ظلَّ حريصا بصورة مفرطة من أخذ الحذر الشديد من أن يصيبه وباء كورونا منذ أن بدأ يحاصرنا ؛ فكان يلبس بدلَ الكمامة كمامتين ، ويلبس قفازات اليدين ،ويضع في جيبه بدل علبة الجل المعقم علبتين ، وكان اذا جاءه أخوته او أصحابه في اجتماع ما يجبرهم على تعقيم أنفسهم أمامه حتى تطمئن نفسه من انه لا يصيبه ما أصاب الناس من موت زؤام أومرض عصيب.
وجاء اليوم من بعد أشهر من انتشار الوباء ليزور إمامه ومولاه ..فقد تاقت روحه الى العناق السرمدي...ذهب...ودخل الصحن الشريف وهو كعادته التي لازمته يرتدي الكمامتين والكفوف وعلبتي الجل لا تفارقانه... فحتى حين ينام يضعهما عند رأسه فاذا استيقظ عقَّم يديه فلربما صافح أحدا في حلمه او التقاه...
رمقت عيناه القبر الشريف بنظرة اشتياق وتحسر ..وراوده سؤال : ألا نزورك كل هذه المدة؟؟ كم نحن جفاة مقصرون؟!! ولكن صوتا آخر تمتم له بخبث قائلا لماذا لا تقل : كم نحن جفاة جبناء؟!! وكان هذا كافيا له لانهمال عينيه بالدموع....
لكنه ظل متماسكا وهو يموج بانفعالات شتى لم يألفها ...وواصل المسير نحو الضريح المطهر.. ظلت عيناه تذرفان بحرارة وحرقة أكثر، توقف عند عتبة باب الدخول ...وهنا أخذت تحاصره الاسئلة وتحدث في نفسه زوبعة ما ولربما ستتحول الى اعصار قريب يغيِّر حالة السكون عنده...لسان الاسئلة: اذا كان هذا الحرم طاهرا و آمنا فلماذا ألبس الكمامة والكفوف؟؟؟ وإذا كان اعتقادي راسخا بان صاحب القبر الشريف يسمعني ويراني ،وانه من أشرف خلق الله وأقربهم منه ،ولديه من الجاه والمنزلة ما يمكنه ان يقول للشيء كن فيكون ..أليس سهلا عليه ان يدفع عنا هذا الوباء ويخلِّصنا من هذا الذي لا يبين وهو مهين؟؟
وهنا رجع الصوت الآخر إليه ليقول : احذر ..لا تندفع بعواطفك انه أمر خطير...كيف تخلع الكمامة والكفوف؟؟؟ فمن تراهم بعينك أغلبهم مصابون.. وأنت محافظ على نفسك وعائلتك طوال أشهر مضت...لا تفسد أمرك بهذه المجازفة الخطرة...وإمامُكَ ومولاك يعذرك على ما أنت عليه ..وانت ملتزم بما وجَّه الاولياء الصالحون وما حذَّروا منه...ومن ثمَّ لم تنتهك ثوابتك ولا زلت عليها...
ظلَّ هكذا برهة من الزمن ..جفَّت دموع عينيه ..بقي متسمرا على عتبة ضريح الامام لا يدري أي صوت سيطغى في نفسه ليواصل المسير....







د.فاضل حسن شريف
منذ 3 ايام
هي المواكب إن كنتَ تجهلها ..
المرجعية ردّت كل الشبهات ضد المرجعيات عبر التأريخ
إرهاب الميديا
EN