تفيد هذه الآية أن الأمة الإسلامية ينتظرها امتحان عسير: (وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم). ويستفاد من استعمال مفردة (ما) أن هؤلاء لا يزالون في أول الطريق؛ حيث لم يمروا حتى الآن بالامتحانات التي ابتليت بها الأمم السابقة. ويؤيد ذلك التحقق الخارجي لحرب الأحزاب وأمثالها بعد نزول هذه الآية، حيث نجح المؤمنون في هذا الامتحان الإلهي وشملتهم عطايا خالقهم المتمثلة بالنصر في الدنيا ودخول الجنة في الآخرة.
لقد تحمل المسلمون في مكة ضغوط الحصار الاقتصادي والمضايقات السياسية والأمنية، لكن الذي عليهم في المدينة هو تحمّل مصاعب الحرب المفروضة دون أن يطمعوا في معونة أي أحدٍ سوى الله، حيث يفيد بعض الروايات عن شأن نزول هذه الآية أن الرسول الأكرم ﷺ وأنصاره عند مهاجرتهم إلى المدينة جابهوا الفقر والمصاعب الاقتصادية لأنهم كانوا يقدمون رضا الله ورسوله ﷺ على المسائل المالية والعاطفية، فأظهر اليهود عداءهم للرسول، كما كان بعض الأثرياء يتآمرون في الخفاء، فأنزل الله تعالى هذه الآية التي وعدهم فيها بالنصر لتهدئة قلوب المسلمين وتسليتهم[1].
وعلى أي حال، فالتعبير المذكور يشير إلى أنّ الامتحان الإلهي ليس أمراً جديداً لا سابقة له، وأنّ المسلمين إذا أرادوا أن يفوزوا بوصال الجنّة فعليهم أن يتصرفوا مثل من سبقهم من أهل الجهاد وتحمّل الصعاب؛ حيث قال لهم إنّ الامتحان الإلهي ليس شيئاً خاصاً بكم، بل إنّ الأمم السابقة وأنبياءهم أيضاً قد امتحنوا وفقاً لهذه السنة الإلهية فتغلبوا على جميع المصاعب.
وقد بين الله سبحانه كيفية امتحان الماضين فقال: إن المصاعب قد أحاطت بهم من الخارج (كالحرب) ومن الداخل كالإصابة والقتل وبثت فيهم الاضطراب والتزلزل حتى التجأ الرسول والمؤمنون معه إلى الله وطلبوا منه النصر (مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ). وهذه الآية تخاطب المؤمنين في صدر الإسلام قائلة لهم إنكم إذا لم تمتحنوا مثل من مضى قبلكم، فلن تصلوا إلى الجنة.
تنبيه: إن كلمة (الرسول) في هذه الآية ليس المقصود بها يقيناً الرسول الأكرم خاتم الأنبياء ﷺ، بل هي واردة للجنس والمقصود بها هم الأنبياء السابقون. ومن أبرز أمثلتهم إبراهيم وموسى عليهما السلام اللذان امتحنهما الله بأنواع المخاطر والمشكلات الفريدة، لكنهما استقاما ولم يتطرق الشك إلى قلبيهما.
لقد هددوا نبي الله إبراهيم عليه السلام بالنار المشتعلة القطعية: (حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ[2])، وأشعلوا النيران الملتهبة وألقوه في أتونها: (فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ[3])، إِلَّا أنه لم يلجأ إلى سوى الله، بل إنّه في قمة احتياجه إلى الله لم يطلب منه المساعدة، بل اكتفى بقوله إن الله يعلم بحالي ولا يحتاج إلى قولي: «حسبي من سؤالي علمه بحالي[4]».
وهكذا حال نبي الله موسى عليه السلام، أيضاً، فهو عندما سار ليلا مع بني إسرائيل ووصل إلى نهر النيل صار بين الماء والنار، فأمامه البحر المواج وخلفه جيش فرعون المدجج بالسلاح. هنا اضطرب بنو إسرائيل واستولت عليهم الوساوس، لكن نبي الله موسى عليه السلام حافظ على رباطة جأشه وقال بكل تصميم وعزم: (كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ[5])، لأن خالق كل شيء من البحر وسيف آل فرعون هو الله سبحانه.
وهكذا استقام هذان العظيمان فنالا الجنة.
وهنا يجب التنبيه الى أن الطلب الاخير إنما كان حول كلمة (الرسول) بالخصوص لبيان أن المقصود منها هو ليس خاتم الانبياء ﷺ ولا علاقة للحديث بالأمة اذ عند القاء نبي الله ابراهيم عليه السلام في النار لم تكن هناك أمة حتى يجري الحديث عنها الآن.
[1] أسباب نزول القرآن، ص 68 - 69؛ مجمع البیان، ج 1 - 2، ص 546. وهناك روايتان أخريان أيضاً في هذين المصدرين حول شأن نزول الآية الشريفة، هما: 1 - عندما استولى الخوف على المسلمين في غزوة الخندق ووقعوا في الحصار، نزلت هذه الآية ودعتهم إلى الثبات أمام المصاعب، ووعدتهم بالنصر. 2 - لما انهزم المسلمون في غزوة أحد، قال لهم عبد الله بن أيّ: إلى متى تعرضون أنفسكم للقتل؟ لو كان محمد ﷺ رسول الله فإن الله لا يترك أنصاره عرضة للأسر والقتل، فنزلت هذه الآية الشريفة جواباً له. وذكر بعض المصادر التفسيرية أيضاً أن شأن نزول الآية هو المصاعب التي كان يلاقيها المسلمون في المدينة، دون الإشارة إلى حرب خاصة. وما نقله الفخر الرازي عن ابن عباس يشير إلى هذا السبب العام. التفسير الكبير، مج 3، ج 6، ص 19. ويجب الانتباه إلى أن ما ورد في هذه المصادر - على فرض صحته - إنّما هو من موارد (التطبيق) و بيان بعض صغريات الآية، وإلا فحكم الآية عام ويشمل جميع الموارد. أضف إلى ذلك أن الموارد المذكورة ليس لها من الاعتبار ما يعتد به إذ هي ليست منقولة عن أحد المعصومين.
[2] سورة الأنبياء، الآية 68 .
[3] سورة الصافات، الآية 97 .
[4] الكشاف عن حقائق التنزيل، ج 3، ص 126 ؛ بحار الأنوار، ج 68، ص 156 .
[5] سورة الشعراء الاية 62