ليست كل الدراما خيالاً وليست كل المآسي تُصنع على خشبات المسرح أو شاشات السينما ثمة مآسٍ كُتبت بالدم وصُورت بالدموع وحُفرت في ذاكرة الشعوب حفراً لا تمحوه السنوات وما شهده العراق إبان حكم حزب البعث ونظام المقبور ليس حدثاً عابراً في سجل السياسة بل تجربة إنسانية شاملة من القمع المنهجي والإلغاء المتعمد للإنسان وتحويل الدولة إلى أداة رعب منظم ضد شعبها ولا سيما مكوناته الأكبر عدداً: الشيعة والكرد.
حين يُستدعى مصطلح “ العصر الجميل” في وصف تلك الحقبة فإن السؤال لا يكون ساخراً فحسب بل أخلاقياً وتاريخياً في آن واحد: أي جمال يمكن أن يولد في زمن كان الإنسان فيه مطارداً لكونه إنساناً ؟
وأي ازدهار يمكن أن يُروى في حقبة كان الرأي فيها جريمة والانتماء الديني أو القومي تهمة والصمت ذاته لا يضمن النجاة ؟
لقد حكم البعث العراق بمنطق الدولة الأمنية المغلقة حيث لم يكن المواطن قيمة بحد ذاته بل مشروع اشتباه دائم جهاز الدولة لم يُبن لخدمة المجتمع بل لمراقبته وكسر إرادته وإخضاعه نفسياً قبل إخضاعه جسدياً تحولت المؤسسات إلى أذرع قمع والسجون إلى مدن موازية والمشانق إلى مشهد اعتيادي والمقابر الجماعية إلى “حل إداري” للمشكلة الإنسانية .
لم يكن الشيعة في العراق مجرد معارضين سياسيين في نظر النظام بل وُضعوا ضمن خانة “الخطر الوجودي” بسبب هويتهم الدينية وامتدادهم الاجتماعي وارتباطهم التاريخي بثقافة الرفض والاحتجاج أما الكرد فقد وُضعوا في خانة “العدو الداخلي” فكان نصيبهم حملات الإبادة والتهجير والأنفال والسلاح الكيمياوي في واحدة من أبشع الجرائم التي شهدها القرن العشرون .
لم يكن القمع استثناءً بل قاعدة حكم الرأي المخالف لا يُناقش بل يُسحق أصحاب الكلمة كانوا أمام خيارات محدودة : إما الصمت الكامل أو الاعتقال في ثرامات الشعبة الخامسة أو زنازين الرضوانية أو الاختفاء القسري الذي لا يُعرف له أثر كثيرون خرجوا من بيوتهم ولم يعودوا وكثيرون لم يُعرف لهم قبر وكثيرون انتهوا أرقاماً في أرشيف الموت.
في ذلك الزمن ، لم تكن المشانق مشهداً سرياً بل أداة ترهيب علنية التعليق في الساحات العامة لم يكن عقوبة فردية بل رسالة جماعية “هذا مصير من يفكّر” .
التهجير القسري صار سياسة دولة وهدم المنازل على أصحابها جرى بذريعة جاهزة “العائلة معارضة للنظام” لم تكن التهمة بحاجة إلى دليل فالشبهة تكفي والوشاية تقوم مقام الحقيقة .
بلغ الانحطاط الأخلاقي ذروته حين شجع النظام تفكيك الروابط الأسرية نفسها أب يُدفع لقتل ابنه لأنه هارب من الحرب أو ابن يُدفع لقتل أبيه للسبب ذاته هنا لم يعد الحديث عن قمع سياسي فحسب بل عن تفكيك متعمد للبنية الإنسانية والأخلاقية للمجتمع وتحويل الخوف إلى قيمة عليا تحكم العلاقات داخل البيت الواحد.
ثم جاء الحصار ليُكمل ما بدأه الاستبداد حصار مزدوج صدامي داخلي وأمريكي خارجي دفع الشعب العراقي ثمنه وحده لم يكن الحصار عقوبة للنظام بل عقوبة جماعية للناس الإنسان العراقي رُكع لا مجازاً بل واقعاً الجوع لم يترك خياراً والكرامة صارت ترفاً بيع أثاث البيوت صار أمراً اعتيادياً ثم بيع الكتب والمجلدات التي كانت تمثّل ذاكرة العائلة وثقافتها ثم بيع شبابيك المنازل حتى فُتحت البيوت على العراء وفي حالات كثيرة بيع ما هو أثمن من ذلك كله " الكرامة الإنسانية " تحت ضغط الحاجة واليأس .
العالم كان يرى لكنه اختار التفرج المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومؤسسات “حقوق الإنسان” بدت وكأنها تعيش في عالم موازٍ ، العراق وهو عضو مؤسس في الأمم المتحدة تُرك وحيداً وكأن تلك المنظمة تمثّل الحكام لا الشعوب وتُحصي المصالح لا الجثث وتزن السياسة لا المعاناة .
وسط هذا المشهد القاتم تظهر صورة طفل لا يحمل سلاحاً ولا رأياً سياسياً ولا مشروع تمرد طفل اسمه أحمد الموسوي عمره سنتان غُيب لأنه ينتمي لعائلة معارضة هذه الصورة وحدها تختصر الحكاية كلها لأنها تقول إن النظام لم يكن يخشى الرجال فحسب بل كان يخشى المستقبل ذاته كان يخشى طفلاً لم يتكلم بعد لكنه قد يكبر يوماً، وقد يتذكر.
إن مأساة العراق في تلك الحقبة ليست مجرد سرد تاريخي بل جرح مفتوح في الوعي الجمعي جرح لا يُعالج بالنسيان ولا يُغلق بالتجميل اللفظي ولا يُمحى بعبارات الحنين المزيف استعادة تلك الذاكرة ليست انتقاماً بل ضرورة أخلاقية كي لا يُعاد إنتاج الاستبداد بأسماء جديدة ولا يُسرق الألم من ضحاياه .
التاريخ لا يُكتب بالصور الجميلة فقط بل بالحقائق القاسية ومن دون مواجهة صريحة مع ما جرى يبقى خطر التزييف قائماً إن واجب الكلمة وواجب المقال وواجب المجلة أن تكون شاهداً لا شريك صمت وأن تقول بوضوح : ما جرى في العراق لم يكن عصراً جميلاً بل زمناً كُسرت فيه كرامة الإنسان وسُحقت فيه الحياة باسم السلطة.
الصورة هي من تحكي الحكاية ، نعم لكنها تحتاج من يقرأها بضمير ومن يكتبها بصدق ومن ينقلها للأجيال القادمة بلا رتوش فالتاريخ إن لم يُروَ كما هو يعود متنكراً… أشد قسوة.
القصة تبدو كأنها من عالم الدراما، لكنها في الحقيقة أكثر واقعية مما نتصور. ليست كل المآسي تُختلق أو تُعرض على المسرح أو في الأفلام. هناك مآسٍ حقيقية نُسجت بالدم، وذُكرت بالدموع، وتركَت أثرًا لا يُمحى في وجدان الشعوب. ما مر به العراق في عهد حزب البعث ونظام المقبور لم يكن مجرد فصل عابر في تاريخ السياسة. بل كان تجربة إنسانية قاسية، مليئة بالقمع المنظم، ومحاولة لإلغاء وجود الإنسان نفسه. تحولت الدولة إلى آلة رعب مُنظمة، تستهدف أقساماً كبيرة من شعبها، خاصة الشيعة والكرد، الذين كانوا الأكثر تضررًا.







محمد عبد السلام
منذ 3 ساعات
الفقرُ الثّقافيّ
المكياج بلا حدود.. ظاهرة متنامية تُقلق القيم وتُنهك الذات
إرهاب الميديا
EN