الاجتماعي، والنمو السكاني المتوازن، وحتى على مؤشرات التنمية والانفتاح المجتمعي.
فمتى تلتفت السياسات العامة، والبرامج الاجتماعية، إلى أن هذه القضية تستحق أن تُدرج في قائمة الأولويات التنموية، لا أن تُترك معلّقة على هامش الاهتمام
ليس الزواج مجرد عقد شرعي بين رجل وامرأة، بل هو مسؤولية إنسانية تبدأ من اختيار ناضج، وتُبنى على مشاعر صادقة وقيم متوازنة.
وما لم نُعد النظر في طريقة تفكيرنا في الزواج، ونُربّي أبناءنا على أن الأهم ليس حفلة الزفاف بل "الحياة التي تليها"، سنبقى نُكرّر ذات الأخطاء، ونُفرغ مؤسسة الأسرة من محتواها الأصيل.
ولن تنهض أمة تُهمل بناء الأسرة، لأن في سقوطها سقوطًا صامتًا لكل ما بعدها.







محمد عبد السلام
منذ 4 ساعات
في شأن التعليم العالي وما يتّصل به ..
مؤامرة أم "نظرية المؤامرة"
العمل التطوعي لمجتمعٍ متراحم
EN