تداخل الرأفة والقهر الإلهيين
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج10، ص544-545
2026-09-01
310
لله سبحانه حكم قاهر، إلا أنه في حكمه هذا رءوف ورحيم بالعباد أيضاً. فالقهر والرأفة الإلهيان ليسا منفصلين بعضهما عن بعض كي يصح القول إن الله رءوف في بعض الأمور وقهار في بعضها الآخر، بل قهره ورأفته متداخلان بعضهما في البعض كما جلاله وجماله كذلك لا بل لا يقتصر الأمر على تلابس قهره برأفته، بل إن حكمه القهري ناشئ من رأفته. وعمل الطبيب الجراح نموذج لتقارن القهر والرأفة، بمعنى أن رأفته وعطفه هو الذي أوجب عليه قطع العضو الفاسد من البدن، فيكون قهره وجلاله ثمرةً لرحمته وجماله.
إن قهر الله وجلاله ينبعان من لطفه ورأفته، لذا يمكن القول إنّ الله سبحانه رءوف بالجميع:، (وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ[1]) في حين لا يمكن القول إن الله قهار بالنسبة إلى الجميع.
والجهاد واحد من تجليات اقتران جلال الله وقهره بجماله ولطفه؛ لأن الجهاد مع المشركين والكافرين يضمن الحياة الواقعية للمجتمع. وحفظ سلامة المجتمع وتأمين جريان ماء الحياة الطيبة في أنحائه يوجبان أن يجتث الله أعضاء ذلك المجتمع الفاسد أي (المشركين والملحدين) على يد المجاهدين المثابرين، ومن هذا المنطلق لما بين القرآن الكريم واقعة غزوة بدر والإمدادات الغيبية ولزوم إطاعة قيادة الرسول الأكرم ﷺ دعا المؤمنين إلى الامتثال لدعوة الله ورسوله لهم لما فيه حياتهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ[2]).
وظاهر الآية هو لزوم الاستجابة لكافة الأوامر الإلهية الحيوية، لا خصوص الحرب والقتال؛ إلا أن سياق الآيات يشير إلى نزول الآية حول الجهاد، ويفهم من ذلك بالصراحة والنصّ ما في الجهاد من أثر في سلامة حياة المجتمع.
وانطلاقاً من الأصل المذكور يذكر الله سبحانه في أكثر الآيات المشتملة على حكمه القاهر بآثار رحمته أيضاً. فحين يذكر حكم القصاص الذي تقع مسؤولية تنفيذه على مسؤولي النظام الإسلامي ويصعب على القاتلين تحمّل تطبيقه عليهم، يقول: أيها المؤمنون! أو جبنا عليكم حكم القصاص في القتل العمد. ثم يقول في الآية التي بعدها: إننا لم نكن نريد إشاعة سفك الدماء في المجتمع، أو إراقة دم أحد عبثاً، بل أصدرنا حكم القصاص لأنّ حياة الأمة تتوقف عليه: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[3]).
إذن، فالجهاد في المسائل الاجتماعية، والقصاص في المسائل الفردية كل واحد منهما فيه حياة المجتمع، وهذا الحكم الحيوي صادر من الله الذي هو مبدأ الحياة.
[1] سورة البقرة، الآية 207.
[2] سورة الأنفال، الآية 24 .
[3] سورة البقرة، الآية 179.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة