في قوله تعالى :
« غير المغضوب عليهم ولا الضالين » قال أمير المؤمنين عليه السلام : أمر الله
عزوجل عباده أن يسألوه طريق المنعم عليهم وهم النبيون والصديقون والشهداء
والصالحون ، وأن يستعيذوا من طريق المغضوب عليهم وهم اليهود الذين قال الله فيهم :
« هل انبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه » وأن يستعيذوا من
طريق الضالين ، وهم الذين قال الله فيهم : « قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم
غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل
» وهم النصارى.
ثم قال أمير
المؤمنين عليه السلام : كل من كفر بالله فهو مغضوب عليه وضال عن سبيل الله.
وقال الرضا عليه
السلام كذلك ، وزاد فيه : فقال : ومن تجاوز بأمير المؤمنين عليه السلام العبودية
فهو من المغضوب عليهم ومن الضالين.
وقال أمير
المؤمنين عليه السلام : « لا تتجاوزوا بنا العبودية ثم قولوا ما شئتم ولن تبلغوا
وإياكم والغلو كغلو النصارى فاني برئ من الغالين ».
فقام إليه رجل
فقال له : يابن رسول الله صف لنا ربك فإن من قبلنا قد اختلفوا علينا.
فقال الرضا عليه
السلام : إنه من يصف ربه بالقياس فانه لا يزال الدهر في الالتباس ، مائلا عن
المنهاج طاعنا في الاعوجاج ضالا عن السبيل قائلا غير الجميل ثم قال : اعرفه بما
عرف به نفسه اعرفه من غير رؤية ، وأصفه بما وصف به نفسه أصفه من غير صورة ، لا
يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس ، معروف بالآيات ، بعيد بغير تشبيه ، ومتدان في بعده
بلا نظير، لا يتوهم ديمومته ، ولا يمثل بخليقته ولا يجور في قضيته.
الخلق إلى ما
علم منهم منقادون ، وعلى ما سطر في المكنون من كتابه ماضون لا يعملون بخلاف ما علم
منهم ، ولا غيره يريدون ، فهو قريب غير ملتزق ، وبعيد غير متقص ، يحقق ولا يمثل ،
ويوحد ولا يبعض ، يعرف بالآيات ، ويثبت بالعلامات ولا إله غيره الكبير المتعال.
فقال الرجل :
بأبي أنت وامي يابن رسول الله فإن معي من ينتحل موالاتكم ويزعم أن هذه كلها صفات
علي عليه السلام ، وأنه هو الله رب العالمين. قال : فلما سمعها الرضا عليه السلام
ارتعدت فرائصه وتصبب عرقا ، وقال : سبحان الله سبحان الله عما يقول الظالمون
والكافرون علوا كبيرا ، أو ليس كان علي عليه السلام آكلا في الاكلين ، وشاربا في
الشاربين ، وناكحا في الناكحين ، ومحدثا في المحدثين؟ وكان مع ذلك مصليا خاضعا بين
يدي الله ذليلا ، وإليه أواها منيبا ، أفمن كان هذه صفته يكون إلهاء؟ فإن كان هذا
إلها فليس منكم أحد إلا وهو إله لمشاركته له في هذه الصفات الدالات على حدث كل
موصوف بها.
فقال الرجل :
يابن رسول الله إنهم يزعمون أن عليا لما أظهر من نفسه المعجزات التي لا يقدر عليها
غير الله دل على أنه إله ، ولما ظهر لهم بصفات المحدثين العاجزين لبس ذلك عليهم
وامتحنهم ليعرفوه وليكون إيمانهم به اختيارا من أنفسهم.
فقال الرضا عليه
السلام : أول ما ههنا أنهم لا ينفصلون ممن قلب هذا عليهم فقال : لما ظهر منه الفقر
والفاقة دل على أن من هذه صفاته وشاركه فيها الضعفاء المحتاجون لا تكون المعجزات
فعله فعلم بهذا أن الذي ظهر منه من المعجزات إنما كانت فعل القادر الذي لا يشبه
المخلوقين ، لا فعل المحدث المحتاج المشارك للضعفاء في صفات الضعف.
ثم قال الرضا
عليه السلام : إن هؤلاء الضلال الكفرة ما اتوا إلا من قبل جهلهم بمقدار أنفسهم حتى
اشتد إعجابهم وكثر تعظيمهم لما يكون منها فاستبدوا بآرائهم الفاسدة واقتصروا على
عقولهم المسلوك بها غير سبيل الواجب حتى استصغروا قدر الله واحتقروا أمره وتهاونوا
بعظيم شأنه ، إذ لم يعلموا أنه القادر بنفسه الغني بذاته التي ليست قدرته مستعارة
ولا غناه مستفادا ، والذي من شاء أفقره ، ومن شاء أغناه ، ومن شاء أعجزه بعد
القدرة ، وأفقره بعد الغنى.
فنظروا إلى عبد
قد اختصه الله بقدرته ليبين بها فضله عنده ، وآثره بكرامته ليوجب بها حجته على
خلقه ، وليجعل ما آتاه من ذلك ثوابا على طاعته ، وباعثا على اتباع أمره ، ومؤمنا
عباده المكلفين من غلط من نصبه عليهم حجة ، ولهم قدوة ، وكانوا كطلاب ملك من ملوك
الدنيا ينتجعون فضله ، ويأملون نائله ، ويرجون التفيؤ بظله والانتعاش بمعروفه ،
والانقلاب إلى أهلهم بجزيل عطائه الذي يعينهم على كلب الدنيا ، وينقذهم من التعرض
لدني المكاسب وخسيس المطالب.
فبينا هم يسألون
عن طريق الملك ليترصدوه وقد وجهوا الرغبة نحوه وتعلقت قلوبهم برؤيته إذ قيل :
سيطلع عليكم في جيوشه ومواكبه وخيله ورجله ، فإذا رأيتموه فأعطوه من التعظيم حقه ،
ومن الاقرار بالمملكة واجبه ، وإياكم أن تسموا باسمه غيره ، وتعظموا سواه كتعظيمه
فتكونوا قد بخستم الملك حقه ، وأزريتم عليه واستحققتم بذلك منه عظيم عقوبته.
فقالوا : نحن
كذلك فاعلون جهدنا وطاقتنا ، فما لبثوا أن طلع عليهم بعض عبيد الملك في خيل قد
ضمها إليه سيده ورجل قد جعلهم في جملته وأموال قد حباه بها فنظر هؤلاء وهم للملك
طالبون ، واستكبروا ما رأوه بهذا العبد من نعم سيده ورفعوه عن أن يكون من هو
المنعم عليه بما وجدوا معه عبدا فأقبلوا يحيونه تحية الملك ويسمونه باسمه ،
ويجحدون أن يكون فوقه ملك أو له مالك.
فأقبل عليهم العبد
المنعم عليه وسائر جنوده بالزجر والنهي عن ذلك والبراءة مما يسمونه به ويخبرونهم
بأن الملك هو الذي أنعم عليه بهذا واختصه به وإن قولكم ما تقولون يوجب عليكم سخط
الملك وعذابه ويفيتكم كل ما أملتموه من جهته وأقبل هؤلاء القوم يكذبونهم ويردون
عليهم قولهم.
فما زال كذلك
حتى غضب عليهم الملك لما وجد هؤلاء قد ساووا به عبده وأزروا عليه في مملكته وبخسوه
حق تعظيمه ، فحشرهم أجمعين إلى حبسه ووكل بهم من يسومهم سوء العذاب.
فكذلك هؤلاء
وجدوا أمير المؤمنين عبدا أكرمه الله ليبين فضله ويقيم حجته فصغر عندهم خالقهم أن
يكون جعل عليا له عبدا ، وأكبروا عليا عن أن يكون الله عز وجل له ربا ، فسموه بغير
اسمه ، فنهاهم هو وأتباعه من أهل ملته وشيعته.
وقالوا لهم : يا
هؤلاء إن عليا وولده عباد مكرمون مخلوقون مدبرون لا يقدرون إلا على ما أقدرهم عليه
الله رب العالمين ، ولا يملكون إلا ما ملكهم ، لا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا
ولا قبضا ولا بسطا ولا حركة ولا سكونا إلا ما أقدرهم عليه وطوقهم وإن ربهم وخالقهم
يجل عن صفات المحدثين ، ويتعالى عن نعوت المحدودين ، فان من اتخذهم أو واحدا منهم
أربابا من دون الله فهو من الكافرين وقد ضل سواء السبيل. فأبى القوم إلا جماحا
وامتدوا في طغيانهم يعمهون ، فبطلت أمانيهم وخابت مطالبهم وبقوا في العذاب الاليم.
المصدر : بحار الأنوار
المؤلف : العلامة الشيخ محمد باقر المجلسي
الجزء والصفحة : جزء 25 / صفحة [ 274 ]