1. التحليل القرآني للإنفاق: حلل القرآن الكريم مسألة الإنفاق من زاوية المبدأ الفاعلي للمال ومن زاوية المبدأ الغائي له، إضافة إلى دراسة الوضع الموجود.
وقد ذكر الله سبحانه بعباراتٍ مختلفة في القرآن الكريم أنه هو وحده المبدأ الفاعلي للمال. فمرة يذكر أنّ كلّ ما في الأرض والسماء ملك الله سبحانه: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ[1])، ومرة يقول إن كل ما لديكم قد أعطاكم الله إياه: (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ[2])، (أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُم[3]) وذلك كي لا يقع أحدهم في الوهم والمرض الفكري الذي ابتلي به قارون حين اعتبر عقله وسعيه مبدأ لحصوله على الثروة: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي[4])؛ ولأن الكثير من الناس يبذلون جهدهم للحصول على المال لكن دون جدوى، لذلك يجب على مَن رُزق شيئاً من المال أن يعلم أنه عطاء إلهي تترتب عليه مسؤوليات كثيرة.
أما مسألة مالكية الأفراد فلا محلّ لها إلا في العلاقات الاجتماعية ومقايسة أحدهم بالآخر؛ وليس في العلاقة مع الله؛ لأنّ الإنسان خليفة الله وليس مالكاً في قباله: (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ[5]). ومن هنا فالتعابير من قبيل (أموالهم) و(أموالكم) عندما تأتي في القرآن إنما تأتي باعتبار العلاقات الاجتماعية بين الناس.
ويكمن الفرق بين النظرتين المذكورتين في أن الإنسان إذا لم يعتبر نفسه مالكة في قبال الله بل اعتبر نفسه عبدةً وخليفةٌ له، فحينئذ سينفق بكل يسر وسهولة من ذلك الشيء الذي وهبه الله له.
وبعد أن اتضح أن المبدأ الفاعلي للمال هو الله، قال توضيحاً للنظام الغائي للمال إن نيابة العبد عن الله في التصرف بالمال الذي أعطاه إياه إنما هي موقتة وليست دائمية، لذا يجب على الإنسان ألا يتصوّر أنّ ثروته خالدة: (يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا ۖ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ[6])، فهي ستؤخذ منه عاجلاً أو آجلاً وتعطى إلى شخص آخر كي تعود مرة أخرى إلى الله؛ لأنّ كل ما في السماوات والأرض هو ميراث الله وسيعود إليه في النهاية: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[7]).
وليست أموال الناس هي وحدها ميراث الله، بل إنهم هم أنفسهم سيرتهم الله أيضاً: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا[8]).
وقصارى القول أن منشأ الأموال ومآلها هو الله، وأن ما يعطى إلى الإنسان في الفاصلة بين هذين المبدأ والمرجع إنّما هو من باب الخلافة والنيابة الموقتة وليس من باب المالكية. ومن هنا سيسهل على الإنسان الواعي بذلك إطاعة أوامر الله القاضية بالإنفاق؛ لأنه يعلم أنّ هذا الأمر ليس مجرد موعظة خالية من الحكمة وليس فيها أي فائدة له، بل هي موعظة تتصف بالحكمة والاستدلال.
وبعد بيان الله سبحانه لمسألة المال في الأقسام الثلاثة المذكورة بهذه الطريقة الحكيمة، حثّ الناس على الإنفاق، وتولّى هدايتهم وموعظتهم بأسلوب مليء بالحب قائلاً إني قد جعلتكم أمناء على الخزائن الإلهية وقلت لكم استفيدوا منها ما ينفعكم ما دمتم قادرين وما دامت الفرصة متاحة لكم، فأنفقوا واستودعوا ذلك عند الله كي يبقى لكم: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ[9]). وإذا لم تفعلوا ذلك فإن كل ما تنفقونه في حياتكم اليومية وولائمكم العادية التي لم تقصدوا فيها التقرب الالهي سيكون كالريح الحارقة التي تهب على احدى المزارع فتتلف كل ما فيها من الزرع والثروة: (مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ[10]).
وفي موضع آخر استعمل تعبيرا توبيخيا فقال لهم إنكم أنتم الذين دعيتم الى الانفاق في سبيل الله إلا أن بعضكم بخل ولم ينفق فاعلموا اذن انكم بذلك تكونون قد بخلتم على أنفسكم وأنزلتم درجتكم ومقامكم لان الله غني وأنتم الفقراء فإذا عصيتم الاوامر الالهية فإن الله سيسحب وكالته التي أعطاها اياكم ويستخلف غيركم ممن ليسوا مثلكم مكانكم: (هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم[11])، فعلى هذا لايتصور الانسان أنه اذا لم يجاهد ماليا فسينهار الدين.
2. فائدة المنفق من الانفاق للإنفاق: في سبيل الله فوائد عديدة وهو سبب في حل مشكلة الفقر الاقتصادي لان الفقر الطبيعي كالشيخوخة والمرض والعجز الناتج عن حوادث العمل هي من الامور التي لا علاج لها إلا أن فائدة الانفاق في سبيل الله تعود الى الانسان نفسه.
وقد بين الله سبحانه هذه الحقيقة بعبارات مختلفة فقال حينا ان ما من إنفاق قليللا كان أم كثيرا إلا وكتبه الله في حساب صاحبه وأدى ما يترتب عليه من الثواب: (وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ[12]). وحينا عبر عنه بعبارة لطيفة ووصفه بالتقديم والتمهيد فقال: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ[13]).
ومن هذا المنطلق كان الامام السجاد عليه السلام يقول حين انفاقه على الضعفاء: (مرحبا بمن يحمل لي زادي الى الاخرة[14]).
إن أعمال الخير تتقدم وتصل الهدف قبل فاعلها ثم يأتي الفاعل خلفها حتى يهتدي الى مقصده وهكذا يوصل عمل الخير صاحبه الى مقصده فأعمال الخير التي يقول بها المحسنون تذهب الى الجنة وتمهد لهم مكانهم فيها وتجهزه ثم تدعوهم الى دخولها: (مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ[15])، وهذه الاية تتحدث عن التمهيد لاعن الادخار.
3. الاسلام وعزة النفس: أيقظ الاسلام في موارد عديدة خصلة الكرامة وعزة النفس لدى الناس فهو من جهة ينهى الناس عن إهانة أنفسهم بسؤال الاخرين وتعظيم الاغنياء بسبب امتلاكهم للمال[16]، بل يذكرهم بأن عليهم أن يتصرفوا معهم كما يتصرفون مع بقية الناس العاديين لأن معيار الكرامة والعزة هو التقوى والفضائل الخلفية لا المال وزخارف الدنيا وبهارجها وبهذا العمل يكون قد قوى عزة النفس والكرامة.
ومن جهة أخرى يدعو الناس الى السعي ما وسعهم أن يكونوا هم الباذلين بدلا من أن يكونوا سائلين فاليد المعطاء هي أفضل الايادي وهي التي تحفظ كرامة الانسان وعزته: (خير الايدي المنفقة[17])، (واليد العليا خير من اليد السفلى[18]). كما أن المال المنفق في سبيل الله لا يذهب هباء بأي حال من الاحوال إذ الاكيد أن هناك ما هو خير منه وسيأتي فورا ليحل محله: (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ[19]).
والحقيقة أن انفاق المال يشبه أخذ الماء من النهر الجاري أو البحر لا مثل اقتطاع الصخور الصلدة من باطن الارض اذ إن الموضع الذي تقتطع منه الصخرة سيتحول الى حفرة يحتاج ملء فراغها الى مرور زمن طويل بينما يختلف الحال مع الماء المأخوذ من النهر أو البحر اذ سرعان ما يمتلئ مكانه فورا بما يأتي عوضا عنه ثم إن الله لم يعد بزيادة مال المنفق بل إنه وعد بتعويضه بما يحل محله وهذا الامر قد يكون بما هو أفضل من المال حيث يمكن أن تكون زيادة المال أحيانا سببا في الافساد وإن كان الله إذا علم مصلحة في الزيادة أحيانا زاد في ماله أيضا.
إن من يؤمن بمضمون الاية المذكورة فسوف ينفق بيد مبسوطة لأن الله الذي هو أصدق القائلين هد وعده بالتعويض الفوري وأن الانفاق لا ينقص مما عنده شيئا وقد صرحت روايات الائمة المعصومين عليهم السلام أيضا بأن الانسان اذا أيقن بوجود مثل هذا التعويض فستكون يده مفتوحة للإنفاق والعطاء من أيقن بالخلف جاد بالعطية[20].
وجدير بالذكر أن انفاق العلم أنفع من انفاق المال اذ إن ثمرة انفاق المال هي امتلاء مكانه فقط في حين أن الانفاق المعنوي -كالتعليم والتدريس- لا يقتصر الامر فيه على عدم نقصان شيء منه بل ربما كان سببا في نمو ثروة الانسان العلمية.
4. أقسام الإنفاق: يستفاد من الايات الكريمة وروايات المعصومين عليهم السلام أن الانفاق ينقسم تبعا لتقسيم التكاليف الى خمسة أقسام:
أ. إنفاق الواجب العيني كالإنفاق على الزوجة والأبناء الذين تجب نفقتهم على الانسان وإنفاق الابن على الاب والأم اضافة الى الانفاق على الايتام والفقراء وأبناء السبيل الذين يكون الانفاق عليهم واجبا كفائيا لا عينيا كما يشمل الانفاق الواجب الزكاة والخمس والكفارة والفدية أيضا.
ب. الانفاق المستحب كالهدايا والهبات المتعارفة بين الناس والتي تتم بقصد القربة.
ج. الانفاق المكروه كالإنفاق على الغريب المستحق مع وجود القريب المستحق أو الانفاق على غير الجيران مع وجود الجار المحتاج وانعدام المانع من الانفاق عليه والكراهة في مثل هذه الموارد ربما كانت بمعنى أن اقلية الثواب لا الحزازة والنقص في أصل العمل.
د. الانفاق الحرام وهو ما تكون الغاية منه هي الوقوف بوجه انتشار الاسلام حيث تكون حرمته ذاتيه وكذلك انفاق الاموال المحرمة والمشكوكة في الموارد يجب اجتناب الشبهة فيها والقسم الاخير تكون حرمته عارضة لا ذاتية.
هـ. الانفاق المباح كالإنفاق على المؤمن لتسهيل معيشته ورفاهيته في حين أنه قادر على امرار معاشه بالقدر الكافي.
تنبيه: لا تختص الاية الشريفة التي هي مورد البحث بالإنفاق الواجب بل تشمل الانفاق المستحب أيضا[21]، إذ إن الامامية ترى أن النفقة على الاقربين ليست واجبة إلا في الموارد الخاصة[22] ويجب الالتفات الى أن الانفاق في الاصل هو من أعمال الخير ولا يختص بالموارد المذكورة في الاية وإن كان رجحان هذه الموارد مما لاشك فيه.
[1] سورة النساء، الآية 131 .
[3] سورة البقرة، الآية 254
[4] سورة القصص، الآية .78
[5] سورة الحديد، الآية 7.
[6] سورة الهمزة، الآيتان 3 و 4 .
[7] سورة الحديد، الآية 10 .
[9] سورة النحل، الآية 96 .
[10] سورة آل عمران الاية 117
[11] سورة محمد ﷺ الاية 38
[12] سورة التوبة الاية 121
[13] سورة البقرة الاية 110
[14] بحار الانوار ج46 ص98 ترجمة وشرح كيفية الغمة ج2 ص263
[16] راجع: بحار الانوار ج75ص56
[17] بحار الانوار ج75ص149
[18] المصدر نفسه ج21 ص211
[20] بحار الانوار ج10 ص99
[21] راجع: مواهب الرحمن ج3ص264
[22] مجمع البيان ج1-2ص548