كانت الامتحانات الالهية في الأمم السابقة من الشدة بحيث ربما تزلزلوا نتيجة لها: (وَزُلزِلُواْ).
وهذا التزلزل والاضطراب لم يظهر له أثر إلا في أبدان المقاتلين فكانت وجوههم مصفرة وألسنتهم منعقدة وأبدانهم ترتجف إلا أن قلوبهم وأرواحهم كانت مطمئنة ومن هنا كانوا مع اضطرابهم يطلبون نصر الله بقلب هادئ ويقولون: (مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ)، يشبه حالهم هذا حال من يسمع صفارة الانذار فينتفض ويعدو مرتكبا يبحث عن طريق لخلاص نفسه إلا أنه وهو في هذه الحال يردد (يا الله) بروح يغمرها الثبات.
يقول الله سبحانه في هذا الخصوص إن المؤمنين لم يظهر منهم على الاطلاق أي ضعف وتخاذل تجاه مصاعب الحرب ولم يبد منهم ما يدل على الخنوع والاستكانة بل استقاموا ولم يطلبوا من الله بقلب مطمئن إلا غفران ذنوبهم وتجاوزه عن قصورهم وتقصيرهم وأن يثبت أقدامهم وينصرهم: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَن قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ[1]).
أما أنبياء الله وأولياؤه فقد كانوا يتمتعون بمستوى من القدرة الروحية يمنعهم من أن ترجف أبدانهم كما قال أمير المؤمنين الامام علي عليه السلام لما وقعت معركة بدر التي كانت أول حروبنا ولم يكن مقاتلو الاسلام قد تمرسوا على القتال كان أكثرهم مضطربين يرتجفون إلا رسول الله ﷺ حيث كان يناجي ربه في أصل شجرة من المساء حتى الصباح كأن لم تكن هناك حرب غدا[2]. وهذه هي المعنويات العالية لدى رسول الله وأوليائه.
وقد وصف الله سبحانه إيمان الأمة الاسلامية وثباتها الروحي بقوله إن الاضطراب والتزلزل الشديد قد اعترى المسلمين في حرب الاحزاب ولكن لم يكن في قلبهم سوى ذكر الله وبينما كان المنافقون وضعيفو الايمان يبدون تذمرهم ويقولون إن الدين والرسول ﷺ قد خدعانا إذ وعدانا بالنصر الذي لم نر له أثرا كان منطق المؤمنين الذي يدل على ثباتهم الروحي والايماني يقول إن الله ورسوله قد تحقق وعدهما وقد نصرانا ومن هذا المنطلق لم يتأسف أحد منهم على ما قدمه في هذه الحرب لا الشهداء ولا المجروحون ولا المفقودون ولا الاسرى فهم يرون أن من ذهبوا الى لقاء الله إنما أدوا ما عليهم من دين أما هم فينتظرون الوفاء بما عاهدوا الله عليه فإما أن يستشهدوا في سبيل الله أو يقضوا على أعداء الدين[3].
وهذه المجموعة من الايات تفيد عدم وجود التناقض بين اضطراب أبدان المؤمنين وتزلزها الظاهري وبين هدوئهم الروحي وثباتهم على الايمان لأن ارتجاف البدن واصفرار الوجه وتلجلج اللسان وتغير نبرة الحنجرة ونبضات القلب الصنوبري أثناء المصاعب والحوادث الاليمة (كالحرب والقصف) كلها أمور طبيعية وذلك كالمجروح الذي يستشهد بسبب شدة النزف لكن قلبه – الذي يمثل مركز الايمان – يعيش أقصى حالات الاطمئنان ولن يتزلزل أبدا ولا يتراجع أو يتخاذل أمام العدو.
ثم إن هذا التزلزل والاضطراب لا يتعلق بالوعد الالهي والمسائل الدينية والنفسية التي تعود الى أصول الدين لأن هؤلاء كانوا متيقنين من هذه الامور: (أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ[4])، بل ربما كان ذلك من جهة تأخر النصر وشدة الجروح المسعتصية وكثرة الشهداء والسرور الظاهر على الاعداء المهاجمين وانعدام سبل النجاة الظاهرية وما شابه ذلك مثلما قال الله سبحانه لرسوله في أوائل نزول الوحي: (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ[5])، أي إننا قد أعطيناك شرح الصدر كي يسهل عليك تجاوز الزخارف والشكليات وتتمكن من ادراك المعارف السامية وتحمل المشكلات لأن ظرف القلب يجب أن يكون واسعا منشرحا إذ إن القلب الضيق ل يمكنه استيعاب الحقائق السامية وتجاوز المشكلات الكبيرة.
ولاشك في أن هذه الاية لا تتناسب ظاهريا مع آية (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ[6])، لأن الاية الاولى تثبت شرح الصدر لرسول الله ﷺ، وهذه الاية تثبت ضيق الصدر إلا أن الواضح أن ضيق صدر الرسول كان تجاه الجهل والضلال والسفاهة بحيث إنه لا يستطيع أن يسمع كلام الجهلاء وليس تجاه أصل الاسلام ومسؤوليته تجاهه وأداء وظيفته.
وذلك أولا لأن الله سبحانه عندما بين شرح الصدر للرسول باعتباره أصلا كليا فمثل هذا النوع من الايات سوف لا يباين ذلك الاصل الكلي وذلك مثل الاصل الكلي: (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ[7]) حيث يستفاد منه أن ضمير (عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ[8]) لا يعود الى رسول الله.
وثانيا أن الرسول الاكرم ﷺ لما كان مأموراً بأحياء أموات صحراء الكفر وإيقاظ نيام وادي الغفلة ولم يكن خطيبا عاديا صار من الطبيعي أن يتألم ويضيق صدره من ضلالهم إذن فهذا النوع من ضيق الصدر والانزعاج الذي هو عبارة عن أمر طبيعي لا يتنافى مع شرح صدر ذلك الرسول.
تنبيه: يمكن أن يتعرض أنبياء الله الى الاضطراب البدني عند مجابتهم للمشاكل والأخطار لكنهم من الناحية الروحية كشجرة طوبى وأشجار بستان العالم السامقة الشامخة الغنية بالثمار وفي هذا البستان يكون الكافرون والملحدون في جميع العصور والبلدان بمثابة الحشائش التالفة عديمة الجذور[9]. ولما كان الهدف الاصلي للخلقة هو حفظ الاشجار المثمرة الممثلة للحياة والرقي لا الحشائش التالفة لذا يقوم صاحب هذا البستان أي الله الخالق للكون (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا[10]) بحصادها واقتلاعها ورميها في مزابل التأريخ، كما قال: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ[11])، وكما فعلنا مع قوم عاد وثمود الذين تمتعوا أربعمائة سنة فبنوا القصور في السهول ونحتوا البيوت في قلب الجبال حتى اجتثثناهم اجتثاثا لم يبق بعده أي أثر لهم[12]. وكال فرعون أيضا الذين اجتثثناهم وألقيناهم في البحر: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ[13]).
وهكذا يتكرر هذا التعبير الالهي عن مصير أعداء سائر الانبياء فمع أن الاشجار المعمرة في الحالات الطبيعية إذا اقتلعت جذورها من باطن الارض تبقى آثار ذلك ظاهرة للعيان مدة من الزمن إلا أن الله عندما يقضي على الاعداء اللدودين للأنبياء فإنه يقضي عليهم بطريقة لا يبقى لهم أثر بعدها كإزالة النظام الشاهنشاهي في ايران الاسلامية.
إن هذه الحشائش المجتثة تشبه بعض أضغاث الاحلام في تناقضها وعدم جدواها مما يؤدي الى أن يكون أثراه وقتيا بينما أنبياء الله يقظون دوما مرتبطون ببعضهم ارتباطا وثيقا.
[1] سورة آل عمران الايتان 146و147
[2] الارشاد ج1 ،73 بحار الانوار ج19 ص279
[3] سورة الاحزاب الايات 9-24
[5] سورة الانشراح الاية 1
[9] سورة ابراهيم الايات 24-26
[12] سورة الاعراف الاية 74، سورة هود الايتان 67و68، سورة الحجر الايات80-84، سورة الاحقاف الايات 21-25.